سفر ولوعة

الأربعاء 2015/03/25

في السبعينات من القرن الماضي دخلت إلى المغرب آلاف النسخ من فتاوى ابن تيمية في مجلدات أنيقة خضراء وزرقاء، تناهز خمسة وأربعين مجلدا، مكتوب في الصفحة الأولى من كل مجلد منها العبارة التالية: “يوزع مجانا”، كانت هدية تخطفتها الأيدي في زمن كان الورق المجلد يدل على السفر النفيس، فقليلة كانت الكتب التي تباع بذلك النوع الفاخر من التسفير، أتذكر في هذا السياق “موسوعة معارف القرن العشرين”، و”لسان العرب”، الطويل طبعا، و”شرح ابن كثير”، و”الأربعين النووية”.

وبعد ذلك تطوع أفراد أنيقون لبيع سلسلات كتب وروايات ومجلات مصرية في أسفار مجلدة، تضم ثلاثة أو أربعة إصدارات مجتمعة، علق بذهني شخص تاريخي في المغرب اسمه “مسعد صبحي الأتربي”، مصري اختص في تجليد إصدارات دار المعارف ودار الهلال، لم أغنم منها اليوم بعد نهب مكتبات الآباء والأجداد إلا سفرين، أحدهما يضم أربعة أعداد من مجلة “الكاتب المصري” لطه حسين، والآخر يضم ترجمة حافظ إبراهيم لرواية “البؤساء” مع كتاب عن “مصطفى كمال أتاتورك”، وكتاب عن “الحرب العالمية الثانية” يحكي عن هجوم الجيش الياباني على ميناء “بيرل هاربور” الأميركي، وكأن الكتاب يحكي عما يجري الآن وهنا حين يقرن شخصيات البؤساء بالانقلاب بالحرب الكونية.

طبعا نعرف الآن أن أغلب حركات الإجرام الديني تستند في عقيدتها لتلك الفتاوى، ذات التسفير النفيس التي وزعت مجانا، وباللونين الأخضر والأزرق، بعد أن تولدت عنها شروح وحواش، ارتقت بالتزمت الفقهي للشيخ التعيس، من الطهرانية المسرفة، إلى الضغينة البلهاء، التي تنظر إلى المتعة بوصفها خطيئة، والجمال بما هو نزغ شيطاني، والعيش باعتباره استباقا للجزاء في الدار الدانية، وباتت معها الفتاوى الأصل خطابا لينا يستحق أن يسربل في الأخضر والأزرق.

ليس هذا هو المقصود، ذلك أن أحد الموزعين ممن أسدلوا اللحية وحفوا الشارب، كان يختار المؤسسات التعليمية لتوزيع ذخيرته، لتنبهه إلى ضعف شريحة كبيرة من المعلمين، أمام مظاهر الوجاهة العلمية، ووقوع أغلبهم تحت سطوة الخطاب الديني، وكان أن جاء والدي ذات يوم بثلاثة علب كرطونية صقيلة إلى البيت، وهو مبتهج، سألناه نحن الصغار عن فحواها فقال إنها موسوعة ثمينة في علوم الدين، لم يتجاوز سعرها خمسمئة درهم، وما أدراك ما خمسمئة درهم في السبعينات، وسرعان ما فتح بعض مجلداتها، على نحو عشوائي، وشرع في تقليب مواجعها، لينفض يده منها في اليوم نفسه، ويرفعها إلى سدرة المنتهى في مكتبته، حيث بقيت صفحاتها سليمة من غير سوء، لم يمد يده إليها أحد منا، ولم يطمع فيها غريب، وحين أعود إلى مكتبة الوالد اليوم، أجدها تدفئ السقف، مع حسرة متجددة من الحاج على الخمسمئة درهم.

كاتب من المغرب

15