سفر المريد في النشوة والمطلق

الأحد 2013/11/10
الصوفية شكل من أشكال العبادة للتقرب إلى الله

يسلك الصوفي طريق الحدس والتأمل نحو الحضرة الإلهية وهو يجاهد في محبته لكي يبلغ نشوة التوحد، وما بين هذا وذاك من أشكال المجاهدة يحاول الصوفي خرق حجب الغيب من أجل تأمل الحقائق الروحية الكامنة وراء حدود الإيمان المجرد. تاريخ التصوف تاريخ حافل وبعيد الغور في التراث الإنساني وقد اتخذ مسميات مختلفة باختلاف الثقافات التي ظهر فيها بدءا من البوذية واليهودية والمسيحية وحتى الإسلام.

إيريك يونس جوفروا أستاذ الحضارة الإسلامية في عدة جامعات أوروبية يحاول في كتابه "التصوف: طريق الإسلام الجوانية" مقاربة هذا المفهوم وتعريفه وتتبع مختلف مراحل تطوره وانتشاره في العالم الإسلامي، إضافة إلى التعريف بأهم العقائد التي نشأ عليها وأهم أعلامه قديما وحديثا في عمل أنطولوجي مركز. يبحث في مختلف جوانب التصوف الإسلامي وتياراته في إطار التفاعل الاجتماعي والسياسي الذي عرفه المجتمع الإسلامي. صدر الكتاب بترجمة أبو يعرب المرزوقي عن مشروع كلمة بأبو ظبي.


تعريف التصوف


بداية يشير الباحث إلى صعوبة تعريف الصوفية ما يدفعه لمقاربة هذا المفهوم باعتباره مظهرا من مظاهر الحكمة الخالدة يتسم بالزهد ومحاولة التقرب إلى الله من خلال التأمل والحدس الباطني. وعلى خلاف ما تُتّهم به الصوفية بأنها شكل من أشكال الانسحاب من العالم يؤكد جوفروا أن الصوفي لا يسعى إلى الانسحاب من العالم بل يحاول أن يحقق ذاته الآن وهنا، وهو من أجل ذلك لا بدّ له من تطوير قدراته الروحية في المواضع التي سخرها الله لها، في حين يتأول المتصوفة رغبة الله في معرفة خلقه له بأنها سبب في خلق العالم.

يخوض الصوفي تجربة المحبة والمعرفة مرات بالتناوب، ومرات أخرى بالتوازي في حين أن كثيرين من المتصوفة يرون أن هذين الطريقين متماثلان لأنه لا يمكن لنا أن نحب الله من دون معرفتنا له. لكن الطرق التي اتبعها رموز المتصوفة للوصول إلى التلاشي في الكمال" الإلهي" كانت كثيرة، فمنهم من اتجه نحو المعرفة الميتافيزيقية كإبن عربي، ومنهم من ركَّز على نشوة الحب كالحلاج والرومي.

يعيد الباحث ظهور مصطلح التصوف إلى القرن التاسع الميلادي، حيث تشكلت نظرية التصوف ومصطلحاته في تلك الفترة التي شهدت جمع العقيدة الإسلامية وتدوينها. أما تعريف الصوفي الذي شاع في منطقتي الكوفة والبصرة موطن المتصوفة العراقيين الأوائل فيعني الصفاء، ومن هناك انتقل إلى بغداد عاصمة العباسيين التي أطلقت فيها تلك التسمية على إحدى المدارس الروحانية بسبب لبسهم للصوف، ولذلك يلخص أحد مشايخ هذه المدرسة مفهوم الصوفي بأنه هو من لبس الصوف على الصفاء.

وعلى الرغم من نظرة العديد من المسلمين إلى التصوف على أنه بدعة لأنه لم يرد ذكره في القرآن ولم يكن معروفا في عهد الرسول، فإن التصوف يحتل مكانته في فضاء العلوم الإسلامية، فقد كان يطلق عليه في البداية تسمية "علم القلوب" أو "علم الحالات الروحية".

ويقترح أنصاره بوصفه علم الباطن المضاد لعلم الظاهر تفسيرا مفارقا للعالم، الأمر الذي يجعل الصوفي يتميز بطابعه المفارق للعقل وليس اللاعقلي. والمتصوفة لا يرفضون العلوم الإسلامية الأخرى ولكنهم يستعملونها واسطة متأوّلين كلمة عقل أو ذهن باعتبارها العقال. ونظرا لأن عالم الروح لا يستجيب لقانون الثنائية فإن الصوفي في مجاهدته يحقق الوحدة الإلهية بتوحيد الأضداد.


