سعيد صالح من الشعب وإلى الشعب يعود

الأحد 2014/08/10
سعيد صالح يرسم حضوره الساطع في "مدرسة المشاغبين"

القاهرة - أطلقت السينما المصرية لقب فتى الشاشة على النجم الراحل شكري سرحان، وأطلق الجمهور والنقاد لقب “فتى المسرح” على سعيد صالح، الذي كان يعطي للمشاهدين شعوراً بأنه خرج للتو من بين صفوف المتفرجين ليؤدي فقرته على الخشبة ويعود عاجلاً إليهم، بسيط ومباشر، لا تخفي ملامحه ذكاءه المتقد، إلا أنها تضفي عليه لمسة مصرية خاصة، لمسة المتهكم المصري الذي لا يكترث كثيراً بكل ما يقال له أو يحدث من حوله، مستغرقاً في عالمه الخاص، الواسع والرحب والخصب، الذي يغنيه عن رحلة رفاقه المعقدة بعد خروج الجميع من صف الأستاذة سهير البابلي في مدرسة المشاغبين.

ولد سعيد صالح إبراهيم في المنوفية، في العام 1938، ولكنه بقي شاباً حتى وفاته، ولم يظهر يوماً كعجوز متهالك أو فاقد لقدرته على الإضحاك والسخرية حتى من نفسه، ساقته أقداره ليعمل في أكثر من خمسمئة عمل مسرحي تشكل الواجهة الراقية للمسرح المصري على امتداد تاريخه المعاصر، منذ ظهوره الأبرز في مسرحية مدرسة المشاغبين، التي أبدعها وأشرف عليها شارلي شابلن العرب عبدالمنعم مدبولي وكانت بالفعل مدرسة لمشاغبي الوعي العربي وما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم في رسم الابتسامة على وجوه مئات الملايين من المشاهدين.


التلميذ الفاشل الاكثر نجاحا


كان بإمكان سعيد صالح أن يمضي كما فعل زملاؤه في المدرسة، فيذهب إلى المجد بكل وسيلة كما فعل عادل إمام، لينصّب نفسه زعيماً على الكوميديا والسينما في مصر خلال العقود الأربعة الماضية، مستعملاً كل طرق التفكير والتأثير والمبادئ والرسائل السياسية والجنسية والاجتماعية والدينية لتكريس ذاته، وليجمع المجد والمال والسلطة التي تجعله يستقبل في الدول التي يزورها استقبال الرؤساء، وكان بإمكان سعيد صالح أن يذهب إلى الذوبان وفقدان القدرة على إدارة موهبته كما فعل صديقه يونس شلبي، الذي توارى تدريجياً خلف الشخصية التي ظهر بها في المسرحية ولم يتمكن من مغادرتها يوماً.

وكان يمكن أن تكون قدراته التمثيلية محدودة كقدرات هادي الجيار الذي اتجه إلى الدراما بعد أن أثبت أن كفاءته في الكوميديا لم تكن كمستوى النجوم الذين خرجوا من بين تلاميذ الصف، أو بطلاً متعدداً كأحمد زكي معتمداً براعته في فن التمثيل ومغامرته الكبرى في لعب أدوار لا حصر لتنوعها.

وقف سعيد صالح على خشبة المسرح وقال عن رؤساء مصر في العام 1983: "أمي إتجوزت تلت مرات، الأول وكلنا المش، والتاني علمنا الغشّ، والتالت لا بيهشّ ولا بينشّ"، فصدر بحقه حكم من المستشار سامي صالح بالسجن ستة أشهر


خيار الشعب


اختار سعيد صالح أن يكون مصرياً كما المصريين، مثّلهم ومثّل رغباتهم، حرّاً منفلتاً من كل ضابط، منحازاً إلى الناس ولخيارات الناس، وعلى الرغم من نجاحه في المسرح بعد مدرسة المشاغبين في مسرحية “العيال كبرت” في العام 1979 وبروزه كنجم كوميدي له مكانته التي تخصّه وحده، إلا أنه لم يلتفت لذاته كما فعل صديقه عادل إمام، بل استغرق في عالم القاع وتناقلت الصحف أخبار اعتياده تدخين الحشيش والعقوبات بالسجن التي كان يقضيها بين الوقت والآخر.

فبعد أن أنهى دراسته في الجامعة، في كلية الآداب في العام 1960، بدأ سعيد صالح مغامرته الفنية، ليكتشفه الممثل المصري حسن يوسف ويعطيه الفرصة للعمل في المسرح، في مسرحية “هالو شلبي”، لتأتي مسرحية “مدرسة المشاغبين” وترسم حضوره الساطع مع عادل إمام كنجمي كوميديا واعدين في العام 1973، صحيح أن المسرحية خفيفة وساخرة، ولكنها غيّرت كثيراً في وعي المصريين والعرب، فبعد مرحلة من التقاليد في البيت والمدرسة لأبناء الطبقة الوسطى، وهي الطبقة التي ترتاد المسرح وتتابع الأعمال المنقولة إلى التلفزيون، انهار كل شيء على يد الناظر عبدالمعطي وطلاب مدرسته مع مدرّسه الثرثار علّام الملواني، وتكسّرت قيمٌ كثيرة شابتها الصرامة والتقديس، وكأنما طوي عصرٌ بأكمله مع “مدرسة المشاغبين” مقترن بعصر عبدالناصر، ليبدأ عصر الانفتاح على الحرية والجرأة في المجتمع مع السادات، وكان هذا واضحاً في نص حوار المسرحية حين يصف الناظر “بهجت الأباصيري” و”مرسي الزناتي” (عادل إمام وسعيد صالح) بأنهما من مراكز القوى في المدرسة، مشيراً بذلك إلى مراكز القوى التي وقفت بوجه السادات وقام بتفكيكها بعد أن ورث الرئاسة عن عبدالناصر.

