سعيد ناشيد: التطبيع أسلم طرق الحكومات العربية إلى "سلام الشجعان"

الباحث المغربي يؤكد أن الإسلام السياسي أيديولوجيا شمولية وجدت لتنهار.
الاثنين 2021/02/01
الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام

أثارت قضية التطبيع مع إسرائيل جدلا واسعا في البلدان العربية انفتح على غلوّ كبير، دون إدراك عميق بدوافعها ومساراتها، باعتبارها وفقا لمنظور التيارات الإسلامية والشعبوية تبقى من المحاذير. لكنّ الكاتب والمفكر المغربي سعيد ناشيد له رؤية مختلفة، فهو يرى أن التطبيع حالة وجوبية توجّب على الدول العربية أن تنخرط فيها، ولا مناص منها إذا أرادت هذه البلدان أن تركب قطار النهوض.

تونس – مثل قطار التطبيع الذي انخرطت فيه البلدان العربية مؤخرا مادة ساخنة، استغلتها التيارات الشعبوية وجماعات الإسلام السياسي لتوجيه سهام نقدها لوحدة الصف الخليجي خصوصا والعربي عموما، تضاف إلى ذلك الانتكاسة التي عاشتها تجربة “الربيع العربي” بعد مرور عقد كامل من قيام الثورات في عدد من الدول العربية، مرورا بحالة الانقسام التي يسبّبها تيار الإسلام السياسي في عدد من الأقطار العربية التي تمر بمرحلة مخاض، وصولا إلى العقيدة التي تحكم مختلف التيارات والجماعات الإرهابية الناشطة في الدول العربية والتي تهدف إلى ضرب أسس الديمقراطية في هذه البلدان.

كل هذه الهموم التي تعاني منها العديد من الدول العربية، مثلت محور لقاء “العرب” مع الباحث المغربي سعيد ناشيد، الذي لم يخف إدراكه للواقع الذي تمر به بعض الدول العربية، منبها إلى أن حالة التغيير واجبة ولا مناص منها إذا أرادت هذه البلدان أن تركب قطار النهوض.

إسرائيل حقيقة واقعية

انطلاقا من الوضع الراهن وإشكالية التطبيع التي طرحت على بعض الدول العربية، سألت “العرب” الباحث المغربي سعيد ناشيد: كيف يفهم هذه الظاهرة وهل هي ملزمة أم طوعية بالنسبة إلى الأقطار التي انخرطت فيها؟ وإذا كانت ملزمة ما هي تداعياتها وارتداداتها مستقبلا على طبيعة العلاقة بين الدول العربية، وهل ستقود إلى تباعد أكبر أم أن الرهان على تجاوز تلك الفورة من التخوين التي ينفخ فيها الإخوان مضمون؟ فأجاب بأن إسرائيل باتت أمرا واقعا الآن، وإنكار ذلك لن يغيّر من الأمر شيئا، والواقع لا يرتفع كما صرح الفقهاء القدماء أنفسهم.

ويرى ناشيد أن العودة إلى خيار الحرب “العربية الإسرائيلية” لم يعد ممكنا، ومن يقول عكس ذلك فهو يكذب أو يزايد. وأضاف “حتى تجار الأسلحة أنفسهم يدركون أن لا وجود لأي حرب بوسعها أن تحل القضية الفلسطينية، أما أسطورة ‘الممانعة’ فهي مجرد قناع لأنظمة شمولية وأحزاب تسلطية تتاجر بفلسطين والقدس ووحدة العرب ووحدة المسلمين، وما شابه ذلك من شعارات شعبوية تتغنّى بالتحرير وتتغيّى ترسيخ الاستبداد، على منوال أحزاب البعث وولاية الفقيه”.

