سفيتلانا أليكسيفيتش صاحبة الرواية - الريبورتاج وتاريخ البشر العاديين

السبت 2015/10/17
صحفية أزعج فوزها بجائزة نوبل للآداب كتابا وروائيين عربا

بروكسل - في وصيَّتِهِ كتب ألفريد نوبل عن جائزتِهِ للأدب، “..وحقلٌ يُتوَّجُ بهِ شخصٌ أنتجَ في حقلِ الأدب أعمالاً بالغةَ الروعة وذات نزعةٍ مثالية”، ورغمَ أنَّ الوصيَّة التي كتبَها المهندس السويدي عام 1895 في النادي السويدي النرويجي بالعاصمة الفرنسية باريس قبل وفاتِهِ بعامٍ واحد، أثارَت جدَلاً واسعاً في العالم، إلَّا أنَّ القائمين على تركَةِ الرجل الذي اخترعَ الديناميت، استطاعوا تأسيس جائزةِ نوبل لكثيرٍ من المجالات الإنسانية والعلمية التي يُكرَّمُ بها مبدعون وعلماء منذ العام 1901.

ومنذ ذلك الحين، وفي كل سنةٍ مع انطلاقَةِ شهر أكتوبر تبدو الأضواءُ مُسلَّطةً نحوَ مملكة السويد حيثُ يتمُّ الإعلان عن الفائزين الجدُد عقِبَ فترةٍ يملؤُها الحماسُ والتوقُّعات، وفي فرعِ الآداب تم تكريمُ حتى اليوم 107 كاتبات وكتاب بمعدَّلِ 94 كاتبا و13 كاتبة.

هذه السنة وقبل الإعلان عن اسم الفائزِ، حامَت كثيرٌ من التوقُّعات التي تراوَحَت في قائمةٍ ضمَّت عشرةَ كتَّابٍ من جنسياتٍ مُختَلِفةٍ حول العالم، لتأتي النتيجة مُطابقَةً لتوقُّعاتِ مكاتب المراهنات في بريطانيا وأوروبا عموماً، وحدَهُم الكتَّابُ العرب عبر صفحاتِهِم على وسائل التواصل الاجتماعي عبَّروا عن دهشتِهِم وانزعاجهم، من اختيار سفيتلانا أليكسيفيتش، علماً أنَّ الكاتبةَ البيلاروسية لا تحمِلُ في رصيدِها أيَّ كتابٍ كان قد تُرجِمَ إلى العربية حتى لحظةَ إعلان انضمامِها إلى قائمةِ المُكرَّمين في أكاديمية نوبل.

دهشة الفوز

وُلِدت سفيتلانا أليكسيفيتش في مدينة إيفانو- فرانكوفسك الأوكرانية وعاشت حياتَها في بيلاروسيا متنقِّلةً بين صُحُفِها حيثُ امتازت بين العاملين في حقل صاحبةِ الجلالة بقدرتِها الفائقةِ على انتقاءِ مواضيعها واشتغالها الطويل عليها قبل أن ترى النور، انتقلت خلال سنواتِها العملية بين دول شتَّى وحازت على جوائزَ عديدة من منظمات وجهات عديدة خوَّلَتها إلى جانب إنجازها الأدبي أن ترتقي كرسيَّ الآداب في أكاديمية نوبل.

الدهشةُ التي ضربَت أوساط المثقَفين العرب من اختيار سفيتلانا، أعادت إلى الأذهان الضجَّةُ الإعلامية التي تحقَّقت عام 2004 بعد فوز الكاتب النمساوي “إلفريد يلينيك” غير المعروف حينَها خارجَ الدول غير الناطقة بالألمانية، وأيضاً ما رافقَ فوز كل من الفرنسي جان ماري جوستاف لوكليزو عام 2008 والروائي الصيني مويان عام 2012، بالطبع لا يخفى على أحد تلك المقولاتُ التي تقومُ على اتجاهات الجائزة السياسية حيثُ يُعيدُ متبنُّو هذا الطرح إلى الأذهان تكريم الكاتب التركي “أورهان باموق” عام 2006 نظراً لموقفِهِ من الأكراد ومن مذابح الأرمن لنكتشِفَ فيما بعد أنَّ أورهان باموق كاتبٌ استثنائي جمعَ بين مدارس الأدب الغربية وحسّ الأدب الشرقي وتصاويره البديعة.

