سعيد يقطين يعلن موت الكتاب الورقي ويبشر بالإبداع الرقمي

السبت 2014/06/14
سعيد يقطين يرى في الكتابة الرقمية كتابة المستقبل

انتشرت منذ أعوام قليلة نزعة التّشكيك في الكتاب الورقيّ وفي قيمته المستقبليّة بعد أن ظلّ منذ نشأة الكتابة أداة المعرفة والثّقافة الرّئيسيّة في العالم قبل ظهور الطّباعة وبعدها. ولكنّ ظهور الأنترنت وانتشار مواقع التّواصل الاجتماعي المختلفة حوّل عالمنا الواقعي إلى عالم افتراضيّ ممّا سهّل الوصول إلى المعرفة وسرّع نسق التّواصل الثّقافي، وعوّضت الشّاشة والفأرة الصّغيرة القرطاس والقلم؛ ولكلّ جديد أنصاره دائما، لكن عندما يتعلّق الأمر بالإبداع تصبح الإشكاليّة عميقة.

هل يمكن أن يتحوّل الإبداع الأدبي إلى إبداع افتراضيّ؟ لا تُخفي الملاحظة أنه ثمّة من يروّج للقصيدة الرّقميّة والرّواية الرّقميّة والنصّ الرّقمي، وبهذا المعنى هو نصّ خاصّ يختلف عن النصّ الورقي.


الأدب التفاعلي


كتب المغربيّ سعيد يقطين كتابا عنوانه “النصّ المترابط ومستقبل الثّقافة العربيّة نحو كتابة عربيّة رقميّة” (المركز الثّقافي العربي 2008)، وهو تتمّة لكتاب سابق أصدره المؤلّف عام 2005 وعنوانه “من النصّ إلى النصّ المترابط، من أجل نظريّة للإبداع التّفاعلي”. لقد عرفنا سعيد يقطين باحثا جادا في كتبه المتعلّقة بالسّرديات البنيويّة من نوع تحليل الخطاب الرّوائي. وقد كان في هذه الكتب قارئا محلّلا للنظّريات السّرديّة البنيويّة ومركّزا على أهمّيتها في تحليل النّصوص السّرديّة وفهمها. ولكنّه في كتبه الأخيرة انتقل من الاهتمام بالمناهج النّقديّة الحديثة المتعلّقة خصوصا بدراسة الرّواية والقصّة إلى ما يسمّيه بالكتابة الرّقميّة.

يعتقد يقطين بأننا نوظف الوسيط الرقمي في الإنتاج الثقافي توظيفا لا يتلاءم مع تصوراته الرقمية

في هذين الكتابين يركّز سعيد يقطين على ما يسمّيه بالوسيط الثّقافي الجديد الّذي دخل حياتنا المهنيّة والفكريّة والخاصة أيضا، ويقصد به الحاسوب الّذي تحوّل في عالمنا اليوم إلى وسيط لا يمكن الاستغناء عنه، ولا يقاس تقدّم أيّ بلد في هذا العصر إلّا بإحصاء عدد الحواسيب المنتشرة فيه وعدد الّذين يستعملونها بانتظام. فالأطروحة الأساسيّة في كتابه “من النصّ إلى النصّ المترابط، من أجل نظريّة للإبداع التّفاعلي” تقوم أساسا على تأكيد أهمّية هذا الوسيط الجديد، إذ يخلق أشكالا جديدة للتّواصل لم تكن متوفّرة عن طريق الوسائط التّقليديّة كالكتاب والصّحيفة والوسائل السّمعيّة والبصريّة. إلى حدّ هذه الفكرة تظلّ الأطروحة سليمة ووجيهة.

لكنّ الكاتب يتعدّى هذه الأطروحة ويتجاوزها في كتابه الثّاني “النصّ المترابط ومستقبل الثّقافة العربيّة نحو كتابة عربيّة رقميّة” حيث ينطلق فيه من التّركيز على العلاقة الممكنة بين الحاسوب والأنترنت من ناحية والإنتاج الثّقافي عند العرب من ناحية أخرى. أي بعبارة أخرى يلاحظ المؤلّف أنّنا إلى حدّ هذه اللّحظة لا نحسن توظيف هذا الوسيط الجديد توظيفا ثقافيا مجديا يتلاءم مع إمكانياته التكنولوجيّة الّتي لا تحدّ. فنحن حسب اعتقاده نوظّف هذا الوسيط في المستوى الثّقافي توظيفا لا يتلاءم مع تصوّراته الرّقميّة. وبعبارة أخرى نحن نتعامل معه بعقليّة متخلّفة عندما يتعلّق الأمر بالإنتاج الأدبيّ والنّقدي والفنّي عموما، لأنّ الإنتاج الثّقافي الّذي يتعاطى مع الحواسيب ومع الأنترنت ظلّ ينطلق من خلفيّة ورقيّة إذا ما تعلّق الأمر بالإنتاج الأدبي المتحوّل إلى الوسيط. والحلّ هو ما ورد في أطروحة هذا الكتاب: “البحث عن ملاءمة ما بين استعمالنا للوسيط الجديد في الاستقبال والإنتاج والتّلقّي، وذلك بهدف الارتقاء إلى ممارسة العصر الرّقميّ بكلّ جزئياته وتفاصيله وأن لا يظلّ تعاملنا مع هذا الوسيط هو فقط لاعتباره وسيلة”. ثمّ يحدّد المؤلّف هدف كتابه ويحصره في شيئين متلازمين وهما المعرفة العلميّة والتّكنولوجيا والقاسم المشترك بينهما هو العلم المؤسّس على قاعدة معرفيّة وفلسفيّة.

