"سفر الماء" شعر يعزف بمفردات الألم سمفونية اللاجئ

صفاء النبرة في قصيدة الشاعر السوري محمد خليل ثيمة نادرة، قلّما نجدها في البواكير، إذ يغرف أصحابها عادة من ينابيع الآخرين، دون خصوصيّة تذكر. لكنّها هنا تذهب إلى التجربة الذاتيّة ببعديها الوجوديّ والإنساني، رغبة في إضفاء عطر جديد وغض إلى حديقة الشعر الغناء.
الثلاثاء 2016/01/12
رحلة النزوح الأبديّ

صدرت أخيرا للشاعر السوري محمد خليل عن منشورات دار مسعى بالمنامة مجموعته الشعريّة الجديدة “سفر الماء”. تقدم هذه المجموعة نصا شعريا مغايرا، محاولة السير في دروب مبتكرة، وهو ما تسعى إليها قصائد المجموعة في تعالقها، وتكاد تكون إستراتيجيتها الوحيدة وشرط عبورها إلى القارئ.

في مستهلّ المجموعة يكتب خليل “لا أعرفني../ لا أعرف أيّ نطفةٍ ناجيةٍ كنت،/ حتى اجتزت الموت من بين ملايين النطاف/ وسكنت رحم أمّي/ بكيت/ تعلمت/ توجّعت/ والآن، كتبت/ أنا المحظوظ”.

تُعنى قصيدة محمد خليل، الكردي السوري والمقيم في النمسا، في أولى ثيماتها، بالنزوح وما يرافقه من آلام ومشقّات، فتزخر قصائده بمفردات الألم الراهن، وتشكّل بتداخل أصواتها سيمفونيّة اللاجئ في رحلة النزوح الأبديّ من بلاد الشمس المغبرة إلى بلاد الثلج الأبيض، وهو ما نلاحظه ابتداء من العنوان الرئيسي للمجموعة “سفر الماء”، مرورا بعناوين القصائد، فنجد على سبيل المثال لا الحصر: “رائحة الماء”، “سفر لاجئ”، “لجوء شرقي”، “غدق الماء”، “النازح إلى الماء”، “أمنية للموت”، “أجساد رماديّة”، و”رائحة الفردوس”، وصولا إلى محتوى القصائد نفسها.

في قصيدة “سنجق الوحدة” يكتب خليل جملا قصيرة ومكثّفة، تأتي على شكل مشاهد أو “اسكيتشات” متتالية، وهو هنا في حوار صوفيّ مع ندّه/ ذاته، إذ ثمّة بوح شفيف يتصف بالسلاسة والمرونة على أشدّها، حيث يقول “أذعن إلى غيابك، كطفل خائف/ كصوفي خاشع، تائه بطقوسه/ راضخ لحبّات سبحته المتساقطة كمطر، على ماء/ تداعب بصوت اختلاطها المُرتجى/.

ثمان وأربعون قصيدة، هي حصيلة المجموعة الواقعـة فـي 86 صفحة مـن القطع المتوسط، بغلاف تزينه لـوحة للفنان التشكيلي عادل داود ومن تصميم النـاشر محمد النبهان. ولعل ما يشد قارئ المجموعة مدى اشتغال الشاعر على الجانب الرؤيوي أكثر من اهتمــامـه باللغــة نفسهـا، إذ ثمّـة تـأمـلات عميقـة لمــا آل إليهـا واقـع الكـائـن السـوري، علـى حـدّ تعبيـر الشاعر نفسه.

وفي المقابل نجد اللغة بسيطة تنتمي إلى السهل الممتنع من الألفاظ والتراكيب. ما يؤكّده ماجد فخري في سياق الحديث عن الرؤيا في الشعر، حيث يقول: إنّ الرؤيا في الشعر هي نفاذ الشاعر ببصيرة ثاقبة إلى ما تخبّئه المرئيات وراءها من معان وأشكال فيقتنصها ويكشف نقاب الحسّ عنها وبذلك يفتح عيوننا على ما في الأشياء المرئية من روعة وفتنة.

عدا ذلك نلفي لدى الشاعر التماهي مع الأشياء والموجودات في العوالم المحيطة به، ويسهب في تناول التفاصيل اليوميّة بدقّة متناهية، دون أن يحرج القصيدة أو يخرجها خارج سياقها المرجو، بل في قلب النسق الشعريّ، يقول “لا تبحث عن السّكون/ فهو، في قلبك/ دع المكان ينسخ بخيوط العنكبوت/ في زاوية البيت/ شهـوة القـادم/ وهـذيـان الكآبة”.

مجموعة “سِفر المـاء”، إنجيـل صغير للكائن السوريّ في زمن النزوح الكبير الذي ولدته الأزمة، وهي ترافقه دون أن يدري، في رحلة عذاباته وألمه الراهن، تميل إلى الحكمة والتأمّل، في محاولة دؤوبة من الشاعر إلى النزوح نحو الجديد والمبتكر من الأفكار والرؤى، وتأسيس معجم “شعريّ/ لغويّ” خاصّ به.

15