سفيتلانا أليكسيفيتش تعرف كصحفية فقد عاشت حياتها متنقلة بين الصحف لتمتاز بين العاملين في حقل صاحبة الجلالة بقدرتها الفائقة على انتقاء مواضيعها واشتغالها الطويل عليها قبل أن ترى النور

مغامرة الصحفي

عالمياً قبل الإعلان الرسمي اتَّجَهَت التوقُّعات نحو سفيتلانا أليكسيفيتش بوصفِها امرأةً في قائمة الأكثر حظوظاً للفوز، ولأنَّ الجائزةَ كما تمَ التسريبُ ستقومُ بتكريمِ كاتبٍ لا يُمكِنُ الاشتباهُ بأنَّهُ يشتغلُ بالسياسة، وبصورة أدق أن يكون أدبُهُ غير خاضِعٍ لموقفِهِ السياسي المثير للجدل بين ضفَّتين، وإن اتفقنا هنا أنَّ السياسيين ليسوا بحاجةٍ إلى أضواءِ نوبل، وأنَّ العلماء الذين فازوا بالجائزةِ الثمينةِ ظلُّوا حبيسي مخابِرِهِم وسراديب الأكاديميات التي حلُّوا ضيوفاً عليها، فإنَّها تختلفُ في حقل الأدب حيثُ يتهافتُ المترجمون لنقلِ أعمال الفائزِ إلى لغات الأرض المتنوعة وتتسارعُ المحافلُ الثقافية العديدة لاستضافتِهِ بوصفِهِ وصلَ أعلى درجات الإبداع بعد اعتراف أكاديمية نوبل به.

الكاتبةُ البيلاروسية تؤمنُ بالإنسان، فهوَ أملُها للحياةِ ولأجلِهِ تخوضُ المغامرة، المغامرة عندها هي تدوينُ ما تسمع من أرواح الآخرين الذينَ عاشوا التجاربَ الصعبة، فالشرُّ عندها لا يمكن أن يكون نقياً، الشرُّ كما تفهمُهُ ينطبقُ إلى حدٍّ كبير مع نظرية المجرم عند لومبروزو حيثُ يخرجُ الفعلُ من دائرةِ السلطة ليسكنَ في الانسان العادي، فالأفعالُ التي تؤذي البشرية لا يتحمَّلُ فاتورتها الجلَّادُ أو الدكتاتور وحده، فالأزمنةُ المُظلِمةُ يسهُلُ فيها الانحرافُ نحو الشر.

توثيق واستقصاء

المرأةُ التي فازت بأرفعِ جائزةٍ أدبيةٍ في العالم، كانت مشغولةً في سنيِّ عمرها بتشكيلِ صورةٍ واضحة لحياةِ الأفراد في ظل حكم منظومةِ الاتحاد السوفييتي، على خطٍّ موازٍ للتاريخ سارت في حقل الألغام تحملُ ما استطاعت من قصص الإنسانيات لتكتُبَ التاريخَ الحقيقي الذي لا تُنتِجُهُ السلطة، ذلكَ التاريخُ الذي لا يدخلَ الأرشيف الرسمي للدولة بل يبقى مخزوناً مُعتَّقاً في خوابي الروح البشرية وليظلَّ حاملوهُ في الظلِّ لأنَّهُم بصورةٍ أو بأخرى يُفنِّدون الرواية الرسمية التي تعملُ بكل مكنتِها لإعادةِ إنتاج رموز السلطة والحزب الحاكم.

من كتب سفيتلانا ألكسيفيتش التي وثقت التاريخ بغير لغة المنتصرين

الروايةُ التاريخية الأدبية تُذَكِّرُنا هنا بعددٍ هائلٍ من الأعمال الأدبية العربية التي أعادت إنتاج التاريخ الشفاهي بقالبٍ لطالما أزعجَ السلطات، واعتبرَهُ النقَّادُ جنساً جديداً يحمل جينات الأدب والتوثيق والتأريخ مُعتمِداً على تقنيات استقصائية صحفية، هذا بالضبط ما يُمكِن تسميتُهُ بتقنية “الرواية ـ الريبورتاج” التي امتازت بها أعمال سفيتلانا أليكسيفيتش.

تقنيات علم التاريخ والرصد الدقيق للأحداث والحقائق تعتمد عليها سفيتلانا أليكسيفيتش وعلى جهدها المباشر أيضاً، لتعمل بجد على تسجيلِ مشاعر الناس ومواقفهم، هم البشر العاديون الذين كانوا جوهر الحدث ومُتلقُّيه بالدرجة الأولى، لنراها تعترف أن كتابها “أولاد الزنك” كانت قد استغرقت في تأليفِهِ أربع سنوات كاملة حيثُ قابلَت ما يقارب 700 شخص لإنجازه.

الاعتراضُ على منحِ سفيتلانا أليكسيفيتش جائزةَ نوبل للآداب كان مُلاحظاً لدى كثيرٍ من الكُتَّاب العرب، اعتماداً على مقولاتٍ باليةٍ كانت تقومُ على أنَّ نوبل تُمنَح لأفضلِ كتابةٍ أدبية وليسَ أفضل كتابةٍ صحفية، متناسين أن ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا فاز بجائزة نوبل للآداب عن كُتُبِهِ وخطبه التي تؤرِّخُ للمملكة المتحدة.

