سعد ناجي جواد: بيان 11 آذار منح الأكراد حقوقهم وفشل في إرساء التفاهم

قال رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، مؤخرا، إن “أفضل وفاء لتضحيات شعب كردستان هو الاستقلال والتحرر النهائي”، وجاء هذا التصريح بمناسبة إحياء ذكرى الاضطرابات التي وقعت في مارس 1991، ويسميها الأكراد “الانتفاضة الكردية”. وتعتبر هذه الأحداث هي أحد تداعيات فشل تطبيق مقررات بيان 11 آذار 1970 الذي أنهى قتالا بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بزعامة الملا مصطفى البارزاني، ومنح بمقتضاها الأكراد ضمانات بالمشاركة في الحكومة واستعمال اللغة الكردية في المؤسسات التعليمية؛ لكن تبين أن اتفاقية 11 آذار ولدت وهي تحمل بين طياتها بذور فشلها الذي مازالت تداعياته متواصلة إلى اليوم، وما تصريح البارزاني الابن وتأكيده على الاستقلال التام إلا دليل على هذا الفشل.
الجمعة 2017/03/10
كركوك حجر عثرة في طريق أي توافق بين بغداد وأربيل

تحل السبت 11 مارس الذكرى السابعة والأربعون لبيان 11 آذار 1970، الذي تم توقيعه بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بزعامة الملا مصطفى البارزاني. توقّف بموجب هذا البيان القتال الدائر بين الطرفين واعترفت الحكومة العراقية بالحقوق القومية للأكراد.

لكن، انهار البيان بعد أربع سنوات من عقده. وتقف وراء هذا الانهيار، الاتفاق الذي مازال العراقيون يعانون من تداعياته، عوامل كثيرة يشرحها سعد ناجي جواد الأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد والمحاضر حاليا في إحدى الجامعات البريطانية، الذي غاص خلال حوار مع “العرب”، في ذاكرة تاريخ هذا الحدث وتفاصيله التي كان شاهدا عليها.

يروي سعد ناجي جواد أن لقاء جمع الرئيس الراحل صدام حسين، يوم كان نائبا للرئيس أحمد حسن البكر، مع قيادي كردي بارز هو المرحوم دارا توفيق، فسأله صدام “ما هي مطالبكم؟” فأجابه توفيق أن مطالب الأكراد هي وقف القتال وإطلاق سراح الموقوفين وتعويض المتضررين، وغير ذلك من المطالب الآنية. عندها بادره صدام حسين بالقول إن هذا ليس حلا للمشكلة، وإنما نحن نفكر بمنحكم الحكم الذاتي، ففوجئ دارا توفيق بذلك وعاد إلى كردستان العراق ونقل إلى المرحوم الملا مصطفى البارزاني ما سمعه.

يضيف جواد أنه قيل إن الملا ذهب إما هو بنفسه أو أرسل من ينوبه لمقابلة شاه إيران وإبلاغه بالأمر، وأن الأخير أجاب أن هذه لعبة وكذبة وهو أمر لن يتحقق.

كانت إيران الشاه، في تلك المرحلة، دائما ما تحاول تحريض الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) على السلطة المركزية وتضع العراقيل في طريق أي تقارب بين الطرفين لدواع تتعلق بمصالح إيران فقط. مشيراً إلى أن إيران وتركيا اشترطتا على (البارتي) عدم محاولة التأثير على الأكراد في دولتيهما إذا ما أراد الحزب استمرار الدعم منهما.

ويروي أيضا أن قياديا كرديا كبيرا أخبره أن كل كردي مهما كان مستواه إذا ما أراد دخول إيران فإنه كان يفتش تفتيشا دقيقا وتؤخذ منه أي ورقة مهما كانت صغيرة إذا كانت مكتوبة باللغة الكردية.

وفي المقابل، فإن قيادة البارتي تعاونت مع الحكومتين، وخاصة إيران، في تسليم الأكراد التابعين للدولتين إذا ما أظهروا أي نشاط سياسي معاد لحكومتيهما.

