سعود الفيصل الذي وصف الأمة العربية بأنها مريضة مثل جسده

الأحد 2015/07/12
عميد الدبلوماسية العربية

كانت المملكة العربية السعودية تسير بدءاً من عهد الملك فيصل، على خطى الانفتاح واستثمار النفط في تنمية المجتمع، وهو الذي حرص على تحويلها إلى بلد متقدم، وترسيخ مبادئ الحياة الحديثة والاحتكاك مع الأمم، مع التأكيد على الأصالة في المواقف والانتماء، ولذلك كان من أهم سمات عهده، تركيزه على التعليم وافتتاح الجامعات، ودعم البعثات الخارجية، فلو كان الملك الحازم، الذي تولى الحكم بعد عزل شقيقه سعود، يريد أن تبقى السعودية على انغلاقها، لما أرسل أبناءه بعيداً عنه، إلى أنحاء العالم، ليدرسوا في جامعاته ويتخصصوا في مختلف المجالات، أولاده الذين كان من بينهم الأمير سعود الذي درس في الولايات المتحدة، متخصصاً في الاقتصاد والنفط.

لكن اغتيال الملك فيصل في الخامس والعشرين من مارس من العام 1975، كان منعطفاً هاماً، زلزل الداخل السعودي، وأثّر على مسار المملكة كله، التي عادت وتماسكت سريعاً، لكن لم تمض سنوات قليلة إلا وكانت قد ظهرت ما سمّيت بـ”ثورة” الخميني في إيران في العام 1979، تلتها حركة جيهمان العتيبي في مكة في العشرين من نوفمبر من العام ذاته 1979، الذي احتل الحرم والكعبة، معلناً مبادئ سلفية متطرفة، حاربت الدولة واتهمتها بالكفر، قبل أن يتم القضاء عليه وعلى مجموعته، مفصلان أرادا إعادة عجلة التحديث إلى الوراء، لتجد المملكة الماضية إلى الأمام مدعمة بطفرة البترول، نفسها محاصرة، من الخارج والداخل.

السياسة الخارجية السعودية

وبدلاً من أن يهتم السعوديون بالتنمية والتطوير، كان عليهم مواجهة الخطر الإيراني وخطر التطرف، قبل أن يتدهور الحال بالأمة إلى عصر بن لادن والقاعدة، والعيش في عالم تصبح فيه داعش صاحبة دولة، كان سعود الفيصل جزءاً أساسياً من حركة استعداد للعصر الحديث، لكنها أجهضت في ما تلى من الأعوام.

العام 1975 لا يختلف كثيراً عن العام 2015 الذي نحن فيه، والذي رحل فيه قبل أيام الأمير سعود الفيصل ملتحقاً بوالده، بعد أربعين عاماً، بعد أن اغتالته هذه المرة، يد المرض المرتعشة، مرض “الباركنسون” الذي لا علاج له، فلم تنطو برحيل الأمير سعود الفيصل، حياة وزير خارجية سابق وحسب، بل انطوى معها عهد كامل من العمل السياسي العربي، كانت له أصول وقواعد وتقاليد، شهد عليها الفيصل وشارك فيها وأسّس لكثير منها، منذ توليه زمام السياسة الخارجية السعودية خلفاً لوالده الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز.

عصر سعود الفيصل عصر الأحلام المجهضة التي لا تسمح للمشاريع الوطنية بأن تثبت أرجلها، فتطلق عليها النار مرة إيران، ومرة الإخوان، ومرة داعش، ومرة الحشد الشعبي، ما يجعل الدبلوماسي المثقف أمام حيرة حقيقية في الحفاظ على موقع بلده في عالم لا يبدو قادرا على فهم ما يجري

كان سعود الفيصل واجهة شابة ناصعة الحيوية، رغم التقدم في السن، لآلة معقدة صعبة المهمة، تتمثل في الحضور السعودي على الساحة الدولية، فأكبر البلاد العربية، وبلاد المقدسات الإسلامية، وجزيرة العرب، وأكبر منتج للنفط في العالم، لم يكن بلا معنى أن يتولى منصب وزير الخارجية فيها ملكها بالتحديد كما في حالة والده الفيصل الذي احتفظ بتلك الوظيفة رغم جلوسه على العرش السعودي، ما يوحي بحساسية هذا الملف بالنسبة إلى السعوديين، وحرصهم على ألا يتم تناوله إلا بأيدٍ رفيعة ومسؤولة وذات نفوذ كبير وقدرة على اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، دون الرجوع إلى المركز، فكانت أبجديات السياسة الخارجية السعودية، هي مبادئ عمل سعود الفيصل، بما فيها من تحالفات واستراتيجيات، وكان قادراً على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

