سفر بوتفليقة للعلاج يضع الاستحقاق الرئاسي على كف عفريت

الخميس 2014/01/16
التطمينات عن وضع بوتفليقة لا تبدد الارتباك في الأجندة الداخلية

الجزائر - بلغت حالة الغموض السياسي في الجزائر هذه الأيّام حدّتها، ففي حين رفع التحالف الرئاسي سرعة حراكه إلى الدرجة القصوى للترويج لولاية رئاسية رابعة لبوتفليقة، فإنّ سفر الرئيس المريض، الاثنين الماضي، إلى باريس لمواصلة العلاج قد وضع الاستحقاق برمّته على كفّ عفريت، نظرا إلى أنّ الآجال القانونية لإصدار المرسوم الرئاسي للانتخابات تنتهي غدا الجمعة.

اضطرت السلطات الجزائرية إلى وضع الرأي العام المحلي أمام جميع الاحتمالات، لمّا أبرقت عبر وكالة الأنباء الرسمية أنّ استدعاء الهيئة الانتخابية سيتمّ خلال اليوم الخميس أو غدا الجمعة، وهو آخر الآجال القانونية المتبقية لإصدار مرسوم الانتخابات الرئاسية. كما أنّه اليوم الذي سيعود فيه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من باريس إلى البلاد، حسب بيان رئاسة الجمهورية.

وربطت رئاسة الجمهورية، في بيانها، مسألة دعوة الهيئة الانتخابيّة بشرط “عدم تسجيل ظروف قاهرة”، من دون أن يقدّم توضيحا بشأن المقصود بهذه الظروف القاهرة. ومع ذلك تبدو الإشارة واضحة إلى عدم احتمال قدرة بوتفليقة على العودة من مستشفى “فال دوغراس” الباريسي قبل يوم الجمعة. وحينها لن يتمّ إصدار مرسوم الانتخابات، بما سيدخل البلاد في وضع غير دستوري وأزمة سياسية معلنة. وهو ما يطرح مزيدا من الجدل لدى الطبقة السياسية والدوائر الإعلامية، في حين خيّمت حالة من الترقب على الشارع الجزائري.

ولم تعلن رئاسة الجمهورية عن عودة بوتفليقة إلى المستشفى الفرنسي إلا مساء الثلاثاء، رغم سفره إلى هناك منذ يوم الاثنين. كما أنّ التطمينات التي قدمتها عن التعافي التدريجي للرئيس بوتفليقة، كإدراج الزيارة في خانة العلاج الروتيني المبرمج منذ شهر يونيو الماضي، وكذا استخدامها عبارات “تنقل” وليس “نقل”، بمعنى سافر بنفسه ولم يضطرّ لذلك، لا تُبدّد الارتباك الحاصل في الأجندة الداخلية. وهو ما يؤشر إلى حصول طارئ ما في صحة الرئيس، فلو لم يكن الأمر مفاجئا لتمّ توقيع بوتفليقة لمرسوم الانتخابات قبل سفره إلى فرنسا، وذلك في حال كان الموعد مبرمجا فعلا منذ يونيو الماضي.

وأكّد البيان أنّ مراجعة الرئيس بوتفليقة للطاقم الطبي الذي أشرف على علاجه الأولي بالمستشفى العسكري “فال دوغراس” يندرج في إطار فحص طبي روتيني، كان مبرمجا منذ شهر يونيو 2013، وتحديدا أيام خضوعه لإعادة التأهيل الحركي بمصحة “ليزانفاليد”.

كما لمّح إلى أنّ إقامة بوتفليقة بالمستشفى المذكور ستكون قصيرة ولن تتعدّى الـ5 أيام، على اعتبار أنه غادر الجزائر متوجها إلى باريس يوم الاثنين، ومن المزمع عودته إلى الجزائر يوم الجمعة القادم.

ملامح الأزمة الدستورية
◄ تنتهي الولاية الثالثة بوتفليقة يوم 16 أبريل المقبل

◄ ينص القانون على دعوة الهيئة الانتخابية للانعقاد قبل 90 يوما

◄ غدا الجمعة يوافق آخر يوم لإصدار مرسوم الانتخابات

◄ الحالة الصحية لبوتفليقة تحدد تفاقم الأزمة أو انفراجها

وفضّلت رئاسة الجمهورية الجزائريّة، التي ألّفت أسلوب البيانات المقتضبة في مثل هذه الحالات، ألاّ تخوض في تفاصيل إضافية أخرى، كالظروف السياسية التي تمرّ بها البلاد، وهي تطرق أبواب الانتخابات الرئاسية.

