سعيّد والإخوان وبينهما السراج

بين التونسيين من يرى أن مصيره مرتبط بأردوغان وسيطرة إخوان ليبيا على الحكم تماما كما رأوا مصلحتهم في تدخل الناتو وتدمير الدولة الليبية واعتقدوا أن مصلحتهم في تدخل مماثل في سوريا.
الاثنين 2020/06/29
شرعية جديدة حل للصراع

يبدو أن حركة النهضة التونسية تحاول القفز على كل الخلافات المعلنة والخفية بينها وبين مؤسسة الرئاسة، بالتركيز على موقفه من حكومة فايز السراج في طرابلس، والتي قال خلال زيارته إلى باريس مؤخرا أن شرعيتها مؤقتة، ويجب أن تحلّ محلها شرعية جديدة تنبع من الشعب الليبي.

أثار موقف سعيّد غضب إخوان ليبيا وتونس والمنطقة ككل، وكأنه القطرة التي أفاضت كأس الجماعة من سلوكيات الرئيس غير القابل لمبدأ الخضوع لتوجهات قيادة حركة النهضة، وخاصة في ما يتعلق بسعي زعيم الحركة راشد الغنوشي ليتقاسم معه من موقعه كرئيس للبرلمان توجيه دفة الدبلوماسية التونسية، لا ننسى أن سعيّد قال بكلمات صريحة أن تونس لها رئيس واحد في الداخل والخارج، ووجد في مناسبات عدة رسائل مشفرة، فهمها الإخوان على أنها تخصهم، تتعلق بالأساس بأنه صاحب الشرعية الانتخابية الأول في البلاد، وأنه يتحمل مسؤولية العلاقات الخارجية والأمن والدفاع ورعاية الدستور، كما انتقد أداء البرلمان والقانون الانتخابي وحتى النظام السياسي القائم على التجاذبات من خلال دستور 2014 الذي تمّ تصميمه على مقاس الإسلام السياسي.

ما كان لتصريح سعيّد حول شرعية حكومة الوفاق أن يثير كل هذا الغضب الإخواني لو جاء قبل التدخل التركي في ليبيا، فالنهضة وحلفاؤها يرون أن المقصود الفعلي هو مشروع أردوغان في المنطقة، والذي جاء بعد اتفاق مشكوك في شرعيته مع فايز السراج، وما يجري حاليا في المنطقة وعلى مستوى العالم، هو محاولة تجييش الرأي العام لدعم تدخل تركي سافر في بلد عربي، ضمن مخطط يعتقد الإخوان في ما بينهم أن هدفه الأساسي هو إرساء مشروع الخلافة السادسة، الذي أثار سخرية التونسيين عندما بشر به القيادي السابق في حركة النهضة حمادي الجبالي، بعد فوز الحركة بالمركز الأول في انتخابات المجلس التشريعي في أكتوبر 2011.

أعتقد أن الرئيس قيس سعيّد كان يقف في صف حكومة الوفاق عندما قال إن شرعيتها مؤقتة، ولم يقل إن شرعيتها منتهية منذ فترة، بل إنها لم تكتسب الشرعية الشعبية ولا الدستورية ولا البرلمانية، وقد تجاوزت بكثير مدة ولايتها المحددة بعام، ومدة العام الإضافي، ولم تحظ بتزكية مجلس النواب، واكتفت بالاعتماد على وزراء مفوضين، وخرقت الاتفاق في ما يتعلق بضرورة موافقة البرلمان على القرارات والتسميات.

وتنص اتفاقية الصخيرات، في المبادئ الحاكمة للاتفاق، على الالتزام بحماية وحدة ليبيا الوطنية والترابية وسيادتها واستقلالها، وسيطرتها التامة على حدودها الدولية، ورفض أي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية الليبية.

وبحسب نص المادة الثالثة الخاصة بتشكيل الحكومة التي تنص على أن “يقدم رئيس مجلس الوزراء، خلال مدة أقصاها شهر من إقرار هذا الاتفاق، قائمة كاملة متوافقا عليها بأعضاء حكومة الوفاق الوطني وبرنامج عملها لمجلس النواب، لاعتمادها بالكامل ومنحها الثقة، واعتماد برنامجها وفقا للإجراءات المقررة قانونا خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام من تاريخ تقديمها إلى المجلس”.