حين اعتذر الأمير الراحل سعود الفيصل عن غيابه، بسبب المرض، وقال مازحاً إن جسده “كان في حالٍ يشبه حال الأمة اليوم”، لم يكن ذلك الاعتذار من قبله، بأقل من تهكم عميق ومتألم من رجل كان شاهداً على حقب سياسية صعدت فيها الأمة، وتهاوت، وواجهت أزمات كبرى، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم.

سعود الفيصل ابن الملك فيصل الذي مثّل السعودية بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، وهو ما يزال شاباً دون العشرين، ثم في العام 1939 في مؤتمر لندن، وبقي يمثلها حتى لحظة اغتياله، وابن أخت كمال أدهم، الشخصية المفتاحية في صناعة القرار السياسي، مؤسس ورئيس المخابرات السعودية، الذي كان بحد ذاته ذهنية سياسية مختلفة عن صورة رجالات القرن العشرين، وضع الرياض كلاعب أساسي في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وجعل شراكتها في قرار المنطقة أساسية وأولية، لا يمكن تجاوزها في أيّ تغيير يضرب المنطقة.

ومنذ الثلاثينات، ورغم تغير الأنظمة في أعمدتها المختلفة، وثبات العامل السعودي، فقد كانت خارطة التوازنات في الشرق الأوسط، قد بدأت بالتشكل، معتمدة على أربع قوى رئيسية في المشرق العربي، القاهرة ودمشق وبغداد والرياض، وكان لا بد من توافق تلك العواصم لترتيب أيّ تحرك في المنطقة، ولمواجهة كل متغير في إحداثياتها، لتبقى تلك العلاقة المعقدة بين العواصم الأربع، بين توافق وتخاصم، على مر العقود التالية، تتوثق مرات، وتنفك عراها مرات، غير أنها لا تنهار كما يحدث اليوم، بعد كامب ديفيد، التي أدت إلى خروج القاهرة من عروة التوازن العربي، في أواخر السبعينات، ثم عودتها بفعل جهود الرئيس الراحل صدام حسين الذي قارب ما بين السعودية ومصر، وكان لهذا التوافق دور كبير في تثبيت المنطقة، ومنع انهيار دولها، ولعل اتفاق الطائف الذي كان سعود الفيصل مهندسه ومدبّره الأساسي، هو الذي أنهى حرباً أهلية طاحنة في لبنان استمرت أكثر من خمسة عشر عاماً، تخللها اجتياح إسرائيل للبنان، ووقوع ثاني عاصمة عربية تحت الاحتلال المباشر بعد القدس.

عصر إطفاء الحرائق

بقيت دمشق بقيادة حافظ الأسد بعيدة عن الحلقة المربعة، بسبب العداء العميق الذي حمله الأسد لصدام حسين، وبسبب تحالف الأسد مع الخميني أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ثم أتت مرحلة إبعاد بغداد بعد غزو الكويت، وعبر مراحل طويلة، أدت إلى احتلالها المباشر على يدي القوات الأميركية، وخروجها تماماً من الحلقة الرباعية، لتقع في احتلال إيراني طويل.

عاشت حينها المنطقة العربية عرجاء، على أرجل ثلاث، الرياض والقاهرة ودمشق، سنوات قليلة، كان على سعود الفيصل أن يتعامل معها بصبر وحكمة كبيرين، لا سيما بعد توريث الحكم في سوريا لنجل حافظ الأسد، وتورط بشار الأسد في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، فكان خيار سعود الفيصل، الصبر على بشار كي لا ينجرف كلياً في المشروع الإيراني، ولكن الأوان كان فات، في متغيرات اللعبة، التي لم يعد يفهمها وزير الخارجية المخضرم، حين ينظر إلى مسؤولين كبار في إدارات دول عظمى، أقصى طموحهم هو انتهاء خدماتهم والتحول إلى مدراء في شركات عملاقة، بدلاً من الحرص على مصالح بلادهم الوطنية، أو المفاهيم الكبرى التي تربى عليها الأمير.

