سفير سعودي جديد في بيروت

الجمعة 2016/08/26

بسبب الإجازة الطويلة التي يقضيها السفير علي عواض عