سعيد المصري: تطبيق العلمانية يحسم مصير الأصولية في العالم العربي

المفكر سعيد المصري يرى أن مستقبل الجماعات الأصولية في العالم العربي مرهون بقدرة الدول على تطبيق العلمانية ليعود الدين إلى المجتمع ولا إلى أي شيء آخر.
الاثنين 2020/03/16
الأصولية متغلغلة في المجتمع

تحتاج الأصولية الدينية إلى دراسات اجتماعية ونفسية لفهم وتفكيك دواعيها ومنطلقاتها. ذلك أن الحرب على التطرف تقتضي الذهاب إلى مصادره الفكرية والنفسية والاجتماعية ومحاولة علاج التربة التي تنبت منها الأفكار المتطرفة. فالأصولية تدفع إلى الإيمان بقناعات محددة على نحو مطلق ولا تكتفي بالإيمان بالمعتقدات بل تسعى إلى فرضها على الآخرين، وهو ما جاء في فحوى لقاء أجرته “العرب” مع الباحث سعيد المصري الذي نبه إلى تغلغل الأصولية الدينية في المجتمع بشكل يتجاوز الحدّ.

طرح المفكر سعيد المصري، مدير مركز البحوث والدراسات الاجتماعية بكلية الآداب جامعة القاهرة، ومستشار وزير الثقافة في مصر، الذي أثار كتابه الأحدث “تراث الاستعلاء” ردود أفعال صاخبة في الوسط الفكري، مسألة الأصولية الدينية بعمق وتفصيل وكشف سيادة فكرة الاستعلاء الأصولي وهيمنتها على المجال الديني.

التقته “العرب” في مكتبه على مدى ساعتين كاملتين، للتحاور بشأن جذور التعصب لدى الأصولية الدينية وكيفية تغلغلها في المجتمعات، والسبل المقترحة لمواجهتها، ليقرر الرجل بصراحة وجرأة أنه “لا سبيل من التعافي من التطرف والتعصب في عالمنا العربي، إلا بعد التحرر التام من فكرة اختزال كل آفاق المستقبل في أوهام استعادة الماضي، واختزال الدعوة الدينية في الغزوات والحروب ضد الكفار”.

وقال، إنه لا يتوقع انحسار التطرف أو تراجع الأصولية الدينية في الكثير من البلدان العربية ما دامت الحكومات القائمة حريصة على الشأن الديني، وتعمل على استخدامه في ترسيخ شرعية وجودها من خلال الاحتفاء برجال الدين وإظهارهم في المناسبات السياسية وخلافها، ما يمنح تيارات الأصولية مساحة للمزايدة وتسييس الدين لصالحها.

المفكر سعيد المصري أستاذ متخصص في علم الاجتماع، حاصل على الدكتوراه في التراث الشعبي والبناء الطبقي، وحاصل على جائزة الأمم المتحدة للتميز في مجال التنمية البشرية عام 2010، وحاصل أيضا على جائزة الألكسو العربية للتراث عام 2014، وعمل أستاذا زائرا بجامعتي الإمارات والبحرين، وله العديد من المؤلفات والدراسات أبرزها “تجديد الفكر الديني”، “المجتمعات الهشة”، “ثقافة الاستهلاك في المجتمعات العربية”، “إعادة إنتاج التراث الشعبي”، “ملحمة المواطنة”، “احتواء البداوة”، “تطلعات المرأة بعد 25 يناير”، “أسلمة المجتمع البدوي في مصر”، و”الثقافة الشعبية وإعادة التشكل”، وغيرها من المؤلفات.

عودة الدين إلى المجتمع

سعيد المصري: البنية العقلية التي تنتج الخطاب الديني تحتاج  إلى إعادة نظر، والعلاقة  بين الدين والدولة تحتاج  إلى إعادة نظر
سعيد المصري: البنية العقلية التي تنتج الخطاب الديني تحتاج  إلى إعادة نظر، والعلاقة  بين الدين والدولة تحتاج  إلى إعادة نظر

يرى سعيد المصري أن مستقبل الجماعات الأصولية في العالم العربي مرهون بقدرة الدول على تطبيق العلمانية بشكل كامل وتام، بحيث يكون الشأن الديني خارج اهتمامات الحكومات المباشرة، بمعنى آخر يعود الدين إلى المجتمع ولا إلى أي شيء آخر.

في تصوره، فإن جميع حركات الإسلام السياسي نشأت وانتعشت وستظل قائمة ما دامت الدولة في العالم العربي تحتاج إلى الدين وتقوم باستخدامه في السياسة، فالمفترض أن ينحصر الدين في عبادات الناس ودعم الأخلاق، وتكون مهمة المؤسسة الدينية محددة في تعليم الناس الصلاة والحج والزكاة وباقي العبادات فقط دون أن تتدخل في الشأن السياسي أو الشؤون العامة.