كل هذا حدث، وأثناءه وقعت تحولات العالم، وانهيار الاتحاد السوفيتي وتغيرات القوى على الأرض، وانتهاء زمن الحرب الباردة، الذي رافقه انكفاء العالم العربي داخل حدود الدولة، لانعدام إمكانية لعب دور أكبر، وصعدت مراكز صغيرة، أرادت لعب أدوار أكبر منها، لتعويض القوى الكبرى المنهارة.

وقعت هجمات القاعدة على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر من العام 2001، وكان غالبية المنفذين من حاملي الجنسية السعودية، ليبدأ عصر الحرب على الإرهاب، ويحل محل المضي قدماً في الانفتاح الاجتماعي والسياسي، أمام مثل هذه التحديات تحول المشروع الاصلاحي الذي يرمز إليه سعود الفيصل وثقافته وتعليمه ودبلوماسيته إلى مشروع إطفاء حرائق لا تلبث أن تلامس الخليج في البحرين واليمن وفي الفتنة الطائفية التي تدق على الأبواب.

إنه عصر الأحلام المجهضة التي لا تسمح للمشاريع الوطنية أن تثبت أرجلها، فتطلق عليها النار مرة إيران، ومرة الإخوان، ومرة داعش، ومرة الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية، ما يجعل الدبلوماسي المثقف أمام حيرة حقيقية في الحفاظ على موقع بلده في عالم لا يبدو قادرا على فهم ما يجري.

العام 2011 التغيير الكبير

معضلة أربعين عاما من الدبلوماسية، هي أن الغرب بدوره كان متغيرا بشكل كبير، ما سيضطر سعود الفيصل إلى أن يعيد “شرح” الأوليات في المنطقة مع كل تغير لإدارة أميركية وحكومة بريطانية، وأن يعيد مد الجسور مع نزق سياسيين غربيين يعتقدون أنهم الأكثر دراية بمشاكل المنطقة، والأقدر على حل مشاكلها، لتصل إلى ما هي عليه اليوم.

حماس الأمير سعود الفيصل للتحديث والتطور كان واعيا ولم يكن لمثله أن يقع بفخ تأييد الفوضى التي يمكن ان يجلبها انفلات فكري وسياسي بحجة الربيع العربي ما كان الا مفيدا لقوى التطرف في الحركات الاسلامية السنية والشيعية على السواء، وكان ذلك التيار ينسجم مع تفكيره المندفع باتجاه التغيير، وهو الذي واجهته الإحباطات طيلة العقود الماضية، لكنه كان يدرك أن التغيير الفوضوي، سيقود إلى انهيار الدول وانفراط العقد، لذلك كان حريصاً على التعامل مع المتغيرات مع تكريس الثوابت.

لم تقف السعودية ضد ثورة الشباب في مصر لكنها كانت ضد الانخراط الإخواني في العلاقة الاستراتيجية الخفية مع إيران، وراقب عن كثب كيف اختطف الإخوان الثورة المدنية المصرية، والتحوير الذي عملوا على التأسيس له في المجتمعات العربية، وكان يتحسر على انهيار دور العاصمة الأخيرة المتبقية من الحلقة الرباعية، بعد بغداد، وبعد أن ذهبت دمشق بعيداً في الولاء لإيران، لتتحول إلى عاصمة تحت الاحتلال الفارسي كما سمّاه هو شخصياً، وبعد أن شلّت القاهرة في سنوات مبارك الأخيرة والمرحلة التي تلت ثورة 25 يناير 2011.

لم تبق سوى الرياض إذن، بينما كانت صحة الأمير تتدهور، ولكنه بقي يعمل على تدعيم دور العواصم العربية المحيطة به، والتحالف الأكيد مع أبو ظبي والكويت والبحرين، وإعادة الدوحة إلى الحلف الخليجي، ولم يكن سليماً ما رآه كثير من السياسيين من أن السعودية بقيت حريصة على أمنها فقط، لكن الرياض سعت إلى تأمين الشطرنج المتفجر من حولها، وإعادة التوازن إليه، ولعب ما يليق بها من دور كبير، أبعد من مجرد حفظ مصالحها الداخلية.

