سفر

الجمعة 2017/12/08

مذ بضعة أيام قرأت ما يُراد به نشر الطمأنينة في النفوس الحالمة “إن كنت من هؤلاء الذين لا يكفون عن النظر إلى السماء الليلية والتأمل فيما قد تكتنزه من أسرار دامغة، فأنت من دون شك، من النوع الذي يوّد أن يصعد على متن سفينة فضائية للذهاب إلى هناك، إلى غموض اللامحدود، لا تقلق ولا تخف، أنت لست وحيدا ومثلك كُثر في هذا الزمن”.

بشكل عام، يحمل هذا الكلام الكثير من المصداقية، لكن بالنسبة لي، أنا لا أخاف من نظراتي المعلقة في السماء الليلية، صيفا وشتاء، بل أخاف المغامرات التي تحتاج المغادرة الجسدية لكوكب الأرض في رحلة استكشافية، ربما لأنني أخاف مصادفة مخلوقات مخيفة وغير ودية كتلك التي نراها في أفلام الخيال العلمي، لذلك أنا من صنف البشر الذين يعتبرون العلم الملفوح بنار الفن الكاشفة مرسلي الوحيد إلى الفضاء الخارجي، ذهابا وإيابا.

والإياب في هذه الحالة بأهمية الذهاب، لأنني أخاف إن أطلت المكوث في الفضاء، دون رقيب وحسيب، أن أبقى هناك فيشتاق لي الآخرون، وأعدّ من القوم المجانين.

ثمة فن يطلق عليه بـ”فن الفضاء”، هو ربما من أجمل ما يكون الفن، ويلقى رواجا متعاظما يوما بعد يوم، ولا يخفى على أحد أن الخيال في الأدب والشعر والفن لطالما كان محرضا على اكتشافات واختراعات أو مؤسسا لها، وهو خيال مرتبط ارتباطا وثيقا بالهواجس البشرية المشتركة، لذلك فالفنانون الذين ينتمون إلى هذا النوع من الفن بشكل خاص، منهمكون بتصوير معالم كونية غرائبية لم يروها، بل تخيلوها.

قد لا يعود انتشار هذا النوع من الفن إلى الاشمئزاز من شؤون الأرض وشجونها بقدر ما يدل على تلاق عظيم ما بين الفن والعلم، لا بل ما بين العلم والإيمان، فكلما توسعت معرفة العلماء للكون كلما أدركوا حجم ما يجهلونه عن روعة ما يشاهدون ويختبرون، وكلما ازداد سعيهم وراء الحقائق الملحة التي شغلت ذهن البشرية منذ لحظاتها الأولى، كلما اقتربوا من فكرة وجود مهندس أكبر برمج الكون وشيّد أدق دقائقه.

وفي هذا السياق، من أهم ما أقيم من معارض عالمية هو المعرض التجهيزي التفاعلي الذي أقيم السنة السابقة في طوكيو، وحمل اسم “العالم المستقبلي: لقاء العلم بالفن”، وليس هذا المعرض أول معرض يسلط الضوء على هذا التلاقي ما بين العلم والفن والتقنيات الديجيتالية الحديثة، ولكنه قد يكون أجمل وأشمل وأهم ما قدم حتى اليوم، لا سيما أن من خلاله استطاع الزائر أن يتأكد من قدرة التكنولوجيا المتطورة على أن تكون في خدمة البشر، وأن تؤكد التلاقي حول أهمية الحياة والتوازن ما بين عناصر الوجود، مع إطلالة مشرقة إنسانية على معظم اختراعات واكتشافات العصر.

تألف هذا المعرض من جزأين؛ جزء عن الحياة الأرضية بنباتها وحيواناتها وفصولها الأربعة، وجزء عن الفضاء وما ضم من عناصر وحوادث وصل إلى اكتشافها علم الفلك والرياضيات، أطلق على هذا القسم من المعرض اسم “الفضاء الكريستالي”، وهو فعلا يشبه تجربة كريستالية لم يغب عنها غموض الأسود وأسراره.

ويسير الزائر في كلا الجزأين كعنصر فاعل ومؤثر في عالم لا محدود تتشكل فيه الرؤيا ديجيتاليا بهيئات شعرية تخطف الذهن إلى ما هو أبعد من محدودية الأرض وجنون القتل والاستغلال وحب التملك المنتشرة فيها.

ولعل ما يقدمه هذا المعرض من تجربة افتراضية يتناسب مع خوفي من السفر إلى الفضاء الخارجي وشغفي في التحوّل إليه في آن واحد، ولعل هذا الشغف بأسود الفضاء المرصع بالكائنات مردّه إلى ما عبّر عنه يوما الفنان التشكيلي فينسنت فان غوخ، حين قال “التأمل في النجوم والكون يجعلني، رغم كل شيء، أرى الحياة جميلة وتستحق العيش”.

ناقدة لبنانية

17