أسباب الانهيار كثيرة

رفضت أنقرة وطهران البيان وتضايقتا من صدوره. وتضايقت منه أيضا بعض الدول الخليجية والقوتان الدوليتان بريطانيا والولايات المتحدة، لأنها كانت ترى أن هذه الخطوة ستقوي نظام البعث.

لكن سعد ناجي جواد يرى أنه مهما كان الموقف من حزب البعث وسياسته فإن الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن إقرار وإصدار بيان آذار في العام 1970 كان حدثا كبيرا وجريئا ونصرا، ليس فقط للشعب الكردي، وإنما للشعب العراقي ككل.

ويوضّح قائلا إن يقدّم هذا المشروع حزب قومي عربي، فتلك مسألة ستظل تحسب له. إذ يعلم متتبعو الأحداث ومن عايشوها في تلك المرحلة أن مجرد الحديث عن الحكم الذاتي كان من المحرمات في الساحة العراقية، بل وحتى العربية والإقليمية.

قدّم الاتفاق ضمانات للأكراد بالمشاركة في الحكومة واستعمال اللغة الكردية والتمتع بحقوقهم، لكن لم يتم التوصل إلى حل حاسم بشأن قضية كركوك ونفطها، وهي قضية مازالت عالقة إلى اليوم. وكان هذا الخلاف أحد الأسباب الكثيرة التي أدت إلى انهيار بيان 11 آذار. ومن وجهة نظر جواد، كانت هناك جملة من الظروف والأخطاء التي أدت إلى فشل تطبيق الاتفاق بالكامل. في مقدمة هذه الأسباب أن البيان وبنوده كانا أكبر بكثير من بعض القيادات التي وقعته، وكانا بالتأكيد أكبر بكثير من القيادات التالية التي أوكلت إليها مهمة تطبيقه. وكانت الثقة منعدمة بين الطرفين اللذين وقعا الاتفاق.

سعد ناجي جواد: الكوادر الحكومية والكردية وخاصة الأجهزة الأمنية لدى الطرفين كانت تعمل ضد بنود اتفاق 11 آذار

إذ كان كل طرف يتحين الفرص للوثوب على الطرف الثاني وإسقاطه. فقيادة البعث وقّعت البيان وفي ذهنها تقوية نفسها وتثبيتها في الحكم مع محاولة إضعاف (البارتي) وقياداته، فيما عدّ البارتي البيان فرصة ذهبية لتثبيت حق قومي كردي مع العمل على التعاون مع جميع الأطراف الدولية والإقليمية المعادية للعراق ولحكومة البعث.

وتأتي أيضا التدخلات الخارجية لتشكل أحد أهم الأسباب التي أدت إلى فشل تطبيق بيان 11 آذار.

ويشير سعد ناجي جواد إلى أن القيادة الكردية، آنذاك، ارتبطت ارتباطا وثيقا، بل ومصيريا بإيران وبقدر أقل بإسرائيل. ويضيف أن أربيل كانت على استعداد لتقوم بأي شيء تطلبه طهران منها، في حين أنها كانت تتعنت أمام مطالب السلطة المركزية في بغداد.

وعندما حدث تأميم النفط في العام 1972، وفِي المدة التي كان فيها السلام سائدا، أدلى مصطفى البارزاني بتصريح لصحيفة واشنطن بوست يبلغ فيه الإدارة الأميركية أنه على استعداد لإلغاء قرارات التأميم إذا ما أعانته الحكومة الأميركية على تغيير النظام في العراق.

من جهتها، وعلى الرغم من صدور البيان، حاولت الحكومة المركزية اغتيال البارزاني ونجليه إدريس ومسعود، مع محاولات لتصفية قيادات أخرى.

وعلى مستوى ردود الفعل، يقول سعد جواد إن رد الفعل الرسمي الدولي كان منقسما بشأن الاتفاق، الذي أنهى قتالا داميا. كان الاتحاد السوفييتي، آنذاك، الأكثر تأييدا للاتفاق، بينما فوجئت به الولايات المتحدة وبريطانيا ووجدتا فيه تقوية لنظام البعث في حين لم تكونا راغبتين في استمراره، وزاد تآمرهما على النظام بعد عملية تأميم النفط في العام 1972.

