سعد الحريري في مصر.. انحياز للاعتدال وللبنان

الأربعاء 2014/02/26

في ظلّ ما تمرّ به المنطقة العربية حاليا، لا مفرّ من البحث مجددا عن توازن ما يحمي كلّ دولة من دولها، بما في ذلك لبنان، بل خصوصا لبنان.

كان لبنان، ولا يزال، ضحيّة الخلل في التوازن الذي يعاني منه الشرق الأوسط. نعم، لبنان يعاني من أن إيران كانت الطرف الوحيد الذي حقّق انتصارا بعد الحرب الأميركية على العراق في العام 2003. هذا لا يعني أنه كان من الخطأ التخلص من نظام صدّام حسين البعثي- العائلي. لكنّ إسقاط النظام كان يفترض أن يحصل بطريقة أخرى بعيدا عن إيران التي شاركت الأميركيين في تلك الحرب، وعملت بكلّ الوسائل الممكنة من أجل التمدد إقليميا في كلّ الاتجاهات على حساب كلّ ما هو عربي في المنطقة.

ما يوفّر بعض الأمل بأنّ الوضع الراهن لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية، بداية عودة مصر. هناك دعم عربي لمصر. هناك دعم بدأته دولة الإمارات العربية المتحدة التي سارعت إلى توفير مساعدات لمصر وللثورة المصرية في الثلاثين من يونيو الماضي. قدّمت الإمارات على الفور ثلاثة مليارات دولار، وتوجه مسؤول كبير فيها إلى القاهرة لتأكيد الدعم السياسي أيضا. ما لبثت المملكة العربية السعودية أن قدّمت خمسة مليارات دولار، وقدّمت الكويــــت أربعـة مليارات دولار.

لم تقصّر المملكة الأردنية الهاشمية بأي شكل، على الرغم من أن قدرتها على تقديم مساعدات مادية أكثر من محدودة. فالملك عبدالله الثاني توجّه بنفسه إلى القاهرة لتأكيد وقوف المملكة مع ثورة الشعب المصري، التي تمثّل في الوقت الراهن بارقة أمل لكلّ عربي يؤمن بمصر ودورها ووزنها.

كانت زيارة الرئيس سعد الحريري الأخيرة للقاهرة دليلا على أن لبنان حاضر إلى جانب مصر وشعب مصر، وأنّه يعمل من أجل استعادة التوازن الإقليمي، بالحدّ الأدنى منه.

كان سعد الحريري الذي التقى الرئيس المؤقت عدلي منصور والمشير عبد الفتّاح السيسي وزير الدفاع المصري في غاية الوضوح. كان أكثر من واضح. كان مباشرا في الحديث الذي أجراه معه الزميل عماد الدين أديب، خصوصا عندما قال: “إننا نريد أن نرى مصر كما يراها كلّ عربي معتدل. نحن كلبنانيين معتادون على أن يكون لمصر دور وكلمة، خصوصا أنّ كثيرين يحاولون لعب دور في المنطقة في هذه المرحلة. نحن في حاجة إلى الدور المصري للمحافظة على الهويّة وعلى منطقتنا العربية”.

ليس سرّا أن هناك حاجة عربية إلى مصر. هناك حاجة عربية إلى الاعتدال الذي تمثّله مصر. ولبنان لا يمكن إلا أن يستفيد من عودة مصر، لا لشيء سوى لأنّ لبنان يعاني أوّل ما يعاني من غياب الدور العربي الذي يسمح لإيران بالتدخل المباشر في شؤونه الداخلية عن طريق الدولة التي أقامتها على حساب الدويلة اللبنانية.. وأن تدعم نظاما سوريا لا همّ له سوى قتل أكبر عدد من المواطنين السوريين بشكل يومي.

تبيّن أنّ هناك في لبنان من هو على استعداد للقيام بما يمليه عليه الواجب. ما قام به سعد الحريري كان واجبا على كلّ عربي يعرف تماما ما هو على المحكّ في الشرق الأوسط عموما، وفي لبنان على وجه التحديد.

لم يكن نجاح “ثورة الثلاثين من يونيو” في مصر نجاحا للشعب المصري فقط. كان هذا النجاح نجاحا عربيا، خصوصا أن إيران حاولت اختراق مصر طوال السنة التي تولّى فيها محمد مرسي الرئاسة، بل قبل ذلك عندما جرى تهريب مرسي من السجن.

صار هناك لوبي إيراني في مصر. كان هناك في القاهرة، بين مستشاري مرسي، من يدفع في اتجاه تعميق العلاقة بين القاهرة وطهران. لم تأبه مصر- الإخوان المسلمين بالتورّط الإيراني في سوريا إن بشكل مباشر أو عن طريق الميليشيات الشيعية العراقية، أو عن طريق “حزب الله” ذي العناصر اللبنانية، والذي هو في طبيعة الحال لواء في “الحرس الثوري” الإيراني.

ما فعله سعد الحريري هو كشفه أن لبنان، رغم وضعه الصعب والتعقيدات الداخلية، ما زال قادرا على المبادرة وأن فيه من يعرف جيّدا أهمية استعادة مصر من زاوية الاعتدال أوّلا. هناك في لبنان فوق ذلك كلّه من يعرف جيّدا “أن سوريا أهمّ لإيران من مشروعها النووي” على حد تعبير سعد الحريري في مقابلته التلفزيونية.

لا يزال في لبنان من يتعاطى مع الواقع الإقليمي من دون أوهام. لا رهان في المدى المنظور على دور أميركي فعال في سوريا من أجل تخليصها من النظام، ولا رهان على إفشال الاتفاق الأميركي- الإيراني في شأن الملف النووي. على العكس من ذلك، هناك تشجيع على استكمال الحوار بين واشنطن وطهران، ولكن من دون أن يعني ذلك أن السياسة الإيرانية يمكن أن تتبدل بين ليلة وضحاها. فإلى إشعار آخر لا فارق أساسيا بين محمود أحمدي نجاد والرئيس الجديد حسن روحاني، خصوصا في كلّ ما يخص التدخل إلى جانب النظام السوري في المواجهة التي يخوضها مع شعبه.

في كلّ يوم يمرّ، يتبيّن أن على العرب تحمّل مسؤولياتهم. يفترض بهم انتهاز أية فرصة لاستعادة بعض التوازن الإقليمي. الرهان على مصر في محلّه على الرغم من مشاكلها “الضخمة” كما قال المشير السيسي خلال زيارته الأخيرة لموسكو. ولكن في نهاية المطاف، يظلّ الانحياز لمصر بمثابة انحياز للاعتدال. والمعتدل “يقاتل بشراسة أكثر من المتطرف” على حدّ تعبير سعد الحريري. فالمعتدل لديه قضيّة عادلة. قضيّة لبنان عادلة، وقضيّة مصر عادلة.

من ينحاز لمصر المعتدلة إنما ينحاز في الوقت ذاته للبنان. ليس أمام لبنان من خيارات سوى القيام بما يستطيع القيام به في سبيل إعادة التوازن إلى الشرق الأوسط وإبعاده قدر الإمكان عن كلّ شكل من أشكال التطرّف. هذا الأمر ليس غريبا عن سعد الدين رفيق الحريري.. بل أكثر من طبيعي أن يكون نجل رفيق الحريري كذلك.


إعلامي لبناني

8