سعوديون مستعدون لمقايضة "الأبهة" بفرصة عمل

شباب يستوعب الانفتاح وينزل إلى العمل في مهن كانت حكرا على الأجانب.
الأربعاء 2020/02/26
العمل ثم العمل

يبدو أن الشباب السعودي استوعب الانفتاح الجديد بشكل واع، فانطلق في أعمال كانت في السابق حكرا على الأجانب دون عقد اجتماعية، غايته في ذلك تحسين أوضاعه المادية وسداد قروضه البنكية وتوفير بعض المال للسفر والرفاهية، ومن المهن التي أقبل عليها الشباب والفتيات قيادة التاكسيات الذكية.

الرياض - بحث السعودي إبراهيم أحمد لأربع سنوات دون جدوى عن وظيفة ثانية لمساعدته في تسديد أقساط قرضه المصرفي، قبل أن يقرر العمل أيضا كسائق “أوبر”، ما مكّنه من تحسين دخله، مثله مثل سعوديين آخرين اختاروا العمل في وظائف كانت تقتصر في السابق على العمالة الأجنبية.

وتشهد المملكة الغنية بالنفط تغييرات كبيرة على خلفية سياسة انفتاح اجتماعي بقيادة وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، وإصلاحِِ اقتصادي يهدف إلى تنويع مصادر الدخل المرتهن للنفط والحد من المساعدات التي تقدمها الدولة لمواطنيها.

ويتقاضى أحمد (31 عاما) الذي يعمل كموظف في شركة سعودية خاصة في الرياض، راتبا يبلغ ثمانية آلاف ريال (نحو 2130 دولارا)، لكنّ القسط الشهري لقرض مصرفي أخذه لشراء شقة لأسرته والبالغ أربعة آلاف ريال (1065 دولارا) كان يلتهم نصف دخله.

يقول أحمد الذي كان يرتدي جلبابا أبيض وهو يقود سيارته الفضية، “أُنهي عملي الساعة الثانية ظهرا، وبالتالي كان صعبا أن أحظى بوظيفة ثانية، كان دخلي بعد تسديد القرض محدودا جدا، ومرّت علينا أربع سنوات عجاف”. وبعد أن باع الأب لثلاثة أطفال، سيارته ليشتري أخرى جديدة، بدأ العمل في 2017 مع “أوبر”، الشركة العملاقة لخدمات سيارات الأجرة الخاصة. وتعمل “أوبر” حاليا في 20 مدينة سعودية، حسب المتحدث باسم الشركة.

الحرية مسؤولية
الحرية مسؤولية

يقول أحمد وهو يستعد للانطلاق في رحلة جديدة مع زبون في وسط الرياض، “الآن أعمل سبع ساعات يوميا مع ‘أوبر’ لمدة خمسة أيام أسبوعيا، ومتوسط دخلي من هذا العمل حوالي ستة آلاف ريال”.

وبفضل دخله الإضافي الجديد، تمكن الشاب من تسديد أقساط شقته وسيارته الجديدة، موضحا أن العمل كسائق “أحدث فرقا في نوعية حياتي وساعدني على توفير كل ما يحتاج إليه أبنائي من راتبي”.

يقول خالد الذي تزوج مؤخرا من جهته، إن عمله في “أوبر” يساعده على أن يسدد شهريا ثلاثة أقساط من قرضَي الزواج والسيارة عوضا عن قسط واحد.

ويقول الشاب حليق الرأس (27 عاما) وهو يقود سيارته في شمال الرياض “انتهيت من ثلث القرضين بفضل ‘أوبر'”.

ويشكل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاما نحو 40 في المئة من عدد السعوديين البالغ 20.7 مليون نسمة، حسب الإحصاءات الرسمية للعام 2018.

وتطمح المملكة منذ سنوات لاستبدال الملايين من الوظائف التي يشغلها عمال أجانب بسعوديين في ما يطلق عليه سياسة “السعودة”.

وبلغت نسبة البطالة بين السعوديين 12 في المئة، بحسب الإحصاءات الرسمية للربع الثالث من عام 2019، بينما كانت في عام 2018 تبلغ 12.7 في المئة.

نقاسم الرجال مهنهم
نقاسم الرجال مهنهم

واستخدم أكثر من مليون شخص خلال الأشهر الثلاثة الماضية “أوبر” التي انطلقت في السعودية في العام 2014، واستحوذت على شركة “كريم” المنافسة في الشرق الأوسط العام الماضي مقابل 3.1 مليار دولار.

وقال المتحدث باسم شركة “أوبر”، إنّ “أعدادا كبيرة من السعوديين يلتحقون بـ’أوبر’ بسبب الفرصة الاقتصادية المرنة والدوام الجزئي الذي توفره”.

