سعود الفيصل رجل كل المهام السعودية

الأحد 2014/03/16
وزير خارجية يحسب حسابه قادة العالم

عميد وزراء خارجية العالم، وأقدم وزير في الحكومة السعودية، تتغير المقاعد في الطاولة الدائرية التي يرأسها ملوك السعودية، وهو محافظ على ذات المقعد، لا يتحدث كثيرا، لكن وإن تحدث أوجع بصراحته ورؤيته، تأهيله وخبرته جعلاه رجل الملفات والمواقف داخل السعودية وخراجها.

يمكث في طائرته أكثر مما يمكث على كرسيه بوزارة الخارجية، لكنه متابع، بل وموجع في تدقيق التفاصيل، ويحمل المتاعب لفريقه، الذي يتغير دائما ويبقى كما هو بذات الاسم المدوي في الحضور والحزم والشفافية الدبلوماسية التي أسس مدرستها منذ أربعين عاما.

الاقتصاد ومدرسة الأسرة

حمل حقيبة خارجية بلاده وهو في بحر الشباب الثلاثيني، بعد أن أنهى تعليمه في أميركا متخصصا في مجال الاقتصاد وتقوده الشهادة ليكون في وزارة البترول مساعدا لمخططي سياسة بلاده النفطية، ولم يلبث بها كثيرا حتى انطلق قبل الأربعين من عمره الذي اشتد قوة وعطاء نحو الخارجية، ليبلغ اليوم السبعين من عمره ووزارته مؤثرة شابة، بعد اغتيال والده الملك الذي كان ملكا ووزيرا للخارجية وأسقاه مع رافد نهر والدته الأميرة عفت سيدة المجتمع السعودي في فترات طويلة وصانعة مراكز التعليم والبحث والحوار.

سعود الفيصل، بالاسم الثنائي فقط، يحضر على المستوى الداخلي لدى السعوديين بالإعجاب والفخر، إذا يعتبره الطيف السعودي الشامل أنه الشخصية السعودية الأكثر فخرا والأكثر تغييرا في معادلات ألعاب وحسابات السياسة فكوّن الوجه القوي للمملكة خارجيا، الذي يتناسب مع حجمها وقيمتها الإسلامية العظمى ووجودها الاقتصادي المؤثر.

في الداخل الرسمي السعودي، يعتبر سعود الفيصل المستشار فوق العادة للحكومة داخليا بما يتناسب مع وجهها الخارجي، فهو صاحب الرأي الأخير، يحمل معه نقطة الفصل في نقاشات مجلس الوزراء، بل وقرارات العاهل السعودي الملك عبدالله كما كان مع سابقيه الراحلين الملك فهد والملك خالد الذين يثقون برأي الفيصل ليكون الفصل معه.


التأثير في الإقليم

بقامته الفارعة، وخطوات سيره التي تعكس طموحه ونظرات الصقر التي يخبئها ويستطيع المشاهد لها قراءة خلفياتها من الغضب أو الرضى، يعتبر ممثلا كبيرا لوفد بلاده في كل حضورها دوليا وإقليميا، وحين يحل يعلم صانعو الأحداث أن السعودية جاءت بالتمثيل الأعلى لها، وإن غاب ملكها أو وليّ عهدها.

بعد اغتيال والده الملك فيصل الذي كان ملكا ووزيرا للخارجية تم ائتمان سعود على ملف العلاقات الخارجية مستفيدا من رافدي والده و والدته الأميرة عفت سيدة المجتمع السعودي مؤسسة مراكز التعليم والبحث والحوار

الفيصل، أبرز المؤثرين في السياسة الخارجية لدول الخليج بل والعالم العربي، فمعه انطلق مجلس التعاون الخليجي قبل أكثر من ثلاثين عاما، الذي كان يحلم به الفيصل اتحادا من قبل سنوات طويلة، بل وكان أحد صانعي سياسته الاقتصادية الجمعية، وحملها لتكون في عهدة بناة الاقتصاد، ومن ثم شارك مع رجال الدفاع والخارجية لتأسيس قواعد العمل المشترك في الدفاع.