جماعة الإخوان تعاملت مع التدخل التركي في ليبيا بالمنطق نفسه الذي تعاملت فيه مع التدخل التركي في شمال سوريا

وأكد الباحث المغربي أنه بالرغم من وجود يمين يهودي متطرف في إسرائيل، إلا أن الحقيقة المؤكدة أن إسرائيل كسبت رهان الحداثة والديمقراطية والبحث العلمي والإنتاج الفني، وذلك وسط محيط لا يزال غارقا في البداوة.

وعلق بقوله إن “السردية المسماة بـ’الصراع العربي الإسرائيلي’ تكشف عن حقيقة إضافية: بعد كل تصعيد جديد لا تحصد فلسطين سوى المزيد من الخسارة، من حرب 1948 إلى حرب 1967 إلى صواريخ صدام حسين، إلى صواريخ القسام، إلى الآن. والآن تعيش القضية الفلسطينية أسوأ مراحلها، حيث خسرت تعاطف الرأي العام العالمي، بل خسرت تعاطف الرأي العام العربي نفسه مقارنة بسنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين”.

وأضاف “لذلك لا أتردد في اعتبار التطبيع بمثابة اختبار لا مفر منه، اختبار يجب أن نخوضه على طريقة ‘سلام الشجعان’، ويجب أن يكون الهدف الأولي هو تخليص الشرق الأوسط من حالة الخوف الشامل. إذ ليس هناك ما هو أسوأ من الخوف. علما وأن المتطرفين من كل الديانات والمجتمعات يستثمرون الخوف ويعملون على تغذيته لأجل تعطيل ‘النفس العاقلة”.

ويرى الباحث المغربي أن الخاسر الأكبر في حروب الخوف والتطرف هو التيارات العقلانية والحداثية والإنسانية أينما كان المعسكر الذي تنتمي إليه. لذلك يمثل التطبيع فرصة للعودة إلى الوضع الطبيعي الذي لا غنى عنه، وبعد ذلك سيكون هناك متسع للكلام في التفاصيل.

وعن موقف حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي كان رافضا إلى وقت قريب دخول المغرب في هذه الموجة من التطبيع، قال ناشيد إن “حزب العدالة والتنمية، شأنه شأن سائر فصائل الإسلام السياسي، لا يملك أي رؤية لأي حل في أي مسألة من المسائل. إنه مجرد حالة انفعالية، مزاجية، وشعاراتية، على منوال: الإسلام هو الحل، إلا رسول الله، جيش محمد سيعود.. إلخ”.

سعيد ناشيد: العودة إلى خيار الحرب “العربية الإسرائيلية” لم يعد ممكنا سواء في المدى القريب أو البعيد
سعيد ناشيد: العودة إلى خيار الحرب “العربية الإسرائيلية” لم يعد ممكنا سواء في المدى القريب أو البعيد

وأضاف “لذلك حين يصل أقطاب الإسلام السياسي إلى مواقع المسؤولية فإنهم يضعون الدولة أمام مآلين، إما أن يتحكموا في كل مفاصلها، وإما تكون الدولة العميقة قوية بما يكفي لكي تتحكم في مزاجهم”.

وتابع “غير أنهم يتمتعون في كل الأحوال بقدرة هائلة على تبرير كل شيء، تبرير القضية ونقيضها في الآن نفسه، ولديهم لأجل ذلك رصيد هائل من الحيل الفقهية، والذرائع السياسية، وقصص الأولين”.

قضية التطبيع

وقاد الحديث مع الباحث المغربي إلى مسألة أخرى لا تقل جدلا عن قضية التطبيع تمر بها الدول العربية، والممثلة في تجربة الربيع العربي التي أثبتت فشلها، بما يعنيه ذلك من وهم الانتقال الديمقراطي والمصالحة مع الأنظمة السابقة، وغيرها من الانتكاسات التي انتهت إليها هذه البلدان بعد عشر سنوات من المخاض.

