سفيان جيلالي: قبضة الجيش على قصر المرادية لن ترتخي بسهولة

رئيس حزب جيل جديد يحذر من أن مناخ الترهيب يدفع حراك الشارع الجزائري إلى التطرف.
الجمعة 2019/09/27
الجزائريون لا يريدون أن يذهب حراكهم الطويل هباء

تشهد الجزائر منذ 22 فبراير موجة تظاهرات غير مسبوقة أجبرت الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة على الاستقالة مطلع أبريل، وتطالب مذّاك بمؤسسات انتقالية لا تضم من شاركوا في النظام السابق الذي استمر لعقدين. وترفض حركة الاحتجاج تنظيم انتخابات رئاسية أعلنتها الرئاسة المؤقتة في 12 ديسمبر، حيث يعتبر المتظاهرون أنها ستشكل وسيلة لاستمرار النظام. ورغم الاحتجاج المتواصل أبدى السياسي الجزائري سفيان جيلالي تخوفه من فرض الجيش الجزائري مرشحه في الانتخابات لمواصلة فرض نفوذه بالمشهد السياسي.

القاهرة - يتابع رئيس حزب جيل جديد في الجزائر، السياسي سفيان جيلالي حالة الشد والجذب بين السلطة والشارع الرافض لتنظيم الانتخابات الرئاسية بقلق على مستقبل بلاده، خاصة في ظل إصرار المؤسسة العسكرية على إجراء الانتخابات في الثاني عشر من ديسمبر المقبل، رغم عدم وجود توافق شعبي كامل في هذا الشأن.

وحذر جيلالي، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، من المضي قدما في هذا الخيار، وتزامنه مع ما أسماه “مناخ الترهيب والاعتقالات” بصفوف رموز ونشاط الحراك الشعبي، مما قد يدفع الحراك إلى التطرف والاصطدام بالسلطة.

ووصف جيلالي الأزمة الراهنة بين السلطة الحاكمة في البلاد، والتي تمثلها فعليا المؤسسة العسكرية، وبين الحراك الشعبي، بأنها “أزمة ثقة”.

وأوضح جيلالي “الكل متفق على أن الانتخابات الرئاسية قد تكون أفضل السبل للعودة إلى الشرعية الشعبية وبداية نظام سياسي جديد. لكن الجزائريين الذين خرجوا كل جمعة تقريبا منذ يوم 22 فبراير الماضي وحتى الآن، والذين استطاعوا في بداية أبريل الماضي إجبار الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على تقديم استقالته، يرفضون بقوة تسيير المرحلة الراهنة من قبل من يعتبرونهم رموزا أو مخلفات عهد بوتفليقة، ويطالبون برحيلهم بشكل كامل، ولا يستطيعون الوثوق بتلك الشخصيات لتسيير تلك المرحلة الهامة من حاضر البلاد ومستقبلها”.

وشدد على أن “الجزائريين يسعون إلى القطيعة مع النظام السابق الذي حكمهم لعقود، وبالتالي، فإن استمرار تحكم المؤسسة العسكرية في المشهد، بل وفرض الخيارات والمواعيد قد ضاعف الشكوك بشأن نوايا هذه المؤسسة في مقاربتها لحل الأزمة، كما ضاعف من تخوف الجزائريين من أن يذهب حراكهم الطويل هباء، وأن يتم في نهاية المطاف فرض رئيس جديد عليهم قادم من رحم نفس النظام”.

وتابع جيلالي “يتخوف الجزائريون من أن تكون المؤسسة العسكرية قد حددت بالفعل مرشحها، وهو ما لا نستبعده إطلاقا، وبالطبع هم يدركون مدى نفوذ تلك المؤسسة بالمشهد وإمكانياتها المادية والبشرية، مما يعزز ضمان وصول هذا المرشح إلى قصر المرادية (مقر الحكم)”.

نفوذ الجيش

لعب الجيش الجزائري دورا بارزا على الساحة السياسية في البلاد، ويصفه البعض بصانع الرؤساء، ويسعى قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، والذي يعرف حاليا بكونه الحاكم الفعلي والرجل الأقوى في البلاد، إلى وضع حد للاحتجاجات الشعبية المستمرة من فبراير الماضي عبر إجراء انتخابات رئاسية.

واتفق جيلالي مع غيره من القيادات السياسية التي طالما عُرفت بمعارضتها لنظام بوتفليقة، على أن المؤسسة العسكرية لديها دوافع سياسية أدت إلى مسارعتها بفرض موعد الاقتراع، إلا أنه أكد أيضا امتلاكها لما يمكن وصفه بـ“النوايا المعقولة والمقبولة للتدخل بالأمر”.

وأوضح “ربما تستشعر المؤسسة أن هناك طعنا في شرعية إدارتها للمرحلة الحالية والتي امتدت لأكثر من سبعة أشهر، وتريد شرعية تحميها من أي إشكال مع الخارج، أو الداخل، فالبعض يطالب بفتح المجال السياسي إلى درجة قد تؤدي إلى حدوث فوضى أو تكرار التجارب التي عايشتها البلاد خلال تسعينات القرن الماضي… وهو ما نسميه بالنوايا والأهداف المقبولة”.

وحسب جيلالي فإن النوايا السياسية لهذه المؤسسة لن تتمثل بمصادرة السلطة بشكل مباشر، وإنما عبر مرافقة ومراقبة عملية الانتقال والتغيير لنظام جديد، بدرجة تجعلها اللاعب الرئيسي المتحكم بهذه العملية، أي أن لديها نفس الذهنية القديمة في التحكم، وهذا ما يرجح التوقعات باحتمال تعيين غير مباشر للرئيس القادم. وفي المقابل، يرفض الحراك والمعارضة هذا كله، ويريدان تجسيد إرادة الشعب بانتخاب الرئيس القادم، مما يخلق نوعا من التصادم بين الإرادتين.