اليوم صارَ اسم سفيتلانا أليكسيفيتش رقماً صعباً في المحافل الثقافية وعلى الأخص العربية منها، لأننا مقدِمون على موسم معارض الكتاب العربي في العديد من أقطارنا المنتشرة بين المحيط والخليج، خلا تلك التي تشهدُ زلازلَ عنيفة كسوريا والعراق واليمن وليبيا، وأمام هذا سيظلُّ مهاجمو الصحفية الروائية يُطلِقون نيران غيظِهِم قبل أن يقرؤوا أعمالها مترجمة للغة الضاد، وستظلُّ سفيتلانا أليكسيفيتش صاحبةَ مشروعٍ أدبي ذي نكهةٍ معاصرة يمزِجُ بين الأدب والصحافة في لُعبةِ الكلمات التوثيقية والفضاءات الدرامية السردية التي تُقيِّدُها تقنيات مهنةُ المتاعب.

الاعتراضُ على منحِ سفيتلانا أليكسيفيتش جائزةَ نوبل للآداب كان مُلاحظاً لدى كثيرٍ من الكُتَّاب العرب، اعتماداً على مقولاتٍ باليةٍ كانت تقومُ على أنَّ نوبل تُمنَح لأفضلِ كتابةٍ أدبية وليسَ أفضل كتابةٍ صحفية

الحرب ليس لها وجه امرأة

كتابها الأول “الحربُ ليسَ لها وجهُ امرأة”، أعادَت سفيتلانا أليكسيفيتش فيه إنتاجَ الروايات الإنسانية للحرب العالمية الثانية والدور السوفييتي فيها، ولأنَّها قامت بتعريةِ الخطاب السلطوي الذي برَّرَ الحرب اتُّهِمَت من دوائرَ عديدة في روسيا حينها بمعاداة الروح الوطنية، مع أنَّ ميخائيل غورباتشوف آخر الزعماء السوفييت أثنى عليها ودعّمَها.

بينما نراها في روايتِها ذائعةُ الصيت عالمياً “يدٌ للمرة الثانية” تلجأ لاستخدامِ أصوات جديدة خارجَ الجغرافية الروسية لتروي تفاصيل حياة الظل تحت عباءةِ الاتحاد السوفياتي الذي استمرَّ حتى بعد انهيارِهِ بسنوات، حاكماً بصورةِ الرموز التي أعادت روسيا الاتحادية إنتاجها في موسكو.

سفيتلانا أليكسيفيتش ذات السابعة والستين عاماً لم تخرُج من جغرافيّةِ الصحافةِ التي أدمَنَتها فاتَّخَذتها سبيلاً إلى القول والحكي من خلال مؤلَّفات استطاعت من خلالِها الغوص بعيداً في سنوات الفُرَص الضائعة، فكانت ” أولاد الزنك” و”مأخوذةٌ بالموت” و”صلاةٌ من أجل تشرنوبل” و”زمن الأشياء المستعملة” لتنهي بعد ذلكَ حقبةَ الأيام السوفييتية بكتابِها “نهايةُ الانسان الأحمر”.

تتحدَّثُ سفيتلانا أليكسيفيتش عن الأهم تاركةً المُهم في قارب رواية الريبورتاج، فالروايةُ الأدبية عندها هي تحقيقٌ صحافيٌّ موسَّع يتَّخِذُ من بناء التقارير الاستقصائية هيكلاً عاماً له، لتتناول من خلالِهِ ذلكَ الرعب المستتر في بنيةِ العقد الاجتماعي خلال الحقبة السوفييتية مُعتمِدَةً على الكوارث الإنسانية والطبيعية مادةً للحكي في الممنوع.

شعرتُ بالأسى وأنا أتصفَّحُ موقع سفيتلانا أليكسيفيتش على الشبكة العنكبوتية لحظةَ إعلان فوزها بجائزةِ نوبل، تناثرت على واجهةِ الحاسبُ الآلي أغلفةُ رواياتها مطرَّزةً بأبجديات مختلفة غابت عنها حروف اللغة العربية، نحنُ أبطالُ الحكايةِ التي لم تتحدَّث عنا في أعمالها، فقد كنَّا ضحايا للاتحاد السوفييتي ومنظومته في ترسيخ الدكتاتوريات العربية، غابت نهائياً لغتنا العربيةُ عن متن الحكايةِ الإنسانية عند سفيتلانا ولكننا اكتفينا fبأن نكونَ جمهوراً يحاولُ فكَّ أحرُف اللغات العالمية.

14