سعيد عقل شاعر الكونية أم منظر العنصرية

الاثنين 2014/12/01
سعيد عقل كان واحدا من صور الذاكرة اللبنانية الجامدة

لا أحب سعيد عقل. لم يكن شعره يوما بالنسبة إليّ سوى مرآة لذات منتفخة عامرة بنرجسية مرضية فاقعة لا تقارن بنرجسية نزار قباني العذبة، ولا بنرجسية محمود درويش الخجولة، ولا بتلك النرجسية الواثقة الهادئة التي كان الجواهري يقيم فيها.

كان شاعرا فظا، ولكنه نجح في أن يدجج فظاظته تلك بغطاء لغوي سميك يعيد استعمال لسان العرب والمنسي والمهمل والوحشي من الألفاظ والتعابير، ويصبها في بنية شعرية كانت تتماهى مع الشعر العربي كله في اللحظة نفسها التي تتحدّاه فيها.

هذا النزوع جعل الصراع مع عقل صراعا مع تاريخ اللغة العربية، وصعّب مهمة الهجوم عليه من هذه الناحية للغاية، حيث بات من يريد نقده محتاجا لبذل جهود حثيثة ومتطلبة ومكلفة.

لذا لم يتعرض للنقد إلا ممن كانوا مثله أو من أشباهه وأقرانه وحلفائه في هذا النزوع. بقي الحال كذلك طوال عمر الشاعر المديد. لم تنجح المقاربة الفيروزية الغنائية في تفكيك هذا البعد، بل ربما كان الغناء الفيروزي لقصائد عقل تماهيا مع كلام الآلهة وحوارها الداخلي حيث كان واحدا من صناع الأسطورة اللبنانية الرحبانية الفيروزية ومنظرها ووالدها الروحي. هذه الأسطورة لم تلتفت إلى البلاد التي نعرفها يوما ولم تعرها أيّ انتباه. “يارا الجدايلها شقر” هي قطعا ليست امرأة لبنانية ولا تشبه حبيباتنا وأمهاتنا وأخواتنا . كانت امرأة منسوجة من خيال ينادي بلبننة العالم دون أن يعنى قبل ذلك بلبننة لبنان.

لعل الوهم الأبرز الذي وقع فيه عقل هو أنه اعتقد أنه يستطيع أن يسحب نتائج جهوده اللغوية الشاقة والتي تتطلب مناكفتها نوعا عاليا من الخبراء اللغويين على السياسة. ظن أن ذلك الدرع المنيع الذي حصن فيه كتابته الشعرية يستطيع الانتقال بخفة سحرية إلى المجال السياسي.
شارون وبيغن وعون كانوا أبطال مشروع عقل السياسي، لقد أسمى الجيش الإسرائيلي بـ"جيش الخلاص"

أعتقد أن التخاطب السياسي الممكن مع أفكاره لن يكون ممكنا لعامة الناس، بل لقلة مصطفاة منهم كان يعتقد أن خطابه يستطيع أن يحدد عناصرها مسبقا. لم يكن منتبها إلى أن السياسة في لبنان خاصة وفي كل الدنيا، إنما هي خطاب عمومي لا يقاس بمدى جودة سبكه ولا بمتانته، بل ربما يكون الخطاب العفوي والساذج والمتعثر لغويا والعامر بالعيوب هو الخطاب الأنجح.

عقل بنى للعنصرية اللبنانية خطابها وكان منظرها وحاميها والمدافع عنها. كان من اللافت أن هذه العنصرية المبنية على أفكار حاولت تقديم نفسها بعامية تحاول استعادة ألق فصحى عقل ومتانتها إنما كان لها صدى عند من لا يعنون باللغة العربية في الأساس أو أنها ليست من أولوياتهم.

عنصرية عقل الذي احتمى فيها بلغته الفصحى المحكمة المدبلجة إلى العامية كانت لها أصداء فرانكوفونية الهوى والمجال واعتبرت غالبا أنها ضدّ العروبة والعربية.

شارون وبيغن والجنرال عون كانوا أبطال مشروع عقل السياسي. لقد أسمى في مقابلة شهيرة له الجيش الإسرائيلي بـ”جيش الخلاص”.

وقال الكلام نفسه عن الجنرال عون الذي خاطبه قائلا: “أهلا وسهلا فيك يا ملك، إنتا اللي رقصت نجوم الفلك، حلمك بدو يخلصنا”. ما كان عقل يريد التخلص منه كان الوجود السوري والفلسطيني ولكنه لم يكن يحدّد دور الأنظمة أو يدينه.

لم ينظر إلى السوريين والفلسطينيين كضحايا بل ككائنات همجية لا تستحق الحياة، وهي النظرة نفسها التي يكنها النظام السوري للسوريين والتي تكنها إسرائيل للفلسطينيين.
أثناء مذبحة صبرا وشاتيلا سنة 1982 خرجت صحيفة سعيد عقل بهذا المانشيت المرعب الذي يبارك الإبادة الجماعية للمدنيين الفلسطينيين العزل، هذا وجه يجهله الكثيرون

نستطيع أن نستنتج إذن أن عقل حاول أن يرسي معادلة ماكرة يكون فيها التطرف المسرف في أمر ما هو طريقة لإعدامه والتخلص منه. كان إتقانه المميز للغة العربية وسيلة لاحتقارها والركون إلى العامية والفرنسية، وكانت مقاربته السياسية التي ذهب فيها إلى أقصى حدود التطرف إعداما للسياسة، وقد تجلى ذلك في الكشف عن وجه عنصري بغيض لا تستطيع السياسة -أيّة سياسة- احتماله.

دعت بعض التعليقات الساخرة على صفحات التواصل الاجتماعي إلى تقديم العزاء للعونيين بوفاة سعيد عقل. في لحظة رحيله تمّ حشر شاعر الخلود والكونية وتفجير الحدود في قمقم العونية الضيق فصار جزءا من سجال لبناني عقيم ودائم. سعيد عقل كان واحدا من صور الذاكرة اللبنانية الجامدة.

اعتقد البعض أن ضم سلسلة كبيرة من الصور إلى بعضها البعض من شأنها منحها الحياة والحركة. هذه كانت حيلة الخلود في التناول اللبناني له الذي آمن أن عرض صورة الجثث بتتابع سريع كفيل بإعادتهم إلى الحياة.

الأشياء تنحاز دوما إلى أصولها. الجثث لن تغادر يوما منبتها ومعناها، ولكنها متحفنا الحي والدائم والذي يبتلع حيواتنا بقسوة فائضة، حتى بتنا نشتهي التحول إلى صور.

سعيد عقل كان واحدا من تلك الصور التي أحيلت منذ زمن بعيد إلى المتحف. المشكلة أن السلطات في بلاد الأرز ما زالت للمتاحف.

المتاحف ما زالت حية وهي تطبع بطابعها كل شي. نظرة صغيرة على الواقع اللبناني تكفي للتأكد من صحة هذا المعطى الفظ والقاسي والذي كان عقل واحدا من أعمدته.

14