سعد بوعقبة و"الخبر".. وحكومة سلال

الأربعاء 2016/06/01

منذ إقرار التعددية الحزبية في الجزائر بعد دستور 23 فبراير 1989، وما تبعها من حرية للصحافة المكتوبة، ودعم الدولة لها في البداية، لم تعد السلطة قادرة على مواجهة النقد سواء من الصحافة أو من الشعب، وعلى دربها سارت المعارضة، ولذلك فشلت هذه الأخيرة في إحداث أيّ تغيير يذكر خلال السنوات الماضية، ليس فقط لأن بعض الأحزاب ـ بما في ذلك الإسلامية ـ فضَّلت أن تعيش في جلباب النظام، ولكن لأنها ورثت أسلوب نظام الحزب الواحد في التعامل مع الصحافة، مضافة إليه سيئاتها الكثيرة، والمحصلة أن الصحافة المكتوبة المستقلة نجحت، منذ انطلاقتها الأولى، ولم تكن آنذاك مزعجة أو مقلقة أو مخيفة للسلطة لأن متابعاتها تركزت على القضايا المجتمعية، وحين اهتمت بالسياسة وبالإرهاب، وتغذى بعض الصحف لسنوات من دماء الجزائريين، بدأت السلطة تطوقها بأساليب مختلفة.

وخلال الـ27 سنة الماضية ـ كما كان قبلها ـ نجح بعض الصحافيين في تجسيد موقف المدافع عن الدولة بغض النظر عن التكلفة الاجتماعية والسياسية، وكان الفصل واضحا لديهم بين السلطة حتى لو كان فيها أصدقاؤهم، وبين الدولة حتى لو لم تكن مناسبة للعيش في فترة ما، وعلى رأس هؤلاء يأتي الصحافي سعد بوعقبة، الذي ولأكثر من أربعة عقود كان يناضل من أجل الجزائر، ومن أجل إقرار الحقائق كما هي، والميل إلى الشعب حتى لو كان ثمن ذلك السجن أو التهميش أو التوقيف أو التضييق عليه في العيش.

سعد بوعقبة يقف اليوم في وجه عاصفة ظاهرها حق الدولة الجزائرية لجهة تحكمها في الوضع العام بما في ذلك بيع المؤسسات الخاصة، لكن باطنها هو فرض الفساد وتعميمه، وعدم السماح بالخروج عنه، الدليل على أن الخلاف بين جريدة “الخبر” والسلطات الجزائرية لم يبدأ مع صفقة بيع الخبر لرجل الأعمال الجزائري يسعد ربراب ـ الذي كان مدعوما إلى وقت قريب من النظام الجزائري ـ وإنما يعود إلى فترة سابقة على خلفية مقالات لسعد بوعقبة في عموده اليومي “نقطة نظام”.

الحملات الإعلامية وتلك الأخرى المتمثلة في عرقلة نشاط جريدة “الخبر” ميدانيا، ناهيك على رفع دعوى قضائية من وزارة الاتصال ضد “الخبر”، جميعها تسعى لتكريس وضع جديد ينم عن رفض آني ومستقبلي لمحاربة الفساد، مع محاولة تطويع الصحافة لخدمة أهداف تتعلق بالمستقبل السياسي للنظام الجزائري، خاصة في هذه المرحلة التي يتكالب فيها السياسيون والتجار وخبراء الفساد على السلطة على اعتبار أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في حكم المنتهي.

