سعيد خطيبي: دائرة المحرمات في الجزائر تتسع يوما بعد يوم

الثلاثاء 2014/02/11
خطيبي: طيف كاتب ياسين لا يزال يراود النقاشات الأدبية، وأطروحاته ماتزال مغرية

الجزائر- يصنف الكاتب الجزائري سعيد خطيبي ضمن الذين يكتبون بجرعة زائدة من الفئات المهمشة والمقصية من الكتاب والأدباء الجزائريين، ظهرت له أخيرا بالجزائر روايته الأولى “كتاب الخطايا”، بعد منع عدد من كتبه على غرار كتاب “الحياة المصلوبة في الجزائر” و”أعراس النار” الذي هو عبارة عن مخطوط توثيقي لأغنية الراي الجزائرية.

يؤمن الكاتب سعيد خطيبي بمقولة الروائي الفرنسي لوكليزو التي جاء فيها: “نحن نكتب لنواصل العيش”، ففعل الكتابة بالنسبة إليه يبدأ كمتعة، ليتحوّل تدريجيا إلى عادة، ويصير مكوّنا أساسيا من مكونات الحياة اليومية.


مواجهة أولى


الإصرار والتخطيط ليسا شرطيين أساسيين من شروط نحت نصّ جيّد، هذا ما يذهب إليه سعيد خطيبي، حيث يقول: «شخصيا، لم أختر لنفسي طريق الكتابة، ووصلت إليها قادما ومتأثرا بمتعة عوالم المطالعة في سنوات المراهقة، خصوصا مطالعة الرواية الفرنسية، ولم أكتب إلاّ لما استشعرت لذة الكتابة، وشعرت بحاجة إلى التعبير بالنص، للتفريج عن كبت ما، أو التعاطي مع واقعي من وجهة نظر ﺬاتية ومختلفة. يعني أن الكتابة فرضت نفسها، فعل الكتابة يبلغ ذروته لما يشعر الكاتب بمتعة تشبه متعة المراهق، وهو تشبيه مناسب، فالكاتب يحتاج إلى أن يبلغ “الأورغازم” الأدبي لحظة المواجهة الأولى للصفحة البيضاء».

الطاهر وطار لعب دورا سلبيا في تغذية النزعات الفردية والآنية وتكريس خطاب يقترب من الشعبوية ويبتعد عن الموضوعية

وهذا ما ظهر جليا في روايته الأخيرة “كتاب الخطايا” التي يحسّ القارئ بأن فيها عطشا للحرية وللحياة، وهو ما حفزنا لسؤال الكاتب عن مدى حضور الحرية في الجزائر الراهنة، وفي هذا الشأن، يجيب خطيبي بالقول إنّ الحرية «غاية كل الأجيال، باختلاف همومها وأيديولوجيتها. حرية كاملة وغير متجزئة. في الجزائر، وعلى غرار مختلف الدول العربية الأخرى، الحرية هي مفهوم نسبي، يتغيّر بتغيّر بعض المعطيات السياسية والتركيبة البشرية للجهاز السياسي الحاكم».


لسان الشارع


يؤكد الروائي أن الجزائر تعيش منذ استقلالها عام 1962 حرية مبتورة، حرية لا تخدم سوى توجّها أحاديّا. حرية المعتقد الديني مثلا مفقودة، وفي هذا يقول: «يمكن أن نلاحظ غياب الحرية في التضييقات الممارسة على أتباع الديانات غير الإسلامية، أو أنصار مذاهب غير المذهب السني المالكي. وهو ما تلخصّه حالة بطلة رواية “كتاب الخطايا” في تطلعها إلى الحق في التمتع بحرية شخصية. المرأة هي الضحية الأولى للتعسف الاجتماعي السائد، والبطريركية المترسخة، التي تشجع عليها المدرسة، ومناهج التعليم، وخطب الأئمة في المساجد». ويضيف خطيبي قائلا: «أستشعر حالة الكبت التي تميز حياة المرأة الجزائرية عموما، والضغوط الممارسة عليها، ومحاولة تقزيمها وحصرها في كليشيهات بائدة، مع سلبها حقها في العيش الحرّ ككيان مستقل.. للأسف، هي ما تزال مرادفا للعار ولـ”الحشومة”».