وأردف “بالطبع، قد تكون هناك مخاوف لدى المؤسسة من أن تفقد السلطة أو النفوذ، وما قد يتبع ذلك من أن تطول آلية المحاسبة بعض قياداتها، ولذلك تحاول إحداث انتقال طبقا لرؤيتها ولمصلحة قياداتها… وفي المقابل، يرفض الشعب وحراكه الأمر برمته، ويصران على الانتقال إلى نظام جديد وإلى دولة القانون والمحاسبة، مما يعقد الموقف”.

تهديد المسار السياسي

سفيان الجيلالي: الذهاب إلى الانتخابات دون بطاقة خضراء من الشارع يهدد المسار السياسي في الجزائر برمته
سفيان الجيلالي: الذهاب إلى الانتخابات دون بطاقة خضراء من الشارع يهدد المسار السياسي في الجزائر برمته

حذر جيلالي من أن “الذهاب الآن إلى الانتخابات دون بطاقة خضراء من الشارع قد يهدد المسار السياسي برمته، خاصة في ظل تزايد الاعتقالات ضمن صفوف ورموز الحراك الشعبي خلال الفترة الماضية”.

وأوضح أن “السلطة تريد أن تقمع كل صوت يعلو برفض مسار الانتخابات، ولذا عمدت إلى تفكيك الحراك عبر سلسلة توقيفات واعتقالات امتدت إلى عدد من أبرز قياداته. السلطة تصر على إجراء الانتخابات، حتى ولو بمشاركة ضئيلة من قبل الشعب”.

واعتبر جيلالي أن ارتكان المؤسسة إلى أن تؤدي استجابتها النوعية والمحدودة لبعض إجراءات التهدئة مع الحراك والشارع من أجل تمهيد المناخ وبث الثقة في نفوس الجزائريين بشأن إجراء انتخابات نزيهة، قد “لا يكون في محله”.

وأوضح أن “الهيئة التي شُكلت تحت مسمى السلطة العليا المستقلة للإشراف على الانتخابات، لم تستطع أن تقنع الناس بتوفير الضمانات الحقيقية المطلوبة لإجراء انتخابات نزيهة. لا ينكر جيلاني أن رئيسها محمد شرفي يوصف بأنه وزير متمرد على عهد بوتفليقة، ولكنه كان في الواقع أحد رجاله، فبعد انتهاء مهامه الوزارية، عمل مستشارا للرئاسة، فضلا عن أنه لم يتم انتخابه لرئاسة هذه الهيئة كما كنا نطالب في المعارضة، بل جرى تعيينه بالأمر المباشر”.

وتابع زعيم حزب جيل جديد “معاقبة رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق، واثنان من الجنرالات، وكذلك الإجراءات ذات البعد الاجتماعي التي قدمتها حكومة نورالدين بدوي، مثل زيادة المنح الشهرية للمعاقين وغيرها، لن تستطيع، في رأيي، أن تكون عرابين ثقة جيدة لاستقطاب الشعب من أجل المشاركة في الانتخابات.”

والمطلب الرئيسي للمعارضة والحراك هو استبعاد حكومة بدوي برمتها، وليس الإيحاء بتغيير بعض أعضائها، إضافة إلى الإفراج عن كافة معتقلي الحراك.

وأردف بالقول “كل ما اتخذته السلطة حتى الآن غير كاف للتهدئة، والدليل على ذلك تزايد المشاركين في الحراك وهو ما ظهر جليا في أحداث يوم الجمعة الماضي رغم الانتشار الأمني الكثيف وإغلاق مداخل العاصمة“.

وأقر جيلالي بأن “الحراك الشعبي شهد بالفعل فترة تراجع بسبب موجة الحر الشديد بفصول الصيف وبفعل العطلات”، لافتا إلى أنه “مع عودة الدراسة، تصاعد الحراك مجددا وزادت حدة تطرفه بتغلب الأصوات الراديكالية على مشهده العام كنتيجة طبيعية لتصرفات السلطة من ترهيب وقمع سياسي وإعلامي… وما نخشاه هو تصادم الطرفين والانزلاق بالبلاد إلى ما لا تحمد عقباه”.

واعترف جيلالي بأن انقسام الآراء داخل مكونات الحراك الشعبي والمعارضة حول خارطة الطريق للانتقال إلى نظام جديد، كان من أبرز المآخذ التي استطاعت المؤسسة العسكرية استغلالها لصالحها، عبر الدعوة إلى حوار شكلي لحل الأزمة، وقد جرى استغلاله في نهاية المطاف كغطاء شرعي لفرض إراداتها وقراراتها على الجميع، وتحديد موعد لإجراء الانتخابات.

وأوضح “البعض ضمن صفوف المعارضة بالغ في مطالبه، فلم يرفض فقط إجراء الانتخابات في ظل الحكومة الراهنة، بل طالب بضرورة تنحي كل مسؤول من عهد بوتفليقة عن مهامه، وهذا ما قد يهدد بالفعل استقرار الدولة. ورفض البعض الآخر على نحو مطلق التفاوض مع السلطة. أضاعت المعارضة، بانقسامها، فرصة إجبار السلطة على تحويل حوارها الشكلي إلى حوار جاد يترجم تطلعات الشارع، وتم استنفاد الوقت، بل ونجحت السلطة في استقطاب بعض رموز المعارضة وإقناع هذه الرموز بالمشاركة في الانتخابات”.

6