سعي الأسر الجزائرية للخروج السهل من أزماتها يوقعها في براثن الاحتيال

تعاني الأسر الجزائرية صعوبات اقتصادية حادة، بسبب تنامي مستوى البطالة وارتفاع أسعار المواد غير المدعمة وتناقص نسبة استيرادها واختفاء السلع الكمالية من السوق، على غرار الفواكه والحلوى والعصائر والملابس، مما دفع بالبعض إلى البحث عن وسائل سهلة تحقق أرباحا مالية، إلا أنهم وقعوا فريسة التحيل والنصب.
الجمعة 2016/02/19
الفقر يغير الطبع

الجزائر - يستغل البعض بساطة الناس ويختفون تحت هالة الكرم والخير والتدين و حب مساعدة الفقراء والمعوزين، والتبرع للجمعيات الخيرية، من أجل اكتساب ثقة أناس تختلف غاياتهم بين الطمع في كسب المزيد من المال أو السعي للخروج من ظروف عائلية تحوطها الخصاصة، وخير مثال على ذلك صاحب إمبراطورية “الوعد الصادق” في التجارة والأعمال الذي أحاطه السذج من الجزائريين بالأساطير والقصص الخرافية، لتبرير تجارته الغريبة والكذب على أنفسهم وعلى الناس، بصواب نظريته إلى أن “ذاب الثلج وظهر المرج”، وتأكد أن “صالح مولاي”، ما هو إلا محتال ضحك على أربعة آلاف ضحية وفي رقبته 300 مليون دولار من الديون.

ورغم الشكوك والغموض اللذين كانا يلفان شركة “الوعد الصادق” للمال والأعمال، إلا أن صاحبها، صالح مولاي، استمر في نهب مدخرات البسطاء والسذج منذ ثلاث سنوات، إلى أن وصل نشاطه إلى الإفلاس التام، مما اضطره إلى الاختفاء عن الأنظار تحت ضغط الضحايا المطالبين باسترداد ممتلكاتهم التي باعوها إياه.

ويعود ظهور شركة “الوعد الصادق” في التجارة والأعمال إلى العام 2013، في بلدة “سور الغزلان” بمحافظة البويرة، لصاحبها صالح مولاي، الذي تحول من أستاذ رياضيات وصاحب متجر لبيع السميد، إلى صاحب إمبراطورية مالية نافست خزينة الدولة في دعم المواد الاستهلاكية، حيث بدأ نشاطه ببيع وشراء السيارات، ثم توسع ليشمل أي شيء (عقار، معادن ثمينة، مواش، مواد غذائية..). واستطاعت الشركة في ظرف قياسي استقطاب اهتمام عشرات الآلاف من الجزائريين ومن مختلف المحافظات، نظير المغريات التي تقدمها للزبائن، فقاعدتها شراء البضائع بأسعار مرتفعة عن السوق، وتبيعها بأسعار منخفضة وبفارق لافت، على أن يقبض صاحب البضاعة أمواله بعد مهلة 15 يوما، مقابل استلام وصل يظهر تعريف البضاعة ويوم التسليم وموعد قبض المقابل.

استطاعت الشركة في ظرف قياسي استقطاب اهتمام عشرات الآلاف من الجزائريين ومن مختلف المحافظات

وتمكنت “الوعد الصادق” من استقطاب الزبائن بالآلاف من مختلف محافظات الجزائر، وحولت المدينة إلى خلية نحل تعج يوميا بالزوار من كل جهات الجمهورية، مما ساهم في تطور النشاط التجاري بشكل عام في المدينة، ولم يعد للبطالة مكان في “سور الغزلان”، وكان من زبائن صالح مولاي كوادر وإطارات في الإدارات والقضاء والأمن، وحتى إحدى أكبر شركات استيراد السيارات في الجزائر.

إلا أنه ومع بداية المتاعب المالية للشركة في أشهرها الأخيرة قبل الإفلاس، وتنامي ضغط الزبائن لقبض مستحقاتهم، عمد صالح مولاي في بداية الأمر إلى تمديد آجال الوفاء بالديون من 15 يوما إلى 30 يوما ثم إلى 50 يوما، ثم حاول التحجج بمتاعب السيولة المالية فقط، ثم اختفى عن الأنظار، وصار يخاطب ضحاياه عبر تسجيلات بثها على شبكة اليوتيوب، قبل أن يأخذ الملف طريقه إلى القضاء وتصدر تسعة عشر أمرا بالتوقيف في حقه، ثم يلقى عليه القبض مطلع شهر نوفمبر الماضي بالعاصمة، من طرف قوات الأمن ويحال على المحاكمة.

