سعد الحريري والحوار السني الأخير مع حزب الله

الثلاثاء 2015/02/17

سعد الحريري هو آخر زعيم سني يمد يده لحزب الله ويتحاور معه. فتح في خطابه الذي ألقاه في الذكرى العاشرة لرحيل رفيق الحريري مخرجاً رباعياً للنجاة أمام الحزب يقوم على تسليم المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري والانسحاب من سوريا وتسهيل انتخاب رئيس للجمهورية والكف عن توزيع السلاح تحت مسمى سرايا المقاومة.

لا يبدو الحزب مهتما بالنجاة، بل يمارس تجاهلا فظاً لكلام الحريري لأنه يعلم أنه غير قادر ولا راغب في تغيير واقع الأمور عبر اللجوء إلى منطق مماثل لمنطقه. يمارس إلغاء قاسياً للحريري، ويسخر جمهوره من طبيعة الاحتفال الذي يضم غناء وموسيقى، ما لا يمثل في نظره سوى علامة نهائية على رخاوة تيار المستقبل ولينه، مقارنة بجهامة احتفالاته وصرامتها وعسكريتها.

يعيش الحزب في السياسة الداخلية اللبنانية زمن انتشاء بتغييب سعد الحريري، وشله، وقمع روح الحريرية في وسط الطائفة السنية، وتحويل كل ذلك الزخم السياسي والسلوكي الناطق بلسان الاعتدال والتسويات إلى خطاب فلكلوري بارد، لا مكان له في عالم القوة والعصبية والتغلب.

يرسم هذا الانتشاء بالغلبة ملامح علاقة الحزب وجمهوره بتيار المستقبل. هذه الغلبة لم تعد مجرد تعبير عن سلوك يتيحه فائض القوة، بل باتت العقيدة والدين والطائفة. تاليا لا يمكن تصور أن يصدر كلام أو موقف أو سلوك يغاير ما أسست له من مفاهيم القطيعة، والاستقواء، ورفض التفاهم والحوار.

من هنا يمكن لنا أن نرسم ملامح السني الآخر المناقض لسعد الحريري الذي يسعى الحزب بكل ما يملك من قدرات إلى صناعته وتصميمه. إنه السني المفخخ الذي لا يرتدي بدلة عصرية، ويحرّم الموسيقى والاحتفال، والذي ينذر حياته للموت.

يعرف الحزب ومن يحارب لحسابه في سوريا وفي أي مكان أن لا مجال له للانتصار سوى بدفع هذا النوع من السني ليتحل واجهة المشهد. لا يستطيع الحزب ولا إيران ولا نظام الأسد الانتصار سوى على مثيلهم وشبيههم، أما ذلك الذي يناقضهم فلا سبيل للانتصار عليه بأي شكل من الأشكال.

كل ما يجري في المنطقة يؤكد سيادة هذا النزوع عند الحزب الإلهي وصناعه. الهجمة المستميتة للقوات الإيرانية والأسدية وحزب الله على مناطق الجنوب السوري التي تحضن آخر معاقل الجيش الحر ممثل الاعتدال الوحيد، تعني بوضوح لا لبس فيه إن المعركة الأساسية والفعلية كانت مع هذا النوع من السني وستبقى كذلك.

الحرب على الإرهاب الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية لم تكن يوماً سوى كذبة ثقيلة غير قابلة للتصديق لأن كل ما قام به هذا التنظيم المتوحش إنما يصب في مصلحة النظام وحلفائه. الجميع يعلمون أن هذا التنظيم لم يسيطر على مناطق كانت تحت سلطة النظام بل إن جل المناطق التي تقع حاليا تحت سيطرته كانت واقعة تحت سيطرة الجيش الحر المعتدل الذي لا يقطع الرؤوس، والذي ليست فيه عناصر أجنبية، والذي يمثل عنوانا واضحا لثورة وطنية سورية على ظلم النظام.

يركّب حزب الله للسني الداعشي القادم، وربما الأكثر وحشية من داعش، خريطة مشروعية تمتد على مساحة الوجود السني في المنطقة. يعتقد أنه سينتصر في الجنوب السوري ويفك الحصار عن دمشق ويعيد تعويم الأسد. يتحدث بمنطق حاكم المنطقة الإيراني الذي أعلن سيطرته على أربع عواصم عربية هي بغداد، وصنعاء، ودمشق، وبيروت. لا يرى في سعد الحريري طرفا آخر وهو الذي لا يسيطر في رأيه على أي شيء، فبيروته التي يتغنى بها قابلة لتكرار سيناريو اجتياحها في السابع من مايو في أية لحظة، وهو يزورها زيارة الخائف المتوجس القلق وليس أدل على ذلك سوى الإجراءات الأمنية غير المسبوقة التي رافقت إطلالته في مجمع البيال، لذا فإنه ليس صالحا للتحاور.

قد تكون مقاربة الحزب لحجم سلطات الحريري واقعية، فالرجل لا يسيطر على عواصم. كل ما لديه هو جمهور مدني مؤيد لمشروع الدولة، ومنطق الاعتدال ومد اليد. لكن الحزب لا يعلم أن هذا الرجل هو الوحيد والأخير الذي يمكن للتفاهم معه أن ينقذ الحزب من نهايات محتومة لن يرحمه فيها أي من ضحاياه، ولن يكون أي انتقام منه مهما كان حجمه غير منطقي وطبيعي.

يمسك سعد الحريري إذن بسلطة أكثر بكثير من التي يملكها حزب الله الذي يتماهى مع خطاب السيطرة الإيرانية المتوهمة على عدة عواصم عربية. يمسك سعد الحريري بيده مفتاح النجاة، ومتى ما أجبر على رميه من يده فلن يجد أبناء الغلبة سوى من يهديهم مفاتيح الجحيم.

7