سفر التيه بعد السفر وأدبه

الثلاثاء 2015/09/15

ما الذي يحمل المرء على حشر حياته في حقيبة صغيرة، تاركا جل تفاصيلها خلفه.. ثم السفر؟

ليس السفر بمعناه المترف والتقليدي الذي نعرفه ونمارسه: أن تدخل طائرة إلى مدينة ما وتحط بعد ساعات في أخرى. ليس هذا السفر المرغوب والمشتهى. بل سفر التيه هو المقصود، سفر اللحاق بالمجهول، سفر بلا مواعيد محددة وبلا أسماء أو عناوين معروفة سلفا، سفر البحث عن مكان، هو في الوقت عينه: اللامكان.

اللامكان، هو العنوان اليتيم في جعبة من يسافر على ذلك النحو السديمي والمرهون، على اختلاف التصورات وأكثرها وردية بأعباء الطريق، وما قد تجيء به من مفاجآت ليست وردية هي الأخرى. فما تحمله المسافة بين المكان المتروك على عجل، وذاك المنشود.

المتخيل في لا وعي المسافر، هو الأجدر بتوتير حواسه كلها، ودفعها في اتجاه التفتيش عن سبل ممكنة للخلاص من جحيم غير منتظر، ولا هو بالعادي: حراس الحدود، طوق الأسلاك الشائكة الفاصلة بين أمكنة وأخرى تجاورها، إلى جانب ثلة من باعة الأوهام وتجار الحيوات والأحلام، أولئك الذين اختاروا واحدة من أكثر المهن بشاعة وقدرة على ابتزاز الجوهر الأصيل في الآدمي: تعلقه الفطري بأسباب البقاء.

إلى اللامكان يذهب المسافر/ الهارب. إلى حيث لا يعرف اسم المدينة التي قد تصير مدينته القادمة. ولا اسم البلاد التي قد يدخل بداية إليها وتمنحه حق الحياة. ولكن المسافر ذاك، عليه أن يصل إلى المدينة والبلاد، وأن يحالفه الحظ وتتركه اللعنات على أنواعها، كي يصل. فالطريق إلى سديم اللامكان، هي الجحيم بكامل حلته وطقوسه المرعبة. وعلى المسافر أن يهزمها لو استطاع.

من جحيم قائم في المطارح الأولى التي تنهار بيوتها فوق رؤوس البشر، وتدك الطائرات شوارعها وساحاتها وتحرق أشجارها وبراءة أطفالها، إلى جحيم القوارب الخشبية القديمة التي بالكاد تصلح لصيد الأسماك الصغيرة على أطراف البحر، تلك القوارب الموكولة إليها مهمة العبور بالمسافر من ضفة المتوسط اللعينة، إلى ضفته المنشودة المقابلة. ومن هناك، إن أسعفته الريح والأمواج: إلى المجهول.

من ذلك الجحيم الأول، إلى الجحيم الثاني، على مسافر التيه أن يتنقل قبل أن يحط رحاله في اللامكان. قبل أن يشرع في التعرف إلى نفسه مرة أخرى، وقبل أن يبدأ بالتقاط حروف الأبجديات الجديدة، وملامح الوجوه والأمكنة، وقبل وقبل… لتكون التراتبية البغيضة تلك هي التعويذة السوداء المعلقة على الدوام في عنق المسافر، إذ لا مفرّ، كما تدل على ذلك الوقائع، من اتّباع شروطها والرضوخ لسطوتها.

يسافر الهارب بحثا عن الحياة التي انتهكت وصودرت واعتقلت وقتلت في المكان الذي عليه أن يغادره إلى مكان مجهول: اللامكان. عابرا كل أطوار الجحيم التي ذكرت، وتلك العديدة الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها. فهناك دائما ما يمكن العثور عليه وما يمكن ذكره من أصناف العذاب الآدمي على الطريق، وهناك ما يصعب وصفه بالقليل، أو الكثير، من الكلمات في النصوص والقصائد.

هناك الألم، بإرهاصاته وتجلياته العارية والمجردة، تلك التي تجيب حين تجتمع، عن السؤال التقليدي، الباهت والبارد: لماذا يختار المسافر الهارب أن يتبع الجحيم، أن يصارعه، وأن يضع حياته التي هرب بحثا عن ملاذ لها، في رهان، قد يربح أو يخسر، مع أعداء الطريق؟ حيث أن الإجابة كامنة، عن هكذا سؤال بارد وباهت، في معادلة الربح والخسارة ذاتها. في الرهان على خلاص قد يتحقق، وقد لا يتحقق، ولكنه ممكن، على العكس من الحقيقة الثابتة التي لا تحتمل الرهانات في المكان المتروك، في الجحيم الأصلي الذي لم يترك بابا للهروب من شروره، إلا باب السفر.

لهذا يغادر مسافر التيه ذاك مطارحه، يغامر، يقامر، وقد يربح أو يخسر… ولكنه يعلم جيدا أن هذا الرهان الوجودي الرهيب ممكن، قد يصيب، وقد يحمله عبر معجزة ما إلى اللامكان، إلى وجع الخيار الأخير ذاك.

كاتب من فلسطين مقيم في فيينا

14