وطرحت “العرب” سؤالا عن وضعية الإسلاميين الذين دفعت بهم ثورات الربيع العربي إلى الواجهة للحكم، فأثبتوا فشلا ذريعا وبدل التركيز على النهوض بمشروع الدولة الوطنية سعوا إلى تعميق سياسة المحاور والاصطفافات، فكيف قيّم الأستاذ نشيد هذه التجارب في عدد من الأقطار على غرار تونس وليبيا واليمن؟

ويرى الباحث المغربي في علوم الأديان أن ما كان يسمّى بـ“الربيع العربي” لم يشارك الإسلاميون في إطلاق شرارته، فقد غابوا عن ثورة الياسمين، مما جعل صحافيا فرنسيا يكتب مقالا بعنوان “أيها الإسلاميون أين خبأتم الإسلاميين؟”، ولم يظهروا إلا وقت الإعداد للانتخابات حين عاد الغنوشي إلى تونس على إيقاع “طلع البدر علينا”. وفي مصر تردد الإخوان المسلمون طويلا قبل الالتحاق بالاعتصام الكبير بميدان التحرير، ولم يلتحقوا رسميا إلا بعد أن أيقنوا أن موازين القوى لم تعد لصالح حسني مبارك.

الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، خطوة أساسية نحو تعزيز سيطرة الدولة الوطنية على صحاريها استباقا لاستراتيجيات الإرهاب العالمي

وفي سوريا لم تظهر أولى التنظيمات الإسلاموية إلا بعد مرور أزيد من نصف عام عن بداية الحراك، وقد كانت جماعة الإخوان المسلمين في بادئ الأمر تكتفي بتخزين الأسلحة استعدادا للمعركة المفصلية التي لم تأت، وقد لا تأتي أبدا، غير أن مخازن أسلحتهم وقعت بين أيادي التنظيمات الإسلاموية الأشد تطرفا، قبل أن يتحول الأمر كله إلى مجرد فتنة بين “الإخوان الأعداء” تأكل اليابس والأخضر.

واعتبر ناشيد أن المعضلة تكمن في أن خطاب الحركات الإسلاموية يعاني من إعاقتين: الأولى هي أنه يعتمد على المفاهيم القدامية التي تعود إلى عصر التوسعات الإمبراطورية، مفاهيم تهدد المجتمعات التي تتبناها ولا تجد مستبدا يمسكها بالقبضة الحديدية، مفاهيم من قبيل: “دار الحرب” و“دار الإسلام”، “الولاء” و“البراء”، “الفرقة الناجية”، “الجماعة”، “الطاعة”، “العورة”، “الجزية”، “الغنيمة”، “الاحتراب”، “التدافع”، و“اللواء”.. إلخ.

أما الإعاقة الثانية فتتمثل في كونه يؤجج المشاعر السلبية التي تدمر قدرة الإنسان على النمو والفرح والإبداع وتعيق بالتالي إمكانية بناء الحضارة، وهي (المشاعر) كثيرة من قبيل الخوف، الكراهية، الغضب، الغيرة، الحزن، والسخط وغيرها.

ويخلص في ردّه على هذا السؤال إلى أنه باستحضار المفاهيم القدامية والمشاعر السلبية نستطيع أن نفهم الخصائص الأساسية للشخصية الإسلاموية: تحالفاتها قصيرة الأمد، مواقفها المتقلبة، دور الضحية، إذا خاصمت فجّرت أو انفجرت.. إلخ.

التجربة الفاشلة للإسلاميين

السلام بيئة والتزام
السلام بيئة والتزام

أما عن التجربة الفاشلة لحكم الإسلاميين، فلا يفوت أي مراقب للوضع العربي أن يمرّ على ما عاشته مصر أثناء تجربة الإخوان المسلمين وبعدها، فسألت “العرب” الباحث المغربي عن رأيه في تجربة الإخوان في مصر، وهل تسير مصر في الاتجاه الصحيح أم أنه كان على النظام الحالي أن يوازن في مقاربته الأمنية بين مناخ الحريات وضبط التوازنات السياسية؟ فأجاب قائلا “من يعرف حجم الأسلحة الثقيلة التي تم تخزينها في سيناء إبان حكم الإخوان المسلمين، يدرك أن المسألة كانت مرتبطة بمخطط لأجل السيطرة المطلقة على مفاصل الدولة، فلا يجب أن ننسى ما سبق أن قاله خيرت الشاطر، ‘جئنا لكي نحكم مصر خمسمئة عام’!”.