يبدو القلق حاضرا في تعليقات الرجل على ما تصور البعض أنه خفوت للتيارات الدينية في العالم العربي ومنها مصر، مكررا أن ذلك غير صحيح، فما زالت التيارات الدينية قائمة ومهيمنة، ويعلق على هزيمة وتراجع تأثير الإخوان المسلمين في مصر بقوله “لا تتصوروا أنهم أزيحوا، لقد أزيحَ فصيل واحد من فصائل التيار الديني، وهو فصيل تربى في كنف الدولة، وهناك فصائل ما زالت قائمة، ومازلتُ قلقا بشأن المستقبل”.

يرى المصري، أن تغلغل الأصولية الدينية في المجتمع يتجاوز الحد، وأن هناك هيمنة على كافة القطاعات العلمية والمهنية، وطرح ملاحظة مهمة جديرة بالاهتمام مفادها أن تأمل الخلفية التعليمية لـ43 قيادة بارزة داخل جماعة الإخوان المسلمين في مصر يكشف أن 30 شخصا منهم حصلوا على شهادات جامعية في العلوم الطبيعية مثل الطب والهندسة والصيدلة والعلوم، بنسبة تصل إلى 70 بالمئة، بل إن 21 من هؤلاء حاصلون على الماجستير والدكتوراه في تلك العلوم، ولا يوجد بطبيعة الحال أي شخص في الهرم القيادي للإخوان له خلفية تعليمية في مجال الفلسفة أو الأدب أو الفنون أو أي من العلوم الإنسانية.

ويفسر ذلك بأن العلوم الطبيعية أنسب لأنماط التفكير لدى الإخوان والقائمة على نتيجة واحدة وحل وحيد وخلاصات لا تقبل التعدد، بينما نجد أن العلوم الإنسانية تفتح الباب لفكرة التعدد، والآراء المتنوعة والنقد المتحرر، من هنا فإنهم حين يمارسون عملهم العلمي في الجامعات يبدو كل شيء في أدائهم منسجما مع مركزية العقيدة ومظهر السلوك العلمي.

أكد المصري، لـ”العرب”، أن التيارات الدينية كرست على مدى أربعة عقود ماضية نوعا من الاستعلاء الديني في المجتمعات العربية، وهو أخطر أنواع الاستعلاء، إذ تعرفُ الكثير من المجتمعات الاستعلاء البدائي الذي قد يمارس من الرجل ضد المرأة أو من الكبير تجاه الصغير أو من الأبيض تجاه الأسود.

وتعرف مجتمعات أخرى الاستعلاء الطبقي، حيث يتعالى فيه الأغنياء على الفقراء، لكن الاستعلاء الديني أعنف وأخطر على بنية المجتمعات، إذ يرى ممارسوه أن الدين فوق العلم، وفوق الكفاءة، وفوق الجنسية، وأصحابه ينظرون إلى أنفسهم كونهم الفئة الوحيدة المؤهلة للقيادة. وبذلك التصور توغلت تيارات الإسلام السياسي في كل شيء، في التعليم والثقافة وفي كافة مناحي الحياة، حتى أنهم صاروا يسيطرون على وجدان الناس ويحلّون محل مؤسسات التنمية الاجتماعية في بناء البشر.

أشار أستاذ علم الاجتماع في حواره مع “العرب”، إلى أن حركات الإسلام السياسي ليست تيارا واحدا وإنما هي تيارات واتجاهات متعددة، لكن تجمعها جميعا فكرة واحدة هي الاستعلاء بالدين على كل شيء، والذي يتحدد من خلال عدة محاور أولها أنهم على حق والباقون جميعا على باطل، وثانيها أنهم على هدى والآخرون في ضلال مطلق، وثالثها أنهم الأعلى في المنزلة وغيرهم الأدنى، مصداقا لقول منظرهم سيد قطب بأن “عصبة المؤمنين هم الأعلى في السند والإدراك وتصور الوجود والضمير والصفات المثلى، بل هم الأحق أن يفخروا بأنفسهم ويسخروا من الآخرين”.

يمايز المصري بين فكرة الاستعلاء لدى كل تيار من تيارات الإسلام السياسي، فالسلفيون مثلا يرون أنفسهم أهل العلم والفرقة الناجية ومرشدي الناس، بينما يرى الإخوان أنفسهم، حسب تعبير حسن البنا، العقل الجديد الذي يريد الله أن يفرق به بين الحق والباطل ودعاة الإسلام وحملة القرآن وصلة الأرض بالسماء وورثة محمد وصحابته، وخلفائه من بعده، ولديهم غايات سامية في وقت التبست فيه المسالك على الناس وضلوا السبيل، غير أن الاستعلاء لدى التيار الراديكالي الجهادي أبسط وأوضح إذ يرون أنفسهم من المؤمنين وسواهم من الكفار.

المجتمع المتخيل

جميع حركات الإسلام السياسي نشأت وانتعشت وستظل قائمة ما دامت الدولة في العالم العربي تحتاج إلى الدين وتقوم باستخدامه في السياسة
جميع حركات الإسلام السياسي نشأت وانتعشت وستظل قائمة ما دامت الدولة في العالم العربي تحتاج إلى الدين وتقوم باستخدامه في السياسة

المشكلة في تصور الرجل أنه على الرغم من تلك الفروق في مفهوم فصائل الإسلام السياسي للاستعلاء إلا أنهم جميعا يتفقون في فكرة كون الدين منهج حياة شاملا لكل كبيرة وصغيرة، وهي عبارة خطيرة تدفع برجال الدين إلى التدخل في كل أمر، لذا فإنهم لا يستغربون مثلا أن يسألوا عن حكم الدين في كل شيء لدرجة أن يقولوا “ما حكم الدين في تشمير أكمام القمصان”.

