سفن في قاع البحر تتكتم على تاريخ التجارة في المتوسط

علماء يعثرون على حطام يروي قصة مدهشة تظهر كيف أن سفنا محملة بالبضائع سافرت عبر بحر إيجة والبحر المتوسط والبحر الأسود واجهت مصيرا مشؤوما.
السبت 2018/10/13
نفائس تتحول إلى المتاحف

فورني (اليونان) - عثر علماء آثار في اليونان على حطام ما لا يقل عن 58 سفينة يزخر الكثير منها بالقطع الأثرية، فيما يقولون إنه قد يكون أكبر كمّ من حطام السفن يجري الكشف عنه في بحر إيجة وربما في البحر المتوسط بأسره.

ويرقد الحطام في أرخبيل فورنوي الصغير في شرق بحر إيجة ويضم سفنا تعود لعصور مختلفة منذ اليونان القديمة وحتى القرن الماضي. ومعظم الحطام لسفن من العصر اليوناني والروماني والبيزنطي.

ويقول خبراء إن هذا الحطام يروي قصة مدهشة تظهر كيف أن سفنا محملة بالبضائع سافرت عبر بحر إيجة والبحر المتوسط والبحر الأسود واجهت مصيرا مشؤوما بسبب عواصف مفاجئة بينما حاصرتها المنحدرات الصخرية في المنطقة.

وقال عالم الآثار الغارقة بيتر كامبل من مؤسسة آر.بي.إم نوتيكال والمدير المشارك لمشروع مسح فورنوي “من الصعب وصف مدى الحماس، الأمر مدهش. نعلم أننا عثرنا على شيء سيغير كتب التاريخ”.

وذُهل الفريق الدولي عندما بدأ المسح تحت الماء في عام 2015 لعثوره على حطام 22 سفينة قالوا عنها إن تاريخ السفن الغارقة يعود إلى عام 700 قبل الميلاد، وصولا إلى القرن السادس عشر الميلادي.

وعُثر على هذا الاكتشاف بواسطة فريق من علماء الآثار تحت الماء من اليونان وأميركا، ومؤسسة “آر بي إم” البحرية، بالتعاون مع الغواصين والصيادين المحليين في منطقة تمتد لمسافة 17 ميلا وتنتشر حول 13 جزيرة تشكّل منطقة “فورني” في بحر إيجة الشرقي.

وشملت البضائع التي عُثر عليها داخل حطام السفن زجاجات وأواني، ما يكشف عن العلاقات التجارية التي كانت بين قبرص وبلاد الشام واليونان ومصر.

و بحسب موقع “ساينس ديلي” العلمي، في سنة 2016 تم اكتشاف 23 حطام سفينة جديد، مما يجعل تلك المنطقة واحدة من المقابر الأكبر في العالم للسفن الغارقة.

ووفقا للموقع، فقد اكتشف حطام السفن في مساحة 17 ميل مربع، واحتوى الحطام على حمولات السفن الغارقة من تحف وبضائع تعود إلى الفترة بين الحقبة الهلنستية والقرن الرابع الميلادي.

وقفز العدد بعد أحدث اكتشاف إلى 58 وهو ما دفع الفريق للاعتقاد بأن هناك المزيد من الأسرار الكامنة في قاع البحر هناك.

تقدر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم  عدد السفن الغارقة في قاع المحيطات والبحار بما يربو على 3 ملايين سفينة وهو رقم تقريبي

وقال كامبل “ربما يمكن أن أطلق عليه أحد أهم الاكتشافات الأثرية لهذا القرن ولدينا الآن قصة جديدة عن الطريق البحري الذي كان يربط البحر المتوسط القديم”.

وتقدر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم (اليونسكو)، عدد السفن الغارقة في قاع المحيطات والبحار بما يربو على 3 ملايين سفينة وهو رقم تقريبي، ويعود حطام بعض هذه السفن إلى الآلاف من السنين ويمكن أن يوفر مصدرا ثمينا للمعلومات التاريخية. فالسفن الغارقة هي شواهد على النشاط التجاري والحوار الثقافي بين الشعوب.

وترسم السفن ومحتوياتها صورة لحركة شحن البضائع على طرق من البحر الأسود واليونان وآسيا الصغرى وإيطاليا وإسبانيا وصقلية وقبرص وبلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا.

وجمع الفريق أكثر من 300 قطعة أثرية من حطام السفن خاصة القوارير، مما أعطى علماء الآثار لمحة نادرة عن الأماكن التي كانت تنقل لها البضائع في أنحاء البحر المتوسط.

وقد تكون حمولة بقايا السفن الغارقة أحيانا ذات أهمية فنية كبرى، فقد عثر في حطام السفن اليونانية والرومانية على العديد من التماثيل الثمينة المعروضة حالياً في المتاحف.

وقال الدكتور جورج كوتسوفلاكيس من الهيئة اليونانية للآثار الغارقة وهو مدير مشروع المسح في فورنوي “90 بالمئة من حطام السفن الذي اكتشفناه في أرخبيل فورنوي يحمل شحنة قوارير”. وأضاف “القوارير كانت تستخدم قديما لنقل السوائل وأشباه السوائل لذلك فإن معظم السلع المنقولة كانت خمورا وزيتا ومرق السمك وربما عسل النحل”.

وقال إن مرق السمك من منطقة البحر الأسود كان قديما سلعة باهظة الثمن.

وذكر كوتسوفلاكيس أن أكثر ما أثار حماس فريق التنقيب كان العثور على حطام سفن من البحر الأسود وشمال أفريقيا تعود لنهاية العصر الروماني نظرا لندرة العثور على شحنة سليمة من تلك المناطق في حطام سفن في بحر إيجة.

وقال إن الطقس السيء هو التفسير الأكثر ترجيحا لغرق جميع السفن في نفس المنطقة التي تشهد عواصف مفاجئة وقوية وتحيط بها سواحل صخرية.

وكانت السفن تتوقف قديما في فورنوي لقضاء الليل قبل استئناف رحلتها. وتفاوتت حالة الحطام؛ حيث كان بعضه في حالة جيدة بينما كان البعض الآخر عبارة عن قطع جراء اصطدام السفن بالصخور.

وقال كوتسوفلاكيس “هناك حطام لم يمس بالمرة. نشعر أننا أول من يعثر عليه لكنه موجود في مياه شديدة العمق، على عمق 60 مترا. عادة ما يكون الحطام في حالة جيدة من عمق 40 مترا وأدنى من ذلك. أي شيء أعلى من 40 مترا فقد الكثير من تماسكه أو تعرض للنهب في الماضي”.

ويسعى الفريق، الذي يضم علماء آثار ومعماريين وخبراء ترميم وغواصين، لإنشاء مركز دراسات للآثار الغارقة في فورنوي ومتحف محلي لعرض اكتشافاتهم.

17