ويقول السعودي خالد البالغ 38 عاما وهو مشرف في مطعم كبير في الرياض، “العمل في ‘أوبر’ و’كريم’ لا يتطلب إلا أن أكون شاغرا”.

وبات مألوفا رؤية سعوديين بل حتى سعوديات يعملون في المطاعم أو في محال بيع الأحذية.

ومنذ 2018 بدأت نساء في السعودية، العمل سائقات في شركتي تطبيقات سيارات الأجرة الذكية (أوبر وكريم)، مع بدء السماح للمرأة بقيادة المركبة في البلاد لأول مرة.

وقالت شركة “كريم” إن 70 في المئة ممّن يستخدمون خدماتها في المملكة هم من النساء، وأن دخول الإناث في دورة العمل اليوم، يمثل استمرارا لمهمة “كريم” في تسهيل حياة الناس وتحسينها في المنطقة.

ونشرت شركة “أوبر” عبر حسابها في موقع “تويتر” منذ سنتين، فيديو لسائقة سعودية ضمن فريق عملها معلقة على قيادتها “ما شاء الله، متمكّنة” في إشارة إلى جودة قيادتها.

المملكة تطمح منذ سنوات لاستبدال الملايين من الوظائف التي يشغلها عمّال أجانب بسعوديين في إطار ما يطلق عليه سياسة "السعودة"

وأعلنت “أوبر” عن ميزة تجريبية جديدة في تطبيقها، تمكن السائقات في المملكة من تفضيل الركاب الإناث، مبينة أن هذه الميزة تأتي تلبية لما تفضله السائقات.

وقال شباب سعوديون إنّ ذلك يجعلهم أكثر استقلالية واعتمادا على أنفسهم بمواجهة أسرهم والدولة.

في المقابل، يتردّد بعض الشباب السعوديين في إبلاغ معارفهم بأنهم يعملون كسائقين خشية تعرضهم لوصمة اجتماعية في مجتمع اعتاد الرفاهية، لكن الموظف تركي العنيزي الذي ارتدى جلبابا أزرق ولفّ رأسه بشماغ يغلب عليه اللون الأحمر، لا يكترث لأي نظرة اجتماعية سلبية، فيقول ضاحكا “في ‘أوبر’ أنا مدير نفسي”.

ويتابع الشاب (33 عاما) وهو يقود سيارة فارهة تعمل ضمن برنامج “أوبر راحة”، “ليس هناك حرج طالما أعمل شيئا لا يخل بالشرف والأخلاق. بالعكس هذا شيء يحسن وضعي الاجتماعي والمادي”.

ويقول عضو الجمعية السعودية الاقتصادية عبدالله المغلوث،”ثقافة المجتمع السعودي تجاه الوظائف البسيطة تغيرت. أصبح الشاب السعودي يقبل وظائف لم يكن يقبل بها في السابق”.

ويتابع “وجود شركات أجنبية مثل ‘أوبر’ و’كريم’ منح الشباب السعودي فرصة ليلتحق بهذا العمل لتحسين معيشته وزيادة دخله. في السابق لم يكن لدينا مثل هذه الفرص”.

من أجل مستقبل أفضل
من أجل مستقبل أفضل 

ويرى المغلوث أن هذا “سيساعد على خفض نسبة البطالة وبالتالي زيادة القدرة الشرائية والاستهلاكية للمواطنين”.

ويعمل ثلثا السعوديين في القطاع الحكومي. ولعقود لم تكن هناك ضرائب على الدخل قبل أن تشرع الحكومة أخيرا في فرض ضريبة القيمة المضافة البالغة 5 في المئة.

يقول الموظف العسكري مهند (21 عاما) الذي فضّل ذكر اسمه الأول فقط، “أستخدم دخلي من ‘أوبر’ لشراء الرفاهيات التي لم يكن باستطاعتي الحصول عليها من راتبي”، مشيرا إلى أنه يتطلع للذهاب في رحلة إلى تايلاند.

وأطلقت شركتا “أوبر” و”كريم” خطوطا خاصة للسائقات، بعد أن سمح للسيدات بقيادة السيارات في المملكة بعد عقود من المنع.

تقول هلا الشمري، وهي مدربة قيادة سيارات للنساء وناشطة في شركة “كريم”، “الكثير من صديقاتي يعملن في ‘كريم’ وأوضاعهن المادية تحسنت”.

ويتعاون أكثر من 100 ألف سعودي مع “كريم” نسبة كبيرة منهم من النساء. وتتابع الشابة التي تدرب خمس فتيات يوميا على القيادة في برنامج تموله جامعة حكومية “لم نعد نحمل همّ البنزين ومصاريف البيت”.

20