سعيّد يكتّف النهضة بحبل دستورها المفخخ

الحبل اليوم بيد قيس سعيد وهو الدستور الذي عرفت النهضة كيف تفخخه من منطلق ظنها أنها ستكون المكلفة بتأويله لكن مكر التاريخ جعله اليوم بيد رجل يعرف كيف يلاعبها به.
الأربعاء 2021/04/07
"من أعطاك حبلا كتّفه به"

قبل أن يذهب في ظنه، وفي ظن الأغلبية الساحقة من التونسيين أنه سيكون رئيسا للدولة، تحدث قيس سعيد بصفته خبيرا في القانون الدستوري عن المحكمة الدستورية فقال إن “المشهد السياسي في البلاد سيجعلها أقرب إلى لعبة ورق. بحيث ستؤلف المحكمة من 12 قاضيا، يعين 4 من قبل مجلس النواب، 4 من قبل المجلس الأعلى للقضاء، و4 من قبل رئيس الجمهورية. ما يجعل هيئة المحكمة الدستورية في الظاهر قضائية، ولكن من سيجلس على أرائك القضاة سيتحكم بهم رجال السياسة واللعبة السياسية. وعندما ستدخل السياسة قصور العدالة، تغادر العدالة هذه القصور. ستكون المحكمة الدستورية تعبيراً عن التوازنات السياسية في البلاد، سيحددها رئيس الجمهورية في النهاية، حيث سيتم انتخاب الأعضاء من مجلس النواب وبعدها المجلس الأعلى للقضاء وبعدها سيعين رئيس الجمهورية الباقي متخذاً التوازن السياسي بعين الاعتبار. في حين يجب على المحكمة أن يحكمها القانون وليس اللعبة السياسية”.

الموقف كان واضحا منذ البداية، فالرئيس الذي لم يذهب في حياته إلى صندوق الاقتراع إلا يوم كان مرشحا للرئاسة، كان يتابع مكر السياسيين لمرحلة ما بعد يناير 2011، وكان يدرك جيدا ألاعيب الأحزاب، وعلى رأسها حركة النهضة، لاسيما في ما يتعلق بسعيها للتمكن من مفاصل الدولة عبر الدستور المثير للجدل الذي تورط فيه الجميع بما في ذلك مدونوه ومشرعوه ومن صفقوا له في يناير 2014، واعتبروه أحسن دستور في العالم، والذي كان لا بد من محكمة دستورية تُشكّل وفق المقاس لتأويل نصوصه حسب مصالح القوى التي كانت وراء توجيه مساراته المفخخة بألغام قابلة للتفجرّ في أي وقت، كان سعيد من أول المنبهين إليها وهو أستاذ  للقانون الدستوري، ثم أول من يستعملها في مواجهة من تعمدوا وضعها وهو رئيس للدولة.

مر أكثر من ست سنوات على التصديق على الدستور، ولم تتشكل المحكمة الدستورية لأسباب تتعلق بالتجاذبات السياسية والحزبية داخل البرلمان وخارجه، وكان بيّنا أن حركة النهضة كانت تعمل على تشكيل المحكمة وفق مصالحها، وهو ما جعلها في خلاف حتى مع حلفائها السابقين في عهد الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي.

وكأي حركة إسلامية كانت النهضة تراهن على عنصر الزمن، وعلى النزعة الاختراقية للأطراف الأخرى، سواء كانت حليفة أو مضادّة لمشروعها، إلى أن جاء الرئيس سعيد الذي دخلت معه في صراع، ليس على أساس عقائدي، وإنما نتيجة التنافس على السلطة، فراشد الغنوشي الذي ترشح لعضوية البرلمان ليكون رئيسه، اتجه إلى المنازعة على صلاحيات رئيس الجمهورية، خاصة في العلاقات الخارجية، وفيما كان سعيّد يحاول تكريس حكومة موالية له، أطاحت النهضة بحكومته الأولى برئاسة إلياس الفخفاخ، وهيمنت على حكومته الثانية برئاسة هشام المشيشي، وضغطت صحبة حلفائها على إفراغها من الوزراء المحسوبين على قصر قرطاج.

وعندما رفض سعيد استقبال الوزراء المعتمدين من قبل البرلمان في السادس والعشرين من يناير الماضي لأداء اليمين الدستورية أمامه، معتمدا على قراءته للدستور، تم التفطن إلى ضرورة إرساء محكمة دستورية تنازعه ما يحتكم عليه اليوم من صلاحية تأويل الدستور، ووصل البعض إلى الدعوة علنا إلى التخطيط لعزل الرئيس من منصبه، لكن دعوة كهذه تصطدم بأن شيئا من هذا القبيل لا يمكن أن يتحقق في غياب المحكمة الدستورية.