وعلى المستوى الشعبي، حظي اتفاق 11 آذار بترحيب كبير لأنه أنهى مشكلة دامت خمسين سنة ورافقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة، كما أنه أوقف نزيف الدم العراقي. ولم يكن المجتمع العراقي قبل العام 2003 منقسما ومجزءا، كما هو الحال الآن.

كانت الأقلية الوحيدة التي شعرت بعدم الارتياح للبيان لإعطائه قوة كبيرة للقومية الكردية، هي القومية التركمانية. وسارعت حكومة البعث إلى إصدار تشريعات منحت الشعب التركماني في العراق حقوقا ثقافية وأدبية ونقابية.

الخارطة السياسية للعراق

يفتح سعد جواد صورة الخارطة السياسية للعراق، في ذلك الوقت، مشيرا إلى أنه لم تكن هناك أحزاب سياسية، بالمعنى المعروف، باستثناء الحزب الشيوعي وبعض الحركات، مثل حركة القوميين العرب، وهي مجموعة أجنحة وليست حركة موحدة، وحزب البعث اليساري.

وبالنسبة للحزب الشيوعي، الذي كان قد بدأ حوارات مع قيادة البعث للدخول في جبهة، وهو ما تحقق بعد سنة تقريبا، فإن موقفه كان مؤيدا وكذلك بعض أطراف حركة القوميين العرب، لم يكن أي حزب أو شخصية لتجرؤ على انتقاد مثل هذا البيان.

ويضيف أن النقد جاء لقيادة البعث بسبب الصراعات السياسية وعلى أساس أنها وقّعت البيان حتى تمنح نفسها فسحة من الوقت لكي تثبت نفسها في الحكم وتقوي أجهزتها الأمنية والعسكرية. أما بالنسبة لقيادات حوزة النجف فقد كانت مؤيدة للحل السلمي.

صدام حسين والملا مصطفى البارزاني بعد مفاوضات إقرار بنود بيان 11 آذار

ولكن من قراءاته لرد الفعل الداخلي العراقي لبيان 11 آذار، يؤكد أن جميع الأطراف المختلفة مع حزب البعث كانت متضايقة لأنها شعرت أن هذا البيان سيقوي حزب البعث ويدعمه ويثبته في الحكم، إذ أنهم أرادوا من استمرار القتال إضعاف نظام البعث وإسقاطه كما حدث في 18 نوفمبر من العام 1963.

وفي ما يتعلق بالأكراد، فقد كانوا موزعين بين قيادتين أقواهما التي يتزعمها الملا مصطفى البارزاني (البارتي)، والثانية التي يتزعمها جلال الطالباني الرئيس العراقي السابق. ويوضح جواد أنه بعد أن سيطر حزب البعث على السلطة في العراق بالكامل، سحب الملا مصطفى وزراءه من الحكومة وقاطعها، ثم تحولت المقاطعة إلى قتال عنيف بين الطرفين.

وفي تلك المدة من 30 يوليو 1968 وحتى إعلان البيان في العام 1970، أصبح الحزب، الذي يرأسه جلال الطالباني وحماه إبراهيم أحمد، الذي انشق في العام 1964 وظل يحتفظ بالاسم الرسمي للحزب، أقرب إلى حكومة البعث، بل ومتحالفا معها. وتم منح الحزب امتياز إصدار جريدة يومية باسم جريدة النور، وأصبح الحزب يعرف بـ”جماعة النور”.

سخّر حزب الطالباني جريدته ونشاطاته لمهاجمة الملا مصطفى وكوادر حزبه، ونشر وثائق عن تعاون البارتي مع إسرائيل وزيارات قياداته لها، وعن دور إيران في كردستان العراق.

وبعد توقيع الاتفاق أصرّت القيادة العراقية على إجراء مصالحة بين الطرفين. وبموجب المصالحة طلب الطالباني الموافقة على السفر إلى ألمانيا الشرقية لغرض الدراسة، ثم استقر في دمشق؛ في حين أن إبراهيم أحمد عاد إلى كردستان العراق وعاش في شبه إقامة جبرية في منزل جبلي بمحافظة السليمانية.