لا شكّ في وجود أسئلة جوهريّة يطرحها هذا الموضوع الّذي يعالجه سعيد يقطين في كتابيه المذكورين، إذ لا بدّ من تحديد ماهية الأدب الرقمي وماهيّة الكتابة الجديدة الّتي يتحدّث عنها والّتي تتلاءم مع هذا الوسيط الجديد.


أصالة الورقيّ


إنّ الحديث عن الكتابة الرّقميّة وعن دور الوسائط الجديدة في الثّقافة والأدب يظلّ دائما مفيدا. ويندرج عمل سعيد يقطين هنا في التّعريف بهذه المسائل المتعلّقة بالثّقافة الرّقميّة الّتي بدأت تنتشر في الأوساط الثّقافيّة الغربيّة، وهو ما اتّسمت به جلّ الكتب النّقديّة الّتي ألّفها، فهي لا تتجاوز التّعريف بالنّظريّة الحديثة والسّعي إلى تحليل أمثلة تطبيقية في شيء كثير من الاحتشام. لكنّ الإشكال في هذا الكتاب يتمثّل في هذه النّزعة التّبشيريّة الّتي نقرؤها في ثناياه. فالكتابة الرّقميّة بالنّسبة إليه هي كتابة المستقبل، فكأنّ التّأليف الثّقافي في أميركا وأوروبا تحوّل إلى تأليف رقميّ وأضحت الثّقافة فيهما ثقافة رقميّة وظلّ العرب متخلّفين وعليهم الاستعداد للّحاق بركب الحضارة . ثمّ إنّه بطريقة غير مباشرة يئد الثّقافة الورقيّة والكتاب الورقي.

وفي الحقيقة ثمّة أسئلة كثيرة يمكن طرحها للاعتراض على هذه النّزعة التّبشيرية وهذا الحماس غير العادي الّذي يتّسم به تحليل سعيد يقطين في هذا الكتاب. كان بودّنا أن نعلم ما هي النّصوص الأدبيّة الرّقميّة الكبيرة والّتي يمكن أن نعتدّ بها وحوّلت الأدب والنّقد الأدبي والإبداع الثّقافي عموما حتّى تكون علامة إبداعيّة مميّزة للثّقافة الرّقميّة. فإذا كانت الثّقافة الورقيّة الغربيّة تزخر بالنّصوص الإبداعيّة الكبيرة فلا أعتقد أنّ سعيد يقطين سيجيبنا عن هذا السّؤال بدقّة والنّصوص الإبداعيّة الرّقميّة الّتي نعرفها سواء كانت في القصّة أو في الشّعر هي مجرّد محاولات تسعى إلى أن تتفاعل مع التكنولوجيا دون أن تتحوّل إلى نصوص إبداعيّة يعتدّ بها.

لكنّ المسألة الجوهريّة تتعلّق بمفهوم الإبداع. ففي الثّقافة الورقيّة ينبني مفهوم الإبداع أساسا على اللّغة، وثمّة الآن معايير نقديّة واضحة يمكن أن نحتكم إليها لنحدّد درجة كلّ نصّ إبداعيّ في سلّم القيم الإبداعيّة، والسّؤال المطروح، ما هو معيار الإبداع في النصّ الإبداعي الرّقمي سواء كان قصّة أو شعرا، لا شكّ في أن عناصر أخرى لا علاقة لها باللّغة ستتدخّل في الأمر، والسّؤال يظلّ مطروحا.

نقول هذا ونحن نعتقد أّنّ الكتاب الورقي رغم تشاؤم سعيد يقطين ما يزال يؤدّي دوره التّثقيفي والفنّي والإبداعي، ولا يعني أنّ ظهور تكنولوجيات حديثة يؤدّي حتما إلى نفي ثقافة متأصّلة تطوّرت عبر التّاريخ والعصور.

17