سعي رسمي تركي لإرجاع المرأة إلى زمن الحرملك

في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات المؤمنين بأن النظم الديمقراطية تقوم على المساواة بين المرأة والرجل ويزداد فيه الوعي في جميع دول العالم بضرورة النهوض بالمرأة وتحسين أوضاعها لتكون شريكا فاعلا في تحقيق ارتقاء المجتمعات، تجد المرأة التركية نفسها تتراجع نحو عصر الحريم في دولة تدعي بأنها ديمقراطية. لكن واقعها يثبت بأن سياسات الحزب الإسلامي الحاكم تتجه نحو الحد من مكاسب وحقوق المرأة وهو ما كشفته تقارير دولية أظهرت بالأرقام تراجع المساواة بين الجنسين في تركيا لصالح الرجل وفي جميع مناحي الحياة.
الأربعاء 2015/11/25
إقصاء النساء في تركيا من الشأن العام يدفعهن إلى الاحتجاج

دافوس (سويسرا) - أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس) تقريره الجديد للعام الجاري حول الفجوة بين الجنسين ليكشف تقدم بعض الدول وتأخر البعض الآخر في تحقيق هدف المساواة بين المرأة والرجل. وجاءت تركيا في المرتبة 130 من بين 145 دولة في المساواة بين الرجل والمرأة. مسجلة بذلك تراجعا في تصنيف هذا العام بعد العديد من الدول كالبحرين التي احتلت المرتبة 123 وأذربيجان التي احتلت المرتبة 96 وأرمينيا التي احتلت المرتبة 105 وغانا التي احتلت المرتبة 63.

وتم تصنيف الدول في التقرير وفقا لعوامل عديدة كمتوسط أعمار الرجال والنساء وأماكن العمل وعدد الرجال والنساء في البرلمانات، وكشف التقرير حقيقة وضع المرأة التركية في دولة تدعي أنها تضمن حقوق مواطنيها على حد السواء حيث تتولى 13 عن كل 100 امرأة منصبا بارزا في الدولة، لتحتل تركيا في هذا المجال المرتبة 109 بينما تتصدر الفلبين التصنيف بـ57 امرأة عن كل 100 في المناصب البارزة. وتراجعت تركيا في هذا التصنيف أمام دول مثل إيران التي يصل فيها هذا المعدل إلى 15 عن كل 100 امرأة والكويت بمعدل 14 عن كل 100 امرأة.

واحتلت تركيا المرتبة 103 من بين 125 دولة تمارس فيها النساء أنشطة مؤثرة في حياتهن العملية، ففي تركيا 37 عن كل 100 امرأة يمتهن مهنة ما. وتصدرت بيلاروسيا التصنيف في هذا المجال بمعدل 73 عن كل 100 امرأة.

أما في ما يخص مشاركة المرأة في الحياة السياسية وتمثيليتها في البرلمانات فإن وضع التركيات لا يقل سوءا عن بقية المجالات الاقتصادية حيث احتلت تركيا في هذا التصنيف المرتبة 83 من بين 140 دولة إذ يبلغ عدد النائبات التركيات في البرلمان 18 نائبا من كل 100 نائب.

وتصدرت رواندا هذا التصنيف بمعدل 64 نائبا من بين كل 100 نائب بينما احتلت بورندي المرتبة 36 بعد تشكيل المرأة نسبة 36 بالمئة من البرلمان واحتلت كمبوديا المرتبة 75 بعد تشكيل المرأة نسبة 20 بالمئة من البرلمان.

أما في المناصب الوزارية فمنذ سنوات لا تتولى النساء التركيات إلا منصب وزير العائلة والشؤون الاجتماعية ليتم إقصاؤها من بقية الحقائب الوزارية ذات الطابع السياسي أو الاقتصادي أو العسكري ولذلك احتلت تركيا المركز 139 في تصنيف توزيع النساء في التشكيل الوزاري بعدما شكلت النساء فيها نسبة 4 بالمئة فقط من المجلس الوزراي في حين تصدرت فنلندا التصنيف بعدما شكلت النساء فيها نسبة 63 بالمئة من المجلس الوزراي.