وكان غضب الفيصل على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى مؤتمر القمة العربية، صريحاً في دعوته إلى إيقاظ عقول القادة العرب المشاركين في القمة، “روسيا ترسل إلى نظام الأسد ما هو فوق حاجته من الأسلحة، لمحاربة شعبه، يمنحونه الأسلحة الفتاكة، خاصة وأن القانون الروسي يمنع الحكومة من تزويد أيّ جهة لاستخدامها في عمليات الهجوم، وتتحدث عن المآسي التي يعيشها الشعب السوري، هل هو استخفاف بآرائنا حول مصالح الشعب العربي؟ هل هو عدم شعور بالكارثة التي حدثت في سوريا؟ أليس الرئيس الروسي هو صاحب مبادرة جنيف 1 وجنيف 2، كيف يمكن أن يتحدث عن الحل السلمي، مع نظام فقد شرعيته، وكل اتصالاته مع العالم المتحضر؟ كيف يسلحه ويدعو في الوقت ذاته إلى حلّ سلمي؟”، فلم تكن إذن من مهام سعود الفيصل وضع المسؤولين الغربيين بصورة أوليات المنطقة العربية فقط، بل أيضاً كان عليه شرح ذلك للمسؤولين العرب أنفسهم.

سعود الفيصل يعد جزءا أساسيا من حركة استعداد للعصر الحديث، لكن تلك الحركة أجهضت في ما تلى من الأعوام. وبدلا من أن يهتم السعوديون بالتنمية والتطوير، كان عليهم مواجهة الخطر الإيراني وخطر التطرف، قبل أن يتدهور الحال بالأمة إلى عصر بن لادن والقاعدة، والعيش في عالم يصبح فيه تنظيم داعش صاحب "دولة"

رسالة الفيصل الأخيرة

حقل ألغام حقيقي عاشه الأمير سعود الفيصل في سنواته الأخيرة، بين موجات المتغيرات، الدولية والعربية والداخلية، استبدل فيه الغضب بالسخرية السوداء في مواضع عديدة، مثل ردوده على أسئلة أحد الصحفيين حول الموقف الروسي والصيني من تسليح الحوثيين حين قال “كلما توصلنا إلى اتفاق حول الموضوع، يضعون لنا موضوعاً جديداً فوق الموضوع، فلو عرفت الموقف الروسي والصيني أرجو أن تبلغني”، لكنه يعود إلى لغة الحزم حين يقول “نحن لسنا دعاة حرب، لكن إن دقت طبولها فنحن جاهزون لها”.

رحل سعود الفيصل، حاملاً معه روحه المتفائلة، رغم كل ما واجهه وكان شاهداً عليه، وكان يمازح الصحفيين في مؤتمره الصحفي الأخير مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، حين صعد بصعوبة متكئاً على عصا “من يسابقني إلى المنصة؟ هل من منازل؟”.

حظيت مدرسة الفيصل في التفكير والدبلوماسية بالاحترام والتقدير من جميع من تعاملوا معه، من كبار المسؤولين والقادة، وليس مستغرباً تعليق وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد على وفاته بالقول “رحل الأستاذ وبقي منهجه”. بعد أن وصفه قبل شهور بأنه “رجل الهمّة”، واستخدامه لبيت الشعر القائل “لولا المشقةُ سادَ الناسُ كُلَهمُ، الجودُ يُفقِر والإقدامُ قَتَّالُ”.

كثيرون في أنحاء العالم رثوا سعود الفيصل، وحزنوا على رحيله، وافتقدوا حضوره في المؤتمرات والمحافل دفاعاً عن المواقف العربية، لا السعودية فقط، لكن ربما يكون الوحيد بين الناس، الذي كان يعتبر رحيله المادي ضرورة لبداية طور سياسي جديد، هو سعود الفيصل ذاته، الذي عرف أن العالم قد تغير تماماً، ويحتاج إلى اختبار الدولة بمواجهة التحديات الجديدة، دون رجالات صبغتها بطابعها، وباتت تعطي عنها رسائل غير ما هي عليه.

أما رسالة الفيصل الأخيرة، التي تصعد في أذهان من شهدوا وفاته من المعاصرين اليوم، فتسلّط الضوء أكثر على ضرورة ولادة مشروع عربي سياسي جديد، ذي تقاليد وأسس وتوجهات متطورة وثابتة، لا يعتمد على الفتك بالآخر، داخلياً أو خارجياً، ولا يستند إلى متاهات الصراع على السلطة، باسم الدين أو غيره.

7