سعيد الماروق مخرج سينمائي فجّر ثورة الفيديو كليب

الأحد 2016/07/17
فنان ولد لأبوين يعيشان في عالم الصمت

عمان - السينما بالنسبة إليه واجب محتّم، يؤمن بأن دخوله غمارها قد يغيّر في المشهد العام، لا يحزن لخسارته أخيرا بعض المشاريع بسبب وضعه الصحي الصعب، لأنه يعلم أنها لو كانت من نصيبه لبقيت معه. أما عرقلة معظم مشاريعه فيضعها في خانة المصادفة لأنه لا يؤمن بالحظ.

سعيد الماروق، الذي وصف نفسه بالسعيد جدا بعد تجاوزه مرحلة التسعين بالمئة من علاجه من مرض سرطان الرئة الذي أصابه مؤخرا، يعد من الأسماء التي تركت بصمتها في عالم الإخراج، رغم اقتصار أعماله على فيلم سينمائي واحد وأكثر من 150 كليباً غنائيا عربيا.

لكنّ فرادته وإحساسه العالي بالتصوير والتقنيات التي اعتمدها، وضعته في مكانة خاصة ورفعت سقف التوقعات أن يكون يوماً من الأشخاص الذين سيحققون نقلة نوعية في السينما اللبنانية والعربية.

عالم الصمت والصورة

يعيش الماروق بين الواقع والطموح وضعا صحيا دقيقا استطاع أن يقيده في البداية لكنه، كما تظهر النتائج الطبية الأخيرة، استطاع أن يطوقه ويغلبه، فالماروق الذي نزل عليه خبر إصابته بالسرطان كالصاعقة، استطاع أن يتخطى صدمته ليواجه معركة يؤكد أنه لن يستسلم أمامها.

ولد عام 1969 لأبوين لبنانيين أصمّين، فأتقن لغة الإشارة، كما أتقن لغات عدة منها الإنكليزية والصربية والألمانية والكراواتية. درس الإخراج في أكاديمية السينما في العاصمة اليوغوسلافية بلغراد.

وبسبب الأوضاع السياسية الصعبة هناك، قرر إكمال دراسته في ألمانيا، حيث عمل فيها بمهن قد تكون بعيدة عن مجال شهرته، فكان مراسل كاميرا لمحطات التلفزة الألمانية لعدة أعوام، ليتطور عمله الفني إلى مدير لمكتب راديو وتلفزيون العرب خلال العامين 1996 و1999، عاد بعدها إلى موطنه لبنان وخاض تجربة إخراج الاعلانات التلفزيونية، ومنها بدأ الدخول إلى عالم الفيديو كليب من بوابة مهنة ريجسير في كليب أغنية قيصر الغناء العربي كاظم الساهر “زيديني عشقا” التي تولى وقتها إخراجها المخرج الأردني حسين دعيبس.

الكليبات مرحلة مهمة في حياة الماروق، بدأت ولم تنته، وستستمر بحسب مزاجه لأن الموسيقى عشقه، والأغنية المصورة برأيه، تمر في مرحلة تراجع كبيرة، ويقول في لقاءاته الصحفية “لم نعد نرى أعمالا جميلة، نفتقد الأفكار والمخرجين الحقيقيين الذين يقدمون فنيا وتقنيا عملا راقيا”.
الكليبات مرحلة مهمة في حياة الماروق، بدأت ولم تنته، وستستمر بحسب مزاجه لأن الموسيقى عشقه، والأغنية المصورة برأيه، تمر في مرحلة تراجع كبيرة

شهد عام 2000 انطلاقة الماروق في عالم إخراج الفيديو كليب، من خلال تولّيه إخراج أغنية “دللني” للفنانة هويدا يوسف، وبذلك لفت نظر كبار مطربي الوطن العربي، أمثال عاصي الحلاني وفضل شاكر ووليد توفيق وعبدالله رشاد، ونانسي عجرم، وأحلام وإليسا، والراحلة سوزان تميم، وأصالة، والكثير غيرهم.

انهيار الفنان

تدهورت حالته الصحية خلال 12 يوما لدرجة اختفاء صوته، مما أجبره على زيارة الطبيب الذي طلب منه إجراء فحوصات عدة، تبين من نتائجها وجود سرطان في الغدد اللمفاوية الموجودة في القصبة الهوائية، وهي التي تؤثر على الأوتار الصوتية.