وصرح أحد الضحايا لـ “العرب” قائلا “أدين للوعد الصادق 45 ألف دولار، لكنني لست متأكدا من استرجاع أموالي، لقد بعته ثلاث سيارات ولم يبق لي شيء، بعدما رأيته يتحدث لإحدى القنوات التلفزيونية الخاصة”، في إشارة إلى ترويج بعض وسائل الإعلام المحلية للنشاط المشبوه، البعيد عن مهمتها ودورها في المجتمع.

وأضاف متسائلا “يجب أن نعترف بأن الطمع يفسد الطبع، وإلا كيف ينساق الآلاف لمثل هذه الخدع وأنا واحد منهم، لكن أين كانت السلطات المختصة طيلة كل هذه السنوات، ولماذا لم تلعب دورها في حماية المجتمع، هي الأخرى تتحمل المسؤولية في هذه الفضيحة التي تضاهي فضيحة امبراطورية الخليفة، فصمتها شجع الناس على التعامل مع هذا المحتال”.

بعض (المغامرين) يحاولون استنساخ تجربة صالح مولاي في مشروعات مماثلة، حيث يظهر من حين إلى آخر نصابون آخرون في مدن مختلفة، بنفس النوع والممارسات

وذكر أحد المتعاطفين مع صاحب “الوعد الصادق”، “صالح مولاي يبلغ من العمر 47 عاما، أصيل حي شعبي ببلدة سور الغزلان، كان صاحب مستودع لبيع الدقيق والعجائن ومخبزة، معروف بتواضعه وبشاشته وسهل المعاملة، ويمتاز بأخلاق حميدة، فإذا وعد وفى وإذا تكلم صدق، ولا يفوت الفرصة لتقديم مساعداته للمحتاجين والفقراء والأيتام والأرامل، في المناسبات الدينية كرمضان وعيدي الفطر والأضحى وعاشوراء ومحرم، أو في سائر أيام السنة، وعادة ما يكون من الأوائل في حفلات الزواج والختان لتقديم واجب التهنئة والإكراميات، كما يكون في العادة من الأوائل المعزين في المآتم لتقديم واجب العزاء والتكفل بعائلة الفقيد”. لكن المتحدث لم يشر إن كان ذلك من قبيل الشخصية الحقيقية، أم كان مظهرا سطحيا لتمويه الضحايا والضحك على الناس باسم الدين.

ويواجه صاحب “الوعد الصادق” تهما ثقيلة، يأتي على رأسها تكوين جمعية أشرار للنصب والاحتيال والتهرب الضريبي. وقدرت مصادر على صلة بالملف عدد ضحاياه بأربعة آلاف ضحية من مختلف محافظات البلاد، منهم من توفي تحت الصدمة أو أصيب بأمراض مزمنة بعدما تركه صالح مولاي على “الحديدة”.

ورغم أضرار الصدمة النفسية والصحية والخسائر المالية لضحايا عملية النصب، بعد الإفلاس الذي ضرب الآلاف من الزبائن، فإن مصادر محلية ذكرت لـ”العرب”، أن بعض “المغامرين” يحاولون استنساخ تجربة صالح مولاي في مشروعات مماثلة، حيث يظهر من حين إلى آخر نصابون آخرون في مدن مختلفة، بنفس النوع والممارسات.

يشار إلى أن تقريرا حديثا صادرا عن البنك الدولي كشف أن عدد الفقراء في الجزائر ارتفع خلال عام 2015 إلى تسعة ملايين شخص، بعد أن كان ثمانية ملايين عام 2014، لافتا إلى أن 20 بالمئة من هؤلاء الفقراء ينفقون أقل من أربعة دولارات يوميا‫.

وأكد التقرير وجود أكثر من 193 ألف عائلة فقيرة في الجزائر خلال عام 2015، بعد أن كان العدد نحو 162 ألفا عام ‫2014، وأضاف أن الجزائريين ينفقون 44 بالمئة من ميزانياتهم السنوية على تلبية حاجياتهم الغذائية‫.

21