مسالك الصوفي


رغم ما تتسم به الصوفية من أنها تجربة تقوم على الحدس فإنها ترتكز إلى قواعد ومناهج مثبتة، يقوم فيها السالك بإشراف من شيخه باتباع رحلة باطنية سوف تقوده إلى ارتقاء سلم التدرج الكوني للإنسان. ويعيد الصوفي هذا المسلك التعليمي إلى القرآن.

ومن أجل تعرف النهج التربوي يستخدم الشيخ الرمز الهندسي للدائرة التي تمثل الشريعة، حيث يظل أغلب الخلق غير قادرين على تجاوز حدود الدائرة، بينما الصوفيون يقومون بالرحلة التربوية نحو المركز حيث يمكنهم ولوج الحقيقة الباطنية للوحي الإلهي، وعبرها يصلون إلى كل الأشياء الظاهرة.

وهكذا فإن الإنسان يمكنه أن يتقدم نحو الحق، الله انطلاقا من كل أثر روحي حقيقي. وتشير الطريقة عند الصوفيين إلى السبيل الضيق الذي لا يدعى إليه إلا من كان له بعض من مؤهلات، ولذلك اعتبر المتصوفة أنفسهم من الخاصة الذين يتميزون عن جماعة المؤمنين العامة.

يتقدم الصوفي على طريق الصوفية بتسلق سلم مزدوج واحد للمقامات والآخر للأحوال، وتمثل الأولى ثمرة انضباط روحي ( مجاهدة) تبقى مكسبا لمن حصَّلها، بينما الثانية تعتبر امتيازا إلهيا تحصل عند المتصوفة دون أن يكونوا قد استثاروها. ويعيد الباحث هذه الطريقة إلى ذي النون المصري.

ومن تلك المقامات يذكر مقامات التوبة والتنازل والفقر أمام الله، ومقام التحمل ومقام الرضا، في حين أن الأحوال منها حال الشوق إلى الله وحال المحبة وحال التأمل وحال القرب إلى الله. وينبه إلى مسألة التداخل بين المفهومين عند الصوفية إذ أن المقام يمكن أن يكون عند بعض الصوفية هو الحال والعكس صحيح أيضا، ولذلك يجمع الأنصاري الهروي الإثنين تحت مسمى المنازل.

للصوفية عدة مستويات للتخلص من آثامه

وفي مستوى من مستويات التربية الصوفية يتخلص الصوفي من هذه الثنائية. فمشايخ الصوفية يلحون على الصدق والإخلاص اللذين يجب أن يتحلى بهما السالك. ومن أجل بلوغ هذا الهدف يجب على السالك في البداية التوكل على الله.

ومهما كانت درجة شغف الصوفي الروحية فلا يجب على المريد أن ينسى إطلاقا أنه كان مُرادا من الله في البدء، وأن المحبة هي التي تشكل طاقته. فهناك طريقتان متكاملتان فالسالك يتقدم بوعي بينما المجذوب وقد أراده الله إليه كالشهاب ذاهلا عن نفسه، لكن السالك الثاني اعتبر أقل درجة من الأول لأنه نادرا ما كانت له القدرة على إعانة غيره للقيام بتلك الرحلة.


صيغة الجمع


تتميز الصوفية بأنها أشبه بمروحة واسعة من الاتجاهات والأنواع وذلك على مقولة صوفي بغداد المشهور الجنيدي (لون الماء هو لون إنائه). ويضيف الباحث أن مشايخ الصوفية يحددون مستويات عدة في سلم الولاية باعتبار أن العالم يسيِّره عندهم الأولياء الذين لكل ولي منهم وظائف تقابل درجته الروحية. فهناك مائة وأربعة وعشرون وليا على عدد الأنبياء الذين عرفتهم البشرية، وعندما يُتوفّى وليّ منهم يحل مكانه مباشرة وليّ من الرتبة الدون.

ويضيف أن هناك تنوعا في التصوف نابع من التضاد القائم بين صوفية أخلاقية وتصوف ذي بعد رباني يعتمد على النصوص المقدسة. هذا التنوع يعكسه بصورة أوضح الأدب الصوفي كما يتجلى ذلك عند السهروردي والجيلاني اللذين يرفضان الحديث عن أي بعد ميتافيزيقي في مقارباتهم، فهم يكتفون بالتركيز على الجوانب العملية في الطريقة. والتربية الباطنية عندهم لا يمكن أن تكون إلا شفوية.

فالأدب الصوفي في عصر ازدهاره في القرن الثالث عشر اشتغل بدأب على تأليف الأعمال العقائدية الأساسية نثرا، وكان في مضمونه وتوجهاته يعكس تنوع التجربة الصوفية في الإسلام . في النهاية يؤكد جوفروا أن تعدد التصوف يتمظهر في جميع العلاقات التي يغذيها المتصوفة بالشريعة، وأن التصوف بدرجة أو بأخرى هو وريث النزعة الروحية الإنسانية أو النزعة الكونية في الإسلام.

14