ولا يمكن إجراء الجراحة في تلك المنطقة بينما ورم الرئة يمكن استئصاله. ولذلك قرر الطبيب المشرف على حالته معالجة ورم الغدد اللمفاوية بالـ “الكيمو ثيرابي” و”راديو ثيرابي” لمدة 6 أسابيع في لبنان، ومن ثم استكمال العلاج في ألمانيا، وهذا ما حدث بالفعل، حيث ما يزال الماروق يسافر إلى برلين بهدف العلاج الذي شارف على الانتهاء كما صرح مؤخرا في برنامج “أي تي بالعربي”.

الطريقة التي سوف يعيش بها حياته في المرحلة المقبلة، يصفها الماروق بالقول “أشعر أن الله أصابني بهذا المرض، لكي أوظف تجربتي في أعمالي”.

في سجن السينما

قامت السلطات المختصة في لبنان في العام 2013 بالقبض عليه وسجنه لعدة أيام، لخلافاته مع شركائه في شركة الإنتاج التي أسسها في العام 2009. ولكن التحقيقات لم تثبت إدانته ما دعا إلى إخلاء سبيله. كان الماروق يتوق إلى فعل أيّ شيء في سبيل إنتاج سينما راقية، في بلده لبنان وفي العالم العربي بأسره.

فيديو كليب أغنية "زيديني عشقا" للفنان كاظم الساهر يعد الجسر الذي عبر منه الماروق إلى عالم الصورة مثبتا جدارته

يرى أن ثورات الربيع العربي، أثّرت بشكل سلبي على إنتاج الأفلام السينمائية، وبسببها اضطر عدد كبير من مخرجي السينما العربية للانتقال إلى الأعمال الدرامية. فشكلوا فارقا ملحوظا على الساحة الفنية.

كان من المفترض أن يكون الماروق بين هؤلاء، عن طريق إخراجه لأوّل عمل درامي، وهو مسلسل”24 قيراط” الذي عرض في شهر رمضان الفائت، وقامت بتأليفه الكاتبة السورية ريم حنا، وجسد أدواره كوكبة من النجوم العرب أمثال سيرين عبدالنور وعابد فهد وتقلا شمعون وماغي بوغصن وغيرهم، إلا أن الماروق اختلف مع الشركة المنتجة “إيغل فيلم” لتذهب المهمة إلى المخرج السوري سامر برقاوي.

يتملّك سعيد الماروق شعور بالخوف قبل أن يقدم على أيّ عمل، وهذا يصب في خانة المسؤولية التي يشعر بها، وهذا لا يختلف إن كان العمل في الفيديو كليب أو في فيلم سينمائي أو حتى في إعلان تجاري مصوّر. لكن عالمه الحقيقي هو عالم الفيديو كليب.

تشير الأبحاث إلى أن اللحظة التي بدأت فيها مرحلة الفيديو كليب في الإعلام العربي، والتي كان الماروق أحد أبطالها الكبار، كانت لحظة هامة للغاية، قامت بتغيير الذائقة والمزاج العام للمشاهدين ولمستمعي الغناء، وانعكس على أداء الفضائيات ثقافياً.

يقول الباحث أمين عبدالغني إن تلك القنوات “تعرض ثقافة الفئات العليا من المجتمع العربي بشكل أكبر من عرضها لثقافة الفئات الأخرى. كما أنها تعرض ثقافات الشعوب غير العربية أكثر من عرضها لثقافة الشعوب العربية الأخرى. وتستخدم اللغة المنطوقة في تعبيرها عن المضامين الثقافية أكثر من اللغة التلفزيونية”.

الفيلم الروائي الطويل "365 يوم سعادة" الذي كتبه المبدع المصري يوسف معاطي، وأنتجته شركة أرابيكا موفيز، هو المشروع السينمائي العربي اليتيم الذي قام الماروق بإخراجه، حيث لعب دور البطولة فيه أحمد عز ودنيا سمير غانم وصلاح عبدالله ولاميتا فرنجية

وتشهد صناعة الفيديو كليب تطوراً سريعاً للغاية، واستطاع غزو الأجيال من الأطفال والشباب على حدّ سواء بالمتابعة والتقليد، فالملابس غريبة والأضواء عالية والمثيرات الصوتية والبصرية متدفقة، بالإضافة إلى أن تصوير الأغاني في أماكن سياحية مثل ريف أوروبا أو الدول الآسيوية الأخرى تغري حتى الآباء بمشاركة الأبناء في المتابعة، كما تصف ذلك الناقدة ناهد باشطح في دراسة هامة أجرتها حول ثقافة الكليب.