على عجل، تم إدخال تعديلات على قانون المحكمة الدستورية، وكان الأمل أن يتم انتخاب أعضائها الثلاثة المتبقين من كوتة البرلمان في الثامن من أبريل الجاري، ووجهت التعديلات إلى الرئيس ليصدق عليها، فردها إلى المؤسسة التشريعية، معتمدا على الدستور الذي نص في فصله 148 على أن إرساء المحكمة يكون في أجل أقصاه سنة من تاريخ الانتخابات التشريعية 2014، وهذا الشرط غير متوفر حاليا، ويحتاج إلى أمر من ثلاثة فإما تعديل الدستور، وهذا غير وارد في غياب المحكمة الدستورية، وإما التسريع بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها، وهذا ما لا تريده النهضة وحلفاؤها، وإما بقاء الوضع على ما هو عليه، وهو أسوأ الخيارات على الإطلاق مع تنامي الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

في رسالته إلى الغنوشي، أوضح سعيد أن البرلمان وضع نفسه في موقف دستوري مستحيل. والأخطر من ذلك أن الرئيس التونسي قرأ الوضع على أن هناك خيوطا غير بريئة تحاك للضغط عليه وربما لعزله، من خلال العمل على تسييس المحكمة الدستورية والتلاعب بتشكيلتها وفق نزعات حزبية لا علاقة لها بعلوية الدستور أو القانون. وهذا جزء من واقع الديمقراطية التونسية البائسة التي يتم تفصيلها على مقاس المحاصصات والتحالفات والحسابات الضيقة للأطراف السياسية وعلى رأسها حركة النهضة التي لا تزال تتحرك بمنطق الاختراق والتمكين والسيطرة من داخل المؤسسات السيادية وفق حسابات مرتبطة بمشروعها التنظيمي العقائدي لا بالمصلحة الوطنية والصالح العام.

موقف سعيد كان ذا بعدين، الأول دستوري وقد فسّره وأكد عليه بعدم علمية التنقيحات. والثاني سياسي وأخلاقي، أكد على أنه “غير بريء”، متسائلا “كيف لمن هو مطالب أمام القضاء وفار من العدالة، بل كيف للراشي والمدان والمتعدي أن يطالب بمحكمة ينتصر إليها في الظاهر ويعمل على التسلل إليها في الخفاء”. وهو بذلك يجابه النهضة وحلفاءها بما يرفضون الاعتراف به من محاولات الاستقواء بالبرلمان والدستور والقانون والمحكمة الدستورية لتصفية الحسابات، ويوجه اتهامات مباشرة للقوى البرلمانية والحزبية الواقفة وراء التنقيحات بأنها غير مؤتمنة على إرساء محكمة يفترض أنها أعلى سلطة قضائية في البلاد وتختص بالفصل بين السلطات وتفسير النصوص الدستورية، لاسيما وأن الدستور التونسي قابل للكثير من التأويلات، بدءا من فصله الأول الذي ينص على أن “تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها” وهو منقول بحذافيره عن دستور 1959، وكان  يفسّر في اتجاه أن الإسلام دين الدولة، عندما كانت الدولة الوطنية تتبنى مشروعا مدنيا، لكن الإسلاميين يجنحون نحو تفسيره بأن المقصود هو أن الإسلام دين المجتمع، وهو ما يمهد الطريق لقيام الدولة الدينية.

وفي العام 2018، تطرق سعيد في مقابلة صحافية إلى الفصل السادس الذي قال إنه “يختزل جميع التناقضات ويؤكد على البراغماتية. حيث ينص على أن الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التوظيف الحزبي. تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدّسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها، وأنا هنا أتحدى أي محكمة دستورية في العالم أن تطبق مثل هذا الفصل. على ما يلي نستنتج أن عملية إقرار الدستور هي عملية لا يمكن إلا وصفها بالبراغماتية. تم إقرار الدستور بالتناصف إن صح التعبير. بمعنى تريد فصلا، أعطني في المقابل فصلا، تريد حكما أعطني في المقابل حكما”.

وموقف سعيد يتخذ بعدا إضافيا، عندما ندرك أن النهضة تصر على إدماج رجلي دين من أساتذة الزيتونة المعروفين بتشددهما العقائدي في المحكمة الدستورية، بما يعنى أن المواجهة ستكون في اتجاه الجنوح بالدستور نحو قراءته الدينية التي أرجأها الإخوان إلى حين، ويعتقد أن موعدها قد حان.

يقول المثل الشعبي التونسي “من أعطاك حبلا كتّفه به”. والحبل اليوم بيد قيس سعيد، وهو الدستور الذي عرفت النهضة كيف تفخخه جيدا من منطلق ظنها أنها ستكون المكلفة بتأويله وتطبيق أحكامه، لكن مكر التاريخ والسياسة، جعله اليوم بيد رجل يعرف كيف يلاعبها به، ويقطع أمامها طريق الاستفادة من فخاخه الكثيرة.

9