وقدم ناشيد البراهين لتفسير مقاربته على حكم الإخوان بأن “مصطلح ‘غزوة الصناديق’ الذي استعمله الإخوان وحلفاؤهم في تلك الأوقات، يؤكد أن الدولة كانت هدفا لغزوة كبرى بكل ما تعنيه الكلمة من معنى”. ويستدل على ذلك بالتأكيد على أن “المفاهيم ليست مجرد أدوات محايدة للتواصل أو تبليغ الأفكار، بل وراءها استراتيجيات وبرامج وخلفيات وأجندة. ما يعني أننا يجب أن نأخذ المفاهيم على محمل الجد”.

ويرى المفكر المغربي أن “التحدي الآن هو العمل على إنعاش الاقتصاد المصري، والذي تعرضت أعمدته الثلاثة (الفن، السياحة، والنيل) لضربات قاسية خلال مرحلة حكم الإخوان”.

وفي تعليقه على تيّار الإسلام السياسي الباحث عن موطئ قدم في أكثر من دولة عربية، على غرار ليبيا التي لا ينفك هؤلاء يواصلون العبث بمقدراتها بمساعدة تركية مكشوفة وسط انقسام حاد للتوافق بين الفرقاء الليبيين دوليا وقطريا ومحليا، أوضح ناشيد أن جماعة الإخوان المسلمين تعاملت مع التدخل التركي في ليبيا بالمنطق نفسه الذي تعاملت فيه مع التدخل التركي في شمال سوريا، حيث كان لسان حالها يقول “الاحتلال مثل الصدقة في الأقربين أولى!”.

ولتفسير رؤيته للحل في ليبيا يرى الباحث المغربي أنه بلا شك فإن الخلاف الخليجي القطري كان له أثر كبير على تأخير الحل في ليبيا، وهو الوضع الذي نأمل أن ينتهي قريبا بفعل تعاون دول الخليج ومصر والدول المغاربية.

ويخلص الباحث المغربي في رد على سؤال لـ“العرب” حول الدافع المشترك الذي يحرك الجماعات الإرهابية الناشطة في المغرب العربي وهو ضرب التجارب الديمقراطية في هذه الدول في مقتل، بأن ذلك مردّه الضعف الحاصل في التنسيق بين الدول. وبيّن أنه في الوقت الذي تمثل فيه منطقة الصحراء الكبرى في أفريقيا اليوم بؤرة عالمية جديدة لإعادة انتشار القاعدة وداعش وأخواتهما، فإن الخلاف بين المغرب والجزائر، وضعف التنسيق مع إسبانيا التي تحتل سبتة ومليلية وجزر الخالدات المقابلة لسواحل الصحراء المغربية، كل ذلك يصب في صالح مخططات التنظيمات المتطرفة داخل منطقة الصحراء الكبرى، وهي المنطقة التي تمتد من الصحراء المغربية وموريتانيا إلى ليبيا عبر مالي والنيجر وتشاد وغيرها.

وعلق بقوله “لذلك يعتبر الانتصار العسكري والدبلوماسي الذي أحرزه المغرب مؤخرا لصالح وحدته الوطنية، بما في ذلك الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء، وقيام العديد من الدول العربية والأفريقية بفتح قنصليات في إقليم الصحراء المغربية، بمثابة خطوة أساسية نحو تعزيز سيطرة الدول الوطنية على صحاريها، استباقا لاستراتيجيات الإرهاب العالمي. وهذا هو المطلوب اليوم”.

13