سعي غير مشكور

للسماء فردوسا واحدا، يتوسّله مؤمنو الأرض من كل دين. وفي ثقافة كل دين، ينفتح الباب إلى السماء، عبر طريقين: عبادات وطاعات تذلّل درب الصعود إليها، ومعاملات على الأرض قوامها التقوى والعمل، وصولا إلى المرتجى السماوي.
الأحد 2019/09/01
تفجير انتحاري في غزة يستهدف الشرطة

في واقعة الانتحار، التي شهدتها غزة قبل أيام؛ بدا أن منفذيها، إسلاميون يتوسلون طريقهم إلى ما يظنّون أنه فردوس الأرض الذي يزهو به فردوس السماء. فهؤلاء لم يحقنوا دم إخوتهم، تحاشيا لحُرمته، أو اعتبارا لكون الضحايا، من جُند القوة التي أوجدت نفسها بالقوة، كصاحبة مشروع إسلامي، للمقاومة والحياة والحُكم!

أصول مرجعيات القاتل هي نفسها أصول ضحاياه، ما خلا بعض التأويلات والشروحات التي تتعلق بــ”تكتيكات” ومسالك الوصول إلى الفردوس نفسه. لكن الخلفيات الكامنة وراء كل منتحر، أي تلك التي زجّت به إلى الحريق، رأت أن قتيلها شهيد قضى على طريق فردوسها في سعي غير مشكور، بينما تؤكّد أوساط الضحايا أن ما حدث جريمة قتل، طالت أرواح جُند يحرسون ثغرا على الطريق إلى الفردوس، وبالتالي هم شهداء. وهذا القول الأخير، يصحّ تقبّله، بمعايير الحياة المُعتدى عليها وبمنطق الشريعة في الحكم على القتل!

إن للسماء فردوسا واحدا، يتوسّله مؤمنو الأرض من كل دين. وفي ثقافة كل دين، ينفتح الباب إلى السماء، عبر طريقين: عبادات وطاعات تذلّل درب الصعود إليها، ومعاملات على الأرض قوامها التقوى والعمل، وصولا إلى المرتجى السماوي.

في واقعة نحر النفس مع نحر الآخر، كنا بصدد طرفين من جذر واحد، يفترض أنهما يسعيان إلى فردوس واحد. هذه عيّنة من أهل السُنة الذين تفرّعت شروحاتهم وتخاصمت، وتناسلت فرقها و”كتائبها” المعاصرة وتذابحت. ولأهل الشيعة عيّنات أخرى، من جذر واحد، تفرّعت من عند مفترقات، توالت فصولا بعد موت إمام أو رجل من “أهل البيت”. شيعة تُفارق أخرى، ولكل فرع فقهه وطبائع عباداته، على طريق الفردوس الأعلى!

لا موجب لمنازعة الناس في ما يعتقدون. وليس هناك قول أصوب مما قيل شعرا، منسوبا عند البعض، مرة إلى الإمام علي، رضي الله عنه، ومرة -عند آخرين- للشاعر أبي العتاهية، أرضاه الله: أما والله إن الظلم شؤم/ ولا زال المُسيءُ هو الظلوم/ إلى الدّيّان يوم الدين نمضي/ وعند الله تجتمع الخصوم!

العجيب في تاريخ المسلمين، أن فترة سطوع شمس العرب على العالم، في العلوم والحكمة (القرن العاشر) كانت هي الفترة التي ظهر فيها ملحدون علماء، حاورهم مؤمنون فقهاء. الأوّلون كان منهم أبوبكر الرازي معلم الدنيا في الطب وغير الطب، وأبوالحسن الراوندي، الشيعي صاحب كتاب “الإمامة” المتحوّل إلى الإلحاد، وجاء بعدهم الشاعر الفيلسوف أبوالعلاء المعري وكثيرون من بين القُرّاء والفرق. احتمل الناس بعضهم بعضا، في سعي مشكور، فسطعت شمسهم!

24