"كتاب الخطايا".. لحظة المواجهة الأولى للصفحة البيضاء

والكتابة باللغتين الفرنسية والعربية بالنسبة إلى سعيد خطيبي هي فقط سبيل للعبور إلى الضفة الأخرى، إذ هي كما يقول: «محصلة تنشئة اجتماعية وتعليمية، وهذا تحصيل حاصل لما تفرضه المدرسة الجزائرية من تدريس باللغة العربية فقط»، ويتابع قوله: «لكن مشروعها التعريبي يصطدم مرورا بتفرنس لسان الشارع، وفرانكفونية الإدارة الجزائرية عموما. للعربية مكانتها كما للفرنسية مكانتها أيضا، وتداخل لغتين مختلفتين في مجتمع واحد يعتبر عامل إثراء ثقافي، وتنوّعا مهمّا، كان من المفروض أن يستغل من جانبه المضيء، بدل أن يستخدم كورقة سياسية لتصفية بعض الحسابات، وإثارة حساسيات بين مثقفين ومسؤولين سياسيين، بحجة التعبير والكتابة بالعربية أو الفرنسية».


حروب بالوكالة


مرّت الجزائر بأجيال أسست للرواية، وظهرت أسماء لامعة وكبيرة مثلت فترة السبعينات والثمانينات على غرار عبدالحميد بن هدوقة والطاهر وطار. ويقدّم الروائي سعيد خطيبي رأيه في شخصية الراحل الطاهر وطار، مفسّرا الدور الذي لعبه في التأسيس للرواية المعرّبة في الجزائر، إذ يقول: «لعب الطاهر وطار دورا سلبيا في تغذية النزعات الفردية والآنية وتكريس خطاب لغوي تمييزي يقترب من الشعبوية ويبتعد عن الموضوعية. خلال سنوات الثمانينات لم يكن الكتاب منشغلين بكتابة الرواية بقدر انشغالهم بخوض حروب بالوكالة، بما يخدم سياسة التيار المعرب في حزب جبهة التحرير الوطني».

بعيدا عن الروائيين المعرّبين كما يصطلح على تسميتهم في الجزائر فإن خطيبي تأثر أيّما تأثر بالروائي كاتب ياسين الذي يكتب باللغة الفرنسية، ولئن لم يكن من معاصريه، فإنه ترجم أشعاره إلى العربية، إذ يعتبره الحاضر- الغائب في المشهد الثقافي الجزائري. ويرى أن طيفه لا يزال يراود النقاشات الأدبية، وأطروحاته راهنة وقابلة للنقاش والتطور. وهو محطة أساسية وقاعدة مهمة في سبيل قراءة النتاج الأدبي الجزائري أو التمعن فيه أثناء وبعد الحقبة الكولونيالية، ويردّ بالقول إنه غير مدّع بترجمة نصوص شعرية له، يقول: «قمت فقط بمحاولة ترجمة نصوص متناثرة، جمعتها الناقدة جاكلين آرنو في كتاب واحد. من الأفضل أن نقرأ كاتب ياسين داخل صدامية نصه الأصلي. فقد كان يكتب ليقرأ كما هو، في نصه المخل لمعايير الأدب الفرنسي، المكشوف الصاخب والمتحرّر من سطوة التشريعات الاجتماعية. نص كاتب ياسين غارق في الإنسانية وفي التحرّش بالقيم والمبادئ البالية. أن نقرأ كاتب ياسين يعني أن نقرأ جزائر مثالية كان يمكن لها أن تصير أفضل ممّا هي عليه اليوم».

15