أضاف المصري، بأن جميع التيارات الدينية، وحتى أولئك العاملين في المؤسسات الدينية الرسمية، تؤمنُ بفكرة المجتمع الإسلامي المتخيل، على غرار الجيل الأول في فترة حياة الرسول، ويحشدون الجهود للوصول إلى تحقيق هذا الهدف، وهم يرون أن النص ثابت لواقع متغير وحياتنا هي التي يجب أن تتشكل لتتوافق مع النص حسب فهمه لدى السلف، وكأن الزمن دائري وليس خطيا، فبدلا من أن ينتقل الزمن من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، فإن الزمن لديهم يعودُ إلى الماضي.

ولذا فإن كافة التيارات الدينية قد تختلف في طريقة العودة إلى عهد الجيل الأول، لكنها تتفق في وجوب تلك العودة، وترى أنه لا سبيل سوى ذلك.

ولفت إلى أن وضوح أو خفوت التباين بين التيارات الدينية يتوقف على مدى هشاشة البنية الاجتماعية أو قوتها، فعندما تكون هشة فإنهم يتجمعون معا ويتحدون، وعندما تقوى يتخذ كل منهم طريقا مستقلا.

ودلل على ذلك بتجربة الجماعات الإسلامية في مصر خلال السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، فحين فشلوا في السيطرة على بنى المجتمع، قرروا الخروج إلى المناطق النائية الأكثر هشاشة، مثل المناطق الحدودية والبدائية، حيث تقل سلطة ووجود الدولة، ورصد ذلك في دراسات مجتمعية أثبتت إمكانية إقامة بؤر إسلامية في مناطق حدودية.

أوضح المصري أن مقولة تجديد الخطاب الديني والمتكررة كثيرا على المستوى الإعلامي أشبه بحوار الطرشان، إذ لا يوجد تعريف حول معنى كلمة “تجديد”، ولا يوجد تحديد لمفهوم الخطاب الديني، فضلا عن أن المطالبين بالتجديد أنفسهم هم قيادات المؤسسة الدينية التقليدية التي تتصور أنها تحتكر وحدها الخطاب وتحدد ثوابته.

والمؤسف في الأمر، على حد قوله، أن تلك المؤسسة تعاني من التضخم والترهل البيروقراطي، فضلا عن ضعف الكوادر وفقدان المصداقية ما يجعلها غير قادرة على تطوير أو تجديد خطابها أو المشاركة في تحديثه.

فضلا عن ذلك فقد أظهرت الملاحقات الأمنية الجارية في مصر أن أغلب المؤسسات الدينية التقليدية مخترقة من جانب أشخاص محسوبين على تيارات الإسلام السياسي وخاصة جماعة الإخوان.

لا سبيل للتعافي من التطرف في عالمنا العربي، إلا بعد التحرر من فكرة اختزال كل آفاق المستقبل في أوهام استعادة الماضي 

وأهم سمات الخطاب الديني الراهن تتلخص في أن النقل أهم من العقل، والموت أهم من الحياة، والمظهر أهم من الجوهر، وكل شيء مكتوب ومقدر جبرا والإنسان مجرد مفعول به لا اختيار له.

ويشدد على أن المصطلح الأفضل للاستخدام في هذا المنحى هو إعادة صياغة الفكر الديني، بمعنى أن أساسيات الفكر نفسها يجب إعادة تأسيسها، وتحتاج البنية العقلية التي تنتج الخطاب الديني إلى إعادة نظر، والعلاقة بين الدين والدولة تحتاج إلى إعادة نظر، ولا بد من إعلاء حرية التأويل بدلا من النقل الذي يجعل المجتمع أسيرا لصورة متخيلة.

وحدد أستاذ علم الاجتماع أربع قيم محورية يمكن من خلالها إعادة صياغة الفكر الديني وأولها قيمة الحرية والتعددية مقابل قيود الامتثال والتجانس، على اعتبار أن الحرية تعزز القدرة على التأويل بينما الامتثال يعزز من الجمود والتسلط الفكري.

كذلك قيمة التسامح مقابل التشدد والتعصب والتطرف، حيث يعزز التسامح من التفكير القائم على التوافق بينما يؤجج التشدد الصراعات ويجعل الحياة شاقة ومستحيلة.

إلى جانب قيمة السعادة وحب الحياة مقابل التفكير في البعث والإفراط في الخوف من الموت، حيث تعزز السعادة من البهجة والشعور بالأمل، بينما الخوف من الموت يجعل الحياة كئيبة ومصدر قلق دائم.

أما القيمة الرابعة فهي قيمة العدل مقابل التفاوت وعدم المساواة والظلم في الحياة الإنسانية حيث يساهم التفكير القائم على التحرر في تمكين البشر من الحياة الكريمة.

12