سعفة كان تفتح أبواب الاهتمام بالأفلام القصيرة في مصر

سيف حميدة: "ستاشر" أعلى من قيمة المؤثرات الإنسانية في مشهد وداع البطل لحبيبته.
الثلاثاء 2020/11/10
مغامرة جريئة تتحدى الأعراف والتقاليد

مثّل حصول فيلم “ستاشر.. أخاف أن أنسى وجهك” على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الأخير، بشكل غير مباشر، انعكاسا إيجابيا لأزمة إنتاج الأفلام الطويلة في مصر وتقلّص ميزانيات الإنتاج، ما عاد بالفائدة على الأفلام القصيرة التي تضاعفت إنتاجاتها على الساحة الفنية محقّقة العديد من النجاحات في المهرجانات العالمية.

القاهرة - يعدّ حصول مصر مؤخرا على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي في دورته الثالثة والسبعين عن فيلم “ستاشر.. أخاف أن أنسى وجهك”، أهم إنجاز عالمي تحقّقه السينما المصرية على مدار سنواتها الطويلة، ما يفتح الباب أمام العمل على المزيد من الاهتمام بالأعمال السينمائية القصيرة، التي تتطوّر بشكل سريع، ما يمنحها دورا مؤثّرا في عالم الفن، وقد تكون لها الكلمة العليا مستقبلا.

ميزة فيلم “ستاشر” أنه جاء ببطل شاب (سيف الدين حميدة)، وقدّمه للمرة الأولى على الشاشة الذهبية، وأجاد الفتى التعبير من خلال ملامحه بطريقة مدهشة، مكّنت المخرج المصري سامح علاء من توصيل فكرته الرئيسية في الفيلم.

الجائزة الحلم

“العرب” التقت بالمصري سيف الدين حميدة، بطل الفيلم، بعد أن حصد أيضا جائزة “نجمة الجونة”، كأفضل فيلم عربي في مهرجان الجونة السينمائي الدولي الذي اختتم دورته الرابعة في الثلاثين من أكتوبر الماضي، وهي الجائزة الرابعة للعمل، إضافة إلى تكريمه في مهرجاني موسكو السينمائي الدولي في دورته الثانية والأربعين، ومهرجان نامور البلجيكي في دورته الخامسة والثلاثين.

وقال حميدة إنه شعر بسعادة غامرة بعد حصول الفيلم على العديد من الجوائز العالمية، خاصة جائزة السعفة الذهبية، والتي لم يتوقعها حتى في أحلامه، وكأنه قفز خطوات عديدة في مشواره الفني، الذي بدأ بجائزة عالمية كبرى تعدّ تشريفا له وللسينما المصرية ولفريق العمل كله.

"ستاشر" يتحدّث عن مراهق عاش قصة حب انتهت بوفاة حبيبته، وهو يريد أن يودّعها الوداع الأخير، فيقرّر خوض المغامرة
"ستاشر" يتحدّث عن مراهق عاش قصة حب انتهت بوفاة حبيبته، وهو يريد أن يودّعها الوداع الأخير، فيقرّر خوض المغامرة

ويدرس حميدة في أكاديمية الفنون بالقاهرة، ودخل مجال التمثيل منذ الصغر في مسرح المدرسة ودرس في مجال علوم الكمبيوتر، قبل أن يتركه بعد قبوله في أكاديمية الفنون وهو الآن بالسنة الثانية، ويحب التمثيل بالوراثة، حيث ينتمي إلى عائلة الفنان الشهير محمود حميدة، إضافة إلى عائلة الراحل شعبان حسين.

وأضاف في حواره مع “العرب”، أن التحاقه بالعمل جاء بشكل طبيعي، بعد أن علم بأن هناك اختبارات أداء يجريها مخرج العمل (سامح علاء)، والذي أبدى موافقته على أن يكون حميدة بطلا للفيلم، وله الفضل في تذليل العديد من العقبات أثناء عملية التصوير، وأزاح عنه رهبة الكاميرا التي يخشاها كل ممثل مبتدئ، والآن أصبح أكثر ثقة بنفسه، بعد أن حصد العديد من الجوائز المحلية والعالمية.

وهذه هي المرة الأولى التي تحصد فيها السينما المصرية سعفة مهرجان كان الذهبية على أحد أفلامها، وإن كان المخرج الراحل يوسف شاهين حصل عليها عن مجمل أعماله وليس عن فيلم بعينه، ما يجعل بطل فيلم “ستاشر” يؤكّد على أن سعادته لا توصف لأن فيلمه حاز على هذه الجائزة، واسمه أضحى يأتي خلف مخرج عظيم.