وخُيّرت بقية الكوادر بين العودة إلى الحزب الأم أو البقاء في بغداد أو السفر إلى الخارج. ووفق جواد كان حزب الطالباني أضعف من أن يقف بوجه الاتفاق أو أن يحل محل البارتي في المفاوضات، مشيرا إلى أن جناح الطالباني – إبراهيم أحمد كان أول طرف يدشن العلاقة مع إسرائيل وإيران منذ العام 1962، أي قبل انشقاقه، وبعد الانشقاق استثمر الملا مصطفى هذه العلاقات وطورها واستفاد منها.

من المتهم

لا يمكن اتهام طرف واحد بأنه الوحيد وراء فشل اتفاق 11 آذار وانهياره، فالقيادة الكردية متمثلة بالملا مصطفى البارزاني والحكومة المركزية كانتا مسؤولتين بشكل مباشر عن فشل تطبيق بيان 11 آذار، فالكوادر الحكومية والكردية، وخاصة الأجهزة الأمنية لدى الطرفين كانت تعمل، عن دراية أو عدم دراية، ضد بنود الاتفاق.

وعملت الأطراف الخارجية وخاصة إيران التي كانت عينها على شط العرب، والكيان الإسرائيلي الذي كان يطمح إلى إبقاء العراق وجيشه مشغولا بحرب داخلية طاحنة، بنحو محموم على اندلاع القتال مرة أخرى.

ووصل الأمر بإيران إلى الاشتراك بصفة فعالة في القتال إلى الجانب الكردي، بدليل أن اتفاق الجزائر 1975 بين العراق وإيران وسحب القوات والمعدات العسكرية الإيرانية من كردستان العراق أديا إلى انهيار الحركة الكردية بالكامل.

الحركة الكردية كانت على استعداد لتقوم بأي شيء يطلبه منها النظام الإيراني في حين أنها كانت تتعنت أمام مطالب ومقترحات السلطة المركزية في بغداد

ويضيف جواد أن إصرار حكومة البعث على إعلان قانون الحكم الذاتي في العام 1974، وبالصيغة التي وضعتها القيادة العراقية، ورفض وجهة نظر الحزب الديمقراطي الكردستاني من ناحية، وإصراره على رفض المشروع وتصعيد المطالب من ناحية أخرى، كان سببا في إنهاء حالة السلام التي استمرت لأربع سنوات،

وكانت بغداد وأربيل تشعران، في ذلك الوقت، أنهما تمتلكان من القوة العسكرية والدعم الخارجي ما يمكنهما من القضاء على الطرف المقابل. وهكذا فقد الطرفان كل رغبة في إبداء المرونة المطلوبة للتفاهم والتوافق.

ويختم جواد بأن فشل تجربة الحكم الذاتي أفرح كلا من إيران وتركيا؛ وهما اليوم تنظران بقلق إلى تطورات الوضع في كردستان العراق والدور الكردي في ما يجري في العراق وعموم المنطقة.

كما أن فشل الحكومة العراقية في استثمار حالة انهيار البارتي لبناء حكم ذاتي حقيقي، والاستعاضة عنه بأسلوب تهميش الحركة القومية الكردية في العراق نتجت عنه زيادة في التدخل الخارجي.

ومن المؤسف أنه وعلى الرغم من جميع التجارب لا تزال الأحزاب الكردية تعتقد أنها يمكن أن تستفيد من الدعم الخارجي وتعول عليه، إلى الحد الذي قد يسلبها حريتها في التصرف باستقلالية.

وبالنسبة إلى الحكومة العراقية كان فشلها في إيجاد حل سلمي دائم للمشكلة وإصرارها على استخدام القوة العسكرية المفرطة سببا في إيجاد شرخ كبير في العلاقات العربية الكردية، وهذا ما يعاني منه العراق إلى يومنا هذا.

كاتب عراقي

12