أما المادة الثامنة من الاتفاق فتتضمن من بين بنودها عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب، بينما تقول المادة 13 “يتولى مجلس النواب المنتخب في يونيو 2014 سلطة التشريع للمرحلة الانتقالية، ومنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني وسحبها وفقا لبنود هذا الاتفاق، واعتماد الميزانية العامة، والرقابة على السلطة التنفيذية”.

وماذا سيقول المدافعون عن الشرعية الوهمية لحكومة الوفاق بخصوص البند الثالث الذي ينص على ضرورة إجماع أعضاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق وعددهم تسعة على أيّ قرارات، بينما نرى المجلس الحالي قد فقد أربعة من أعضائه، ولم يبق فيه إلا السراج وممثلو الإخوان والجماعة المقاتلة؟ فهل يمكن مثلا قبول قرارات مصيرية كدعوة تدخل عسكري أجنبي دون نصاب قانوني؟

إن الغنوشي ومن يدورون في فلك مشروع أردوغان، ممن يتهمون القائد العام للجيش المشير خليفة حفتر بأنه انقلابي، لا يعترفون بأن أول انقلاب حقيقي قد قاده الإخوان على نتائج انتخابات 2014 من خلال عملية فجر ليبيا الإرهابية التي أحرقت الزرع والضرع، وطردت الحكومة المنتخبة، قبل تشكيل حكومة بديلة عنها، ما اضطر المجتمع الدولي إلى إبرام اتفاق الصخيرات.

ثم كان الانقلاب الثاني عندما قرر الإخوان وحلفاؤهم المحليون الانشقاق عن مجلس النواب المنتخب، والوقوف وراء حكومة، غير منتخبة وغير مزكاة برلمانيا، اختارت الاحتماء بالميليشيات الإرهابية بدل أن تحمل على حلها، كما نص على ذلك الاتفاق السياسي، قبل أن تستدعي تدخلا أجنبيا بواسطة مرتزقة أجانب، من خلال مذكرة تفاهم وقعها فايز السراج منفردا تنفيذا لأوامر الإخوان وأمراء الحرب بهدف التصدي للجيش الوطني الحاصل على شرعية البرلمان المنتخب.

إن دفاع الإخوان عن الشرعية الزائفة لحكومة السراج ينطلق من مبدأ التضامن الأيديولوجي والتنظيمي والمصلحي، وليس له أسس دستورية ولا قانونية ولا شعبية، وهو ما يدركه قيس سعيّد الذي يبدو أنه مطلع على حقيقة ما يدور في الساحة الليبية وخاصة من خلال الفعاليات الاجتماعية التي ترفض في أغلبها حكومة السراج ومشروع الإخوان والتدخل التركي، بل وترى أن الغرب الليبي يعيش حاليا في ظل دكتاتورية حكومة غير معتمدة، وميليشيات منفلتة، ومرتزقة وافدين.

وسعيّد عندما تحدث عن شرعية الوفاق، تحدث بلغة أستاذ القانون الدستوري، ولكن قبل ذلك بلغة السياسي غير المناور، والذي لا يعمل على تزييف الوقائع وتزوير الحقائق لحسابات بعينها، وهو من موقعه كرئيس لمجلس الأمن القومي لديه كل المعطيات عما يدور في غرب ليبيا المتاخم لحدود بلاده، من واقع مؤسف لا يدل عن وجود حكومة شرعية فاعلة، وقادرة على حماية شعبها.

أساس القضية أن هناك من التونسيين من يرون أن مصيرهم مرتبط بسطوة أردوغان وسيطرة إخوان ليبيا على الحكم، تماما كما رأوا مصلحتهم عام 2011 في تدخل الناتو وتدمير الدولة الليبية، وكما اعتقدوا أن مصلحتهم في تدخل عسكري مماثل في سوريا، ويرون أن مصلحتهم في أن تنهار مصر وتعم الفوضى في أي بلد لا يخضع لحكم الإخوان أو لا يضع يده في يد أردوغان.

9