في تلك البدايات لمجلس الخليج التعاوني، شهدت منطقة الشرق الأوسط حربا نارية دامت أكثر من ثمانية أعوام بين العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكان الفيصل يقود جهود بلاده إلى أن تنأى بعيدا عن المشاركة في حرب كانت الرياض أقرب فيها إلى مناهضة النظام الإسلامي الثوري في إيران، وكان الفيصل حينها يريد أن يحتكم الطرفان العراقي والإيراني إلى الحل السلمي حتى لا تتأثر المنطقة عموما بانتشار حرب تتجاوز نيرانها البساط المجاور إلى دول تسعى إلى الاستقرار.

استقرار المنطقة لا يحتكر

يؤمن سعود الفيصل في كل تصريحاته للإعلاميين الذين يصمتون لحضوره وتذبل معها أسئلتهم أثناء حديثه، إلى تحقيق الغاية الكبيرة بأن مسؤولية استقرار المنطقة العربية المتواجدة ليست حكرا على دولة بعينها بل هي عملية مشتركة لا يمكن لدولة أن تعيش بعيدا عن الالتزام بها لضمان مستقبل أفضل.

رجل النفط السابق والاقتصادي بالوجه السياسي الكبير الأمير سعود الفيصل، لا يعتبر أن النفط سلاح، بل مورد طبيعي يمكن أن يستغل بالطريقة المثالية ويكون ذا قيمة إذا ضمن للشعوب حياة كريمة أفضل، معتبرا في حوارات صحافية أن “العرب عاشوا قبل النفط وسيعيشون بعده، وكان لهم الدور الأكبر في صياغة أحداث ومراحل من التاريخ”.

يعتبر الفيصل أن القضية الفلسطينية هي القضية الأساس لكل العرب، وإنها جوهر القضايا التي تدافع عنها السعودية في كل محفل، لذلك لم تغب عن أي بيان سعودي في ساحة الأمم المتحدة منذ بدء الصراع العربي/ الإسرائيلي بحكم أنها قضية وجود، بل وهو محور مهم في حكم العلاقات بين الرياض وواشنطن التي ترى الأخيرة أن المملكة خير حليف في منطقة النار الآسيوي.

يمسك الفيصل في أزمة سوريا بموقف السعودية القائل بضرورة مغادرة نظام بشار الأسد من المشهد السوري لمنع تحقيق مكاسب وأطماع الإيرانيين في المنطقة العربية بعمومها

وبهذا الشأن توقعت أوساط عديدة تردي العلاقة بين الأميركيين والسعوديين نتيجة تخاذل الإدارة الأميركية الحالية عن اتخاذ مواقف لها في الأزمة السورية بحكم أن واشنطن تقود السلم والأمن العالمي اليوم، إضافة إلى عدم جدية في استمرار صناعة السلام في المنطقة وضمان حق الفلسطينيين بدولة ذات سيادة بناء على مبادرة السلام العربية التي طرحها العاهل السعودي الملك عبدالله (كان وليا للعهد) عام 2002 بمشاركة الوزير الفيصل وتتضمن المبادرة الاعتراف الكامل بإسرائيل مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 إلا أن الفيصل في بداية هذا العام أبدى تفاؤله وأعلن أن العلاقة بين البلدين الحليفين الكبيرين قوية دائما وإن اختلفت بعض وجهات النظر.

بعد أحداث 11 أيلول ـ سبتمبر تعرضت السعودية إلى حملة شعواء كبيرة في الإعلام الأميركي على خلفية وجود سعوديين تسببوا في أكبر حدث إرهابي تتعرض له أميركا داخل أراضيها، وتطلّب ذلك إعادة تحسين للصورة السعودية فكان لهذه المهمة الأمير سعود الفيصل حيث عمل على إعداد استراتيجية حملت أكبر حملة علاقات عامة أجهدت تلك المهمة الفيصل وفريقه الذي ينيبه فيه سنده سابقا واليوم الأمير بندر بن سلطان، وشكلوا قوة في دعم قرارات تأسيس مركز ترعاه السعودية للحوار بين أتباع الديانات والحضارات.