ومع ذلك يصرّ حزب “جبهة التحرير الوطني”، وخاصّة أمينه العام عمّار سعداني، على ترشيح الحزب لبوتفليقة في الانتخابات المقررة بعد ثلاثة أشهر. واكتفى بيان مؤسّسة رئاسة الجمهورية بالتأكيد أنّ “هذا التنقّل الذي لم يُمله أي إجراء استعجالي”، مُشدّدة على أنّ الوضع الصحي العام لرئيس الجمهورية يتحسن بـ”صفة مؤكدة وبالتدريج”.

والجدير بالذكر أنّه منذ عودة الرئيس بوتفليقة من رحلته العلاجية، التي ناهزت الثلاثة أشهر في فرنسا خلال العام الماضي، دخل في مرحلة مزجت بين النقاهة والنشاط المحدود جدا، لكن القرارات التي اتخذها بشأن التغييرات الجذرية والمهمة في جهاز الاستعلامات والجيش، الذي كان ينازعه – من وراء الستار – صلاحيات معتبرة في إدارة شؤون البلاد.

واعتبر المراقبون للمشهد السياسي الجزائري أنّ تلك القرارات كانت مثيرة وجريئة، حتّى أنّه لم يتخذ مثيلا لها في عز قواه الصحية طيلة 14 عاما من الحكم. كما أنّه أجرى تغييرا حكوميا جوهريا مسّ حقائب وزارية مفصليّة وحساسّة.

وبقي بوتفليقة طيلة خمسة أشهر يطلّ على الجزائريين، بالصورة دون الصوت، في وضعيات متذبذبة. فقد ظهر أحيانا في وضع مريح، لكنه بدا في الغالب مُتعبا، ولا يُرى إلاّ جالسا.

كما أنّه لم يلتق وزراءه إلا في مناسبتين، وإن استقبل عددا من كبار مسؤولي الدولة على انفراد. ولم يسجل النشاط الدبلوماسي لبوتفليقة إلّا استقبالات محدودة، لبعض الشخصيات، على غرار مبعوث الأمم المتحدة المكلف بالملف السوري الأخضر الإبراهيمي والوزير الأول الفرنسي جان مارك إيرو.

كما قام بدور وساطة في الأزمة التونسية باستقباله لزعيم المعارضة التونسية الباجي قائد السبسي وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي. وفي المقابل بقيت مهام اعتماد عدد من السفراء الأجانب مجمّدة بسبب عدم قدرة الرئيس على القيام بالإجراءات البروتوكولية.

الوضع الصحي لبوتفليقة قد يحدد مسار الأزمة السياسيّة في الجزائر، في اتجاه الانفراج أو التفاقم المبشر باندلاع حرب خلافة الرئيس العليل

وعانى الرئيس بوتفليقة في العام 2005 من مشاكل صحيّة على مستوى الجهاز الهضمي، وعالج حينها في نفس المستشفى الباريسي لمدة محدودة، عاد بعدها سائرا على قدميه.

وفي أبريل 2013 أصيب بأزمة صحيّة ألزمته 81 يوما من العلاج والتأهيل في فرنسا. ويقول مختصون إنّ إصابة بوتفليقة في وظائفه الحيوية يمكن أن تعاوده في أية لحظة.

يُذكر أنّ الولاية الرئاسية الحالية لبوتفليقة تنتهي في 16 من أبريل القادم. وينص القانون المنظم للانتخابات، على أنّ الرئيس يوقّع مرسوم استدعاء الهيئة الناخبة 90 يوما على الأقل قبل نهاية الولاية الجارية.

وبالأرقام فإنّ آخر أجل لتوقيع المرسوم في هذه الحالة هو غدا الجمعة. والواضح أنّ الحالة الصحيّة للرئيس بوتفليقة، سواء عاد يوم غد الجمعة إلى الجزائر أم منعته “الظروف القاهرة”، من شأنها أن تُحدّد مسار الأزمة السياسيّة الراهنة في البلاد، إنْ في اتّجاه الانفراج أو التفاقم المبشّر باندلاع حرب خلافة الرئيس العليل.

2