وتدور قصة فيلم “ستاشر” حول مراهق يبلغ من العمر 16 عاما يخوض رحلة صعبة للعودة إلى حبيبته مجددا، بعد فراق 82 يوما ليكتشف أنها توفيت فيذهب إلى منزلها مرتديا زيا على هيئة نقاب، حتى لا يكشف عن شخصيته أو يعرفه أحد، كي يلقي نظرة الوداع الأخيرة عليها، في مشهد مؤثّر يظهر مدى حبه لها.

وأوضح حميدة أن العمل يتحدّث عن شاب في سن المراهقة من الممكن أن تتوقّع منه أي شيء من دون أن يدرك مدى خطورة ما يفعله، فهو شاب مراهق عاش قصة حب ويريد أن يودّع حبيبته، التي توفيت فقرّر أن يخوض مغامرة، وبالتالي لم يكن هناك مشهد وهو يفكّر في طبيعة الخطوة التي سيُقدم عليها، لكنه وجد والدته ترتدي النقاب فاستلهم الفكرة منها، على عكس الكبار الذين يدرسون كل خطوة في حياتهم قبل أن يشرعوا في تنفيذها.

وما كان غريبا في أحداث الفيلم أن يظل الشاب مرتديا للنقاب داخل عزاء السيدات دون أن يطلب منه أحد كشف وجهه، باعتبار أن جميعهم نساء ليرد حميدة قائلا “بالتأكيد هذا أمر وارد، لكنه يكشف لنا أيضا طبيعة تفكير البطل الذي خاض المغامرة دون أن يفكّر في أي شيء آخر، فكان من الوارد أن يحدث ذلك، وأيضا ممكن ألّا يحدث إلى درجة أن البطل لم يخطّط لمغامرته، ولا يعرف كيف سيتصرف إذا طُلب منه مثلا هذا الطلب”.

وأكّد حميدة، أن الفيلم أعلى من قيمة المؤثرات الإنسانية تحديدا في مشهد رؤية البطل لحبيبته آخر مرة، وما ساعد على ذلك وجود مدير تصوير يوناني، حيث أضفى المزيد من الأبعاد الاحترافية على اللغة البصرية التي بدت متميزة، إلى جانب الإخراج الجيد، وتوافرت للفيلم الإمكانيات الفنية التي جعلته ينجح في المنافسة الدولية.

مشاهد صامتة

سيف حميدة: مخرج الفيلم راهن على تعبيرات وجهي أكثر من الحديث
سيف حميدة: مخرج الفيلم راهن على تعبيرات وجهي أكثر من الحديث

بلغت تكلفة إنتاج الفيلم القصير “ستاشر” 200 ألف جنيه (حوالي 13 ألف دولار)، وهي تكلفة متوسطة بالنسبة إلى إنتاج الأفلام القصيرة بمصر، وبدأ تصويره في 10 فبراير الماضي، أي قبل استفحال أزمة كورونا، وأحداثه تدور في حي شعبي مكتظ بالسكان في القاهرة، وتم التصوير في حي السكاكيني بوسط القاهرة، حيث جرى توظيف الطبيعة الجمالية للمباني في هذا الحي.

وتعود فكرة الفيلم إلى العام 2018، إذ أن مؤلفه محمد فوزي تربطه علاقة وطيدة بالمخرج سامح علاء منذ سنوات، وعندما عرض عليه فكرة الفيلم لم يتردّد في الموافقة عليها، غير أن التحضيرات للعمل والبحث عن جهة إنتاجية استغرقا نحو عامين ليخرج في النهاية بإنتاج مشترك، للمنتج محمد تيمور ومارك لطفي ومارتن جيروم وأحمد زيان ومهاب شهاب الدين.

وقال حميدة إن عملية تصوير الفيلم لم تتجاوز الثلاثة أيام، وتحضيراته جرت في فترة زمنية لم تتجاوز الأسبوع، وهو كفنان شاب لم يواجه صعوبات على مستوى التمثيل، لكنه شعر بالتعب قليلا بسبب المجهود الذي بذله خلال فترة التصوير المكثّفة، نظرا لعدم اعتياده الوقوف أمام الكاميرا فترات طويلة.

وأشار إلى أن صعوبة الفيلم لم تكن في التمثيل، لكن لأنه صامت في بعض المشاهد، فمن المفترض عليه كممثل أن يوصل جميع المشاعر المدفونة والأحاسيس والفكرة في الوقت نفسه دون كلام، وهذا ليس سهلا، واكتشف نفسه كممثل في هذه المنطقة التي يجيد فيها التعبير بحركات يديه وملامح وجهه، بسهولة أكثر من الحديث.

16