سعيد عقل بين الشعر والسياسة

الثلاثاء 2014/01/07

لا أعتقد أن شعراء الأجيال الجديدة في جل البلدان العربية قرؤوا بعمق، وبتمعّن الأعمال الشعرية للشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل. ولعلّ ذلك يعود إلى أنهم منشغلون بذواتهم المتضخّمة أكثر من انشغالهم بالشعر في مفهومه الحقيقي.

لذلك هم لا يكادون يعيرون اهتماما يذكر للتجارب الشعرية المهمة سواء كانت عربية أم أجنبيّة. كما أنهم نادرا ما يقبلون على قراءة ودراسة الأعمال التي تتطلّب منهم الجهد والمعرفة والصبر والوقت. بل هم يفضّلون عليها تلك الأعمال الشبيهة بالأكلات السريعة، والتي عادة ما تتّسم بالابتذال والسطحيّة وانعدام الجماليّة.

وربّما لهذا السبب نحن نادرا ما نعثر في قصائد أغلب الشعراء الجدد على ما يمكن أن يثير انتباهنا وإعجابنا. وجلّها متشابهة، تكرّر بعضها البعض، وتنسخ بعضها البعض. والغريب في الأمر أن الشعراء الجدد ينظرون إلى الشعر العربي الكلاسيكي كما لو أنه لم يعد صالحا لشيء آخر سوى لتزيين المكتبات! وهم لا يقبلون على قراءته ودراسته ناسين أن الجديد لا يولد إلا من رحم القديم.

والمجدّدون الكبار في مختلف اللّغات والثقافات كانوا مدركين لهذه الحقيقة. فقد كان مالارميه، وهو أحد أعمدة الحداثة الشعريّة في الغرب، قارئا نهما لرونسار وما لارب ولشعراء القرون الوسطى وشعراء التروبادور.

وعن هؤلاء كان يتحدث في الجلسات التي يعقدها في بيته كلّ مساء ثلاثاء بحضور أصدقائه، ومريديه. وقبل أن يطلقوا ثورتهم الحداثيّة، كان إزرا باوند، وت.س إليوت، وويليام بتلر ييتس، قد اطّلعوا على الأعمال الفنيّة العظيمة في مجمل التراث الإنساني. وفي ثقافتنا العربيّة كان سعيد عقل من الذين ساهموا في تطوير القصيدة العربيّة شكلا ومضمونا قبل نزار قباني وأدونيس وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة.

وفي سنوات شبابه كان عقل مهتمّا بالرياضيّات وبالعلوم، ثمّ لم يلبث أن انصرف إلى كتابة الشعر.

ولم يفعل ذلك إلاّ بعد أن قرأ بعمق آداب كلّ الأمم دون استثناء. وعن ذلك يقول: “ثقافتي تنطلق من معرفة أنه يتحتّم على الأديب أن يكون مطّلعا على الثقافة العالميّة كلّها. وهذه القناعة قادتني إلى ضابط فرنسيّ يمتلك مكتبة مكتظّة بالكتب، كتب من اليونان ومن الصين ومن الهند، فقرّرت أن أخلد إلى هذه المكتبة قبل نزولي من زحلة إلى بيروت.

قرّرت دراسة الأدب في العالم، فبدأت بالأدب الصيني، أقدم الآداب، ثم بالأدب السنسكريتي، ثم بالأدب الزندي، أدب الفرس قبل الإسلام، الأدب الذي أخرج “زرادشت”، ثم تابعت بالأدب الفينيقي والمصري ثم انتقلت إلى آداب أوروبا التي ألهبت عقلي، والتي أعتبرها الآداب الحقيقيّة”.

وجميع دواوين سعيد عقل أثّرت إلى حدّ كبير في الحركة الشعريّة العربيّة في النصف الأوّل من القرن العشرين. غير أن صاحب “رندلي” فقد إعجاب قرّائه، وأحبّاء شعره عندما حشر نفسه في السياسة، فأتى بما أغضبهم، وأثار اسيتاءهم.

حدث ذلك خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة. فقد انطلق سعيد عقل يهاجم الفلسطينيين واللبنانيين المساندين لهم معبّرا عن تضامنه المطلق مع “الكتائب”، ومع التنظيمات اليمينيّة المتطرّفة.

وذهب به الغلوّ إلى حدّ المطالبة بالقطيعة مع اللغة العربيّة، ومع آدابها، منحازا إلى الكتابة باللغة “المحكيّة”. وكان في مواقفه السياسيّة تلك شبيها بالفرنسي لوي فارديناند سيلين، صاحب رائعة “سفرة في آخر الليل” الذي ساند النازيين، ومجّد هتلر وغوبلس الذي قال: “عندما أسمع كلمة الثقافة، أشهر مسدسي”.

وكان شبيها أيضا بإزرا باوند الذي أمضى سنوات طويلة محبوسا في قفص بسبب مساندته المطلقة لنظام موسيليني الفاشي، وببورخيس الذي اعتبر انقلاب الجنرال بينوشيه ضدّ نظام سالفادور اللندي أمرا مشروعا. غير أن سعيد عقل الذي تجاوز سنه المئة عام خفف من غلوائه في المجال السياسي خلال السنوات الماضية. وفي بيته الجبلي. بعيدا عن صخب بيروت، يستقبل زوّاره القليلين واضعا ربطة العنق الحمراء التي اشتهر بها.

_______


* كاتب من تونس

14