الحملات الإعلامية وعرقلة نشاط جريدة "الخبر"، ورفع دعوى قضائية ضد "الخبر"، جميعها تسعى لتكريس وضع ينم عن رفض آني ومستقبلي لمحاربة الفساد، ومحاولة تطويع الصحافة لخدمة النظام الجزائري

هنا لا بد من الإشارة إلى أن حكومة عبدالمالك سلال من خلال تصريح بعض وزرائها من غير ذوي الاختصاص، تثير نوعا من البلبلة في الرأي العام، وقد أدرك وزير العدل وحافظ الأختام الطيب لوح هذا الأمر فرفض منذ 3 أيام التعليق حول قضية “الخبر” ورجل الأعمال يسعد ربراب، مفضلا التريث وانتظار كلمة الفصل من محكمة بئر مراد رايس في الثامن من يونيو الجاري، وقد ذهب إلى أبعد من ذلك، حين قال “إن القضاء المخول الوحيد للفصل في الملف”، موضحا أن القانون يمنعه من التصريح أو الإدلاء برأيه، مطالبا الجميع بالتزام الهدوء، وتجنب الخوض في القضايا المطروحة على مستوى العدالة.

من ناحية أخرى طالب الطيب لوح- خلال جلسة التصويت على قانون العقوبات والبصمة الوراثية بمجلس الأمة – وسائل الإعلام وكذا المسؤولين بتفادي التعليق على القضايا المطروحة أمام القضاء بما فيها قضية مجمع الخبر، وقال لوح “إنه لا يمكن لأي أحد التعليق على القضايا الموجودة أمام العدالة، وأن الجميع مطالب بالمساهمة في زرع ثقافة دولة القانون.. بما فيها وسائل الإعلام الوطنية، لا نريد أيّ حديث عن قضايا لم يتم الفصل فيها قضائيا “، وجاء ذلك ردا على سؤال حول مدى مصداقية إعلان بيع أسهم مجمع “الخبر” ببورصة الجزائر.

ليس واضحا مدى استجابة باقي وزراء حكومة سلال لطلب وزير العدل، لكن النتيجة – وبغض النظر عن حكم القضاء في موضوع بيع جريدة “الخبر” لربراب – فإن التجربة الإعلامية في الجزائر تؤكد على كسب الصحافي سعد بوعقبة لكل القضايا، حتّى تلك التي حكم فيها القضاء ضده وأدخل بسببها السجن، فقد خرج بعدها أقوى مما كان في السابق، وأتصور أن هذه المرة ستكون لصالحه أيضا ومن خلاله جريدة “الخبر”، إما بالانتصار وإتمام الصفقة، وإما بالحكم لصالح وزارة الاتصال، وهنا تكسب “الخبر” الرأي العام.

مهما يكن حكم القضاء في الثامن من الشهر الجاري، فإن العلاقة ستظل متوترة بين نظام الحكم الجزائري والصحافة المكتوبة، وفي وقت لاحق الإعلام المرئي، والذي يتمّ التضييق عليه بعدم اعتماده، والسبب في ذلك هو أن عدم ثقة المسؤولين في أنفسهم وعدم شرعية بعضهم وعدم إدراكهم للواقع السياسي جعلتهم في حالة من القلق الدائم.. إنهم موظفون يتحكم فيهم مزاج الرئيس من جهة، ومصالحهم الشخصية من جهة أخرى، وكم مرّ قبلهم، وكم سيأتي بعدهم، لكل ذلك سيظل بوعقبة وأمثاله في صفوف الدفاع الأولى عن الدولة الجزائرية.

ثلاثية الخبر وبوعقبة وحكومة سلال، هي جمع للمتناقضات، وتعبير عن صراع بين قوى مختلفة، تشكل راهن الدولة الجزائرية، وليس من الإنصاف القول من هو على حق لأن هذا أمر يخص القضاء، لكن الذي أعرفه ويعرفه غيري من الإعلاميين – تلاميذ سعد بوعقبة وهم كثْر – أن بوعقبة هو الثابت الوحيد في معادلة الصراع، وسيظل فاعلا، وحاجة الرأي العام إليه في الجزائر، توجيها وتبليغا ومحبة، أكثر من حاجته للكثير من رجال السلطة، وأعتقد أن هذا يمثّل هاجسا وقلقا وخوفا للنظام.

كاتب وصحافي جزائري

8