130 المرتبة التي تحصلت عليها تركيا من بين 145 دولة في المساواة بين الرجل والمرأة

ولا يعد هذا التأخر في المراتب في قائمات تشريك النساء في الحياة السياسية والاقتصادية مفاجئا خاصة بعد صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي المحافظ للحكم في تركيا منذ عام 2002، حيث باتت مكاسب المرأة في دولة كانت تتصف بالعلمانية مهددة بالتراجع تحت وطأة التوجه الإسلامي للحزب الأقوى في الدولة وعلى رأسه رئيس الدولة رجب طيب أردوغان الذي سبق وأن أكد صراحة عندما كان رئيسا للوزراء وأمام حشد كبير من النساء خلال قمة حول العدالة والنساء أن لا مساواة بين الرجل والمرأة قائلا “ديننا (الإسلام) حدد دور النساء (في المجتمع) بالأمومة”.

وهو تأكيد علني من الرئيس التركي على أنه شخص إسلامي محافظ يرتدي زيا عصريا لا غير وقد انتقد دون مواربة وبصراحة المدافعات عن حقوق النساء، متهما إياهن بالوقوف ضد الأمومة. مشيرا إلى أن “البعض يتفهم ذلك والبعض الآخر لا… لا يمكنكم تفسير هذا الأمر للمدافعات عن حقوق المرأة لأنهن لا يقبلن حتى فكرة الأمومة”.

وقد أوضح رؤيته لمسألة المساواة بين الجنسين بشكل دقيق حيث صرح أنه لا يمكن معاملة الرجل والمرأة بالطريقة نفسها “لأن ذلك ضد الطبيعة البشرية… طباعهن وعاداتهن وأجسادهن مختلفة (…) لا يمكنكم وضع امرأة ترضع طفلها ورجل على قدم المساواة.. لا يمكنكم أن تطلبوا من امرأة أن تقوم بكل أنواع العمل الذي يقوم به رجل كما كان الحال في الأنظمة الشيوعية.. لا يمكنكم أن تطلبوا منهن الخروج وفلاحة الأرض هذا يخالف طبيعة المرأة الضعيفة”.

القراءة البسيطة والفهم الأولي لهذا الخطاب الذي قدمه أردوغان يؤكدان أن المرأة التركية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتمتع أو تطالب بحقوقها في المساواة مع الرجل في جميع المجالات خاصة في ظل حكم حزب العدالة والتنمية وتحت رئاسة أردوغان للدولة، فقد اختزلها رئيس البلاد في دور الأمومة، واعتبر أن وجودها في غير هذا الدور في المجتمع التركي يعد مخالفة للطبيعة البشرية وللدين الإسلامي. هذا الحد من حقوق المرأة لا يمكن إلا أن يكون إحدى المراحل نحو السعي لأسلمة المجتمع التركي ولا يمكن أن يشجع أو يدعم حقوق النساء ولا المدافعات عنها.

هذا الرأي المعلن صراحة لأردوغان الذي كان رئيسا للوزراء في تركيا مدة 11 عاما قبل انتخابه في شهر أغسطس رئيسا للبلاد، لا يمكن أن يحمل أملا في تحقيق المساواة بين المواطنين والمواطنات في تركيا. وهو الرأي نفسه الذي يجعل أردوغان والحزب الحاكم في مرمى الانتقاد -الذي يجد مبرراته انطلاقا من الواقع الملموس– سواء من معارضيه أو من المؤمنين بأن مبدأ المساواة بين الجميع، ودون اعتبار الجنس، ركن أساسي في النظام الديمقراطي. وهو ما يدفعهم للقول بأن الحكومة التركية تسعى بشتى الطرق إلى أسلمة المجتمع التركي دون مراعاة لما تحقق تاريخيا من مكاسب وحريات وحقوق للمرأة عبر تهميشها وحصرها في الدور الأسري.

12