وتضيف باشطح أن “الفيديو كليب في معظم الفضائيات هو عبارة عن تدفق سيل من الأفكار والمعلومات والصور والقيم الغربية التي تفرض وجودها في مجتمعاتنا بشكل متكرر، والكارثة أنها مواد اعلامية مستوردة لم يشارك الفن العربي في إنتاجها ولا تتفق مع ثقافته، بل إنها تنزع الأفراد من واقعهم، فلا الفتيات في الفيديو كليب يشبهن نساء العرب ولا صور الحياة تشابه حياة العرب المطحونة في معظم شرائحها. إنما يساهم الفيديو كليب في تغييب وعي الشباب وتغريبهم وانفصالهم عن واقع قضايا مجتمعهم لكنّ القضية ليست مجرّد صور غنائية مذاعة بل يكاد الوضع يتأزم حينما يجسد الفيديو كليب صورة المرأة الراقصة بأسلوب مغاير لما جبلت عليه المجتمعات العربية من رفضها لرقص المرأة كمهنة. كما أن ترديد الأطفال لأغنيات هابطة وتقليد الشباب للمطربين والبنات للمطربات أو الفتيات الراقصات المصاحبات للمطرب بدأ يشكل ظاهرة لأنه في تزايد”.

دراسة الباحث أمين عبدالغني حددت دور الفضائيات العربية المتدني ثقافياً في عدة محاور، منها التركيز على وظيفة الترفيه على حساب وظيفة نقل الواقع وفهمه وتحليله ونقده. فالبرامج الفنية تمثل نسبة كبيرة من ساعات البث. بينما برامج اللغة الواقعية تعادل ربع الزمن. أما التقارير الإخبارية فتمثل مجرد الخُمس من ساعات بثّ القنوات العربية.

إضافة إلى أن غياب الفنون العربية مثل السينما الجادة والمسرح والفنون الشعبية والآداب والفنون التشكيلية يكشف مبرر تركيز البرامج الفنية على المسلسلات وبرامج منوعات الفيديو كليب.

الفنانة نانسي عجرم تعلن عن فيديو كليب جديد مع الماروق بعد انتصاره على السرطان

فرصة بصرية لمجتمع فقير

يمثل الفيديو عرضاً خاطفاً لخبرات كثيفة، تمّ تجميعها في دقائق العرض، وهو ما يفسّر توق المشاهدين العرب إلى متابعته. وبالفعل في غياب السينما الجادة، فإن فيلماً غنائياً قصيراً وباذخاً سيكون تعويضاً كريماً للمتعطشين للفن السابع.

في هذا المجال يعد الفيلم الروائي الطويل ”365 يوم سعادة” الذي كتبه المبدع المصري يوسف معاطي، وأنتجته شركة أرابيكا موفيز، المشروع السينمائي العربي اليتيم الذي قام الماروق بإخراجه، حيث لعب دور البطولة فيه كل من أحمد عز ودنيا سمير غانم وصلاح عبدالله، واللبنانية لاميتا فرنجية، مع مشاركة مميزة للمطرب اللبناني وائل جسّار وعدد كبير من نجوم السينما العربية.

تناول الفيلم موضوعا رومانسيا اجتماعيا بطابع كوميدي، ولم تكن هذه التجربة السينمائية الوحيدة للماروق في مصر، حيث أوكل إليه المخرج الأميركي مايكل باي مهمة إخراج الجزء من فيلم ”ترانسفورمرز” أو ”المتحوّلون” الذي تمّ تصويره في مصر.

تصوير مسلسل بوليسي عربي هو الحلم الذي طالما راود سعيد الماروق في هذا المجال، وكان هو من اقترح إعادة إنتاج المسلسل اللبناني “عشرة عبيد صغار” المستوحى من روايات أجاثا كريستي، ولكن شاءت الظروف ألا يتكفل الماروق بتنفيذه، وذهب العمل للمخرج اللبناني إيلي ف حبيب.

وبعد غياب عن الساحة الفنيّة بسبب المرض، يعود المخرج سعيد الماروق بسلسلة من النشاطات، أولّها أغنيتان مصوّرتان لعاصي الحلاني، وأُخرى لنادر الأتات وصابر الرباعي وعدد من الفنانين العرب.

يقول الماروق إنه يوشك على الدخول في عمل سينمائي لبناني سيكون على طريقة الرسوم، لكنّه يستوجب حوالي سنتين لتحضيره.

9