كثير من النقاد تناولوا مدرسة المشاغبين، كنقلة نوعية في حياة المصريين، قامت بـ”بهدلة” الأستاذ ومدير المدرسة وصورة الطالب الذي يسمع ويطيع، كما قدّمت صورة المرأة ودورها الخلاق في شخصية “عفت” الأستاذة التي تم تعيينها لضبط الصف الفوضوي في المدرسة والتي أدت دورها الفنانة “سهير البابلي”.

حافظ سعيد صالح على ضحكته البريئة النقية رغم تقلبات حياته، ورغم الظروف الصعبة التي مرّ بها، وحافظ معها على قدرته على التواصل مع المشاهد فلم ينسه الجمهور المصري والعربي يوما على قلّة أعماله ومشاركاته، ولم يتخذ أحد منه موقفا سلبيا نتيجة سمعته التي تأثرت بسبب مخالفاته القانونية


وجه سعيد صالح


حافظ سعيد صالح على ضحكته البريئة النقية رغم تقلبات حياته، ورغم الظروف الصعبة التي مرّ بها، وحافظ معها على قدرته على التواصل مع المشاهد فلم ينسه الجمهور المصري والعربي يوماً على قلّة أعماله ومشاركاته ولم يتخذ أحدٌ منه موقفاً سلبياً نتيجة سمعته التي تأثرت بسبب مخالفاته القانونية، وكان صاحبه عادل إمام يحرص على إظهاره معه في أفلامه في مشهد أو مشهدين، ليس ليقدّم المساعدة لصديق عمره، بقدر ما حرص إمام على عرضه على الناس كي يبعث برسالة تقول ها أنا ذا وهذا من بدأ معي الطريق ذاتها فانظروا إلى الفارق أين صرت وأين هو الآن، ولم يكن هذا يخفى على محبي سعيد صالح الذين وصفوا عادل إمام بالمتعجرف والمتعالي.


البعبع


قرّر سعيد صالح ألا تكون رسالته هي الإضحاك وحسب، فقدّم أعمالاً مسرحية تحمل المضامين السياسية والاجتماعية والإنسانية مثل مسرحية “كعبلون” وكانت المسرحية رحلة بحث عن إجابة لسؤال وجهته له الأميرة كشرط إذا أراد الزواج به، وكان السؤال “أين يوجد عقل الإنسان؟” ليعرض في المسرحية الفانتازية كيف سافر وترحّل بحثاً عن إجابة السؤال، حتى وجد أن الإجابة هي “العقل في الصبر”، ثم قدّم مسرحية “البعبع″ في العام 1990، والتي شاركه بطولتها كلٌ من أحمد أدم و مظهر أبو النجا وطلعت زكريا وكانت من إخراج عصام السيد، واستمرّ عرضها عدّة سنوات بلا انقطاع مع أنها ركّزت على الهواجس السياسية للمصريين، وقدّم مسرحية “حلو الكلام”، أما في السينما فكثيراً ما تفاخر سعيد صالح بأن السينما المصرية أنتجت 1500 فيلم، كان من نصيبه ثلث تلك الأفلام فكان قد شارك في 500 فيلم مصري من بينها “سلام يا صاحبي” و”على باب الوزير” مع عادل إمام، وفي التلفزيون شارك سعيد صالح في أعمال مثل “السقوط في بئر السبع″ و”المصراوية” وغيرها.


مرض المشاغب ونهايته


في العام 2005 مرض سعيد صالح وضعفت شرايين قلبه، وقلّ تركيزه، وكثيراً ما فقد الذاكرة كما روت أسرته والمقربون منه، وتوقف عن التمثيل، إلا من بعض المشاركات البسيطة، كان سعيد صالح أكثر جرأة من بقية المشاغبين، فهو الذي وقف على خشبة المسرح وقال عن رؤساء مصر في العام 1983: “أمي إتجوزت تلت مرات، الأول وكّلنا المش، والتاني علّمنا الغشّ، والتالت لا بيهشّ ولا بينشّ”، فصدر بحقه حكم من المستشار سامي صالح بالسجن ستة أشهر.

مات سعيد صالح ولكنه لم يمت في قلوب المصريين والعرب، وبقيت شخصيته وضحكته وطبيعته المتمردة حية في الأجيال التي شهدت براعته وصدق موهبته.

9