موقفه من الحرب على العراق

الفيصل المتمكن في عدد اللغات التي يتحدث بها ووهج الحضور، كان يقود الرأي السعودي في مواجهة حملة الحرب الأميركية البريطانية على العراق 2003 وكان الأمير سعود حينها يرى أن الحل داخل العراق لا يمكن له أن يتحقق من الخارج و”ستكون عواقبه وخيمة” لكن السمع الأميركي كان أصمّا فجاء الرد المعارض من أحد أعضاء الكونغرس من أن “إدارة الرئيس بوش لو استمعت إلى حديث الأمير سعود الفيصل فسيغنيه عن مستشاريه في الشرق الأوسط”.

ومن إيران إلى سوريا، وهي أزمات متكررة في الآونة الأخيرة بالمنطقة، حيث يرى أن إيران لها وجودها في المنطقة لكن دون أسلحة نووية وأن تكون تحت إشراف أممي باتفاق قوى عظمى معتبرا أن الضرورة هي “التوصل إلى اتفاق مع إيران وليس إلى تنازلات”، بينما يمسك الفيصل في أزمة بموقف السعودية بضرورة مغادرة نظام بشار الأسد من المشهد السوري فهو الذراع الإيراني الآخر لتحقيق مكاسب وأطماع الإيرانيين في المنطقة العربية بعمومها.

قاد الفيصل الرأي العام السعودي في مواجهة حملة الحرب الأميركية البريطانية على العراق 2003 وكان حينها يرى أن الحل داخل العراق لا يمكن له أن يتحقق من الخارج و"ستكون عواقبه وخيمة"


الثورات العربية

وعمد سعود الفيصل في أزمة الثورات العربية التي حركها الاقتصاد إلى تفعيل دور المملكة بمعالجة بعض أوضاع تلك البلدان خاصة مصر، بالدعم المادي والنفطي، إضافة إلى زيادة تدفق العمالة المصرية في عامين، ويقود الفيصل ملف الخليجيين للتعامل مع شذوذ دولة قطر عن الموقف الخليجي، واتباعها خطوات تحاول الوصول إلى السيطرة بافتعال مواقف تدعم جبهات إرهابية تحاول شق الصف الخليجي خاصة والعربي عموما، وبث سموم إعلامية داعمــــة لما تراه بعيدا عن تحقيق المصلحـــة الأهــــم لاستقــرار الـــدول.

نصف مليون مصري إضافي يعملون في المملكة، علاوة على دعم سعودي بمعالجة الإرهاب باتخاذ مواقف ذات ثبات واستمرارية والانطلاق إلى أفق يتيح لمصر استقرارها بعد فشل حزب الإخوان المسلمين من تحقيق معادلة إيجابية لحاضر مصر.

سعود الفيصل، يحمل في يده اليوم عصا أجبرته ظروف ومهام العمل الصعب إلى حملها لمساعدة الخطوات الواثقة والعقل الاستراتيجي الذي يمتلكه، ولا يزال الأقوى والأهم في خريطة الدبلوماسية والسياسة ولا يمكن الاستغناء عن مدرسته التي أثبتت مرونتها.

في السعودية وخارجها اليوم، من يتنبأ أن الوزير القوي سعود الفيصل سيكون أبرز الغائبين عن الحكومة السعودية المتجددة ببطء، ويرون صعوبة في تحديد من سيخلفه وهو الذي أنهكه المرض وضبط ساعات الطيران لا الحضور المكاني، وهل سيتحمل القادم صعوبة التركة المستمرة اشتعالا في مملكة تود التغيير لضمان المستقبل كما هو الحاضر، الذي يلزم وجود وزير بذات صفات الفيصل وقوته ودبلوماسيته الصريحة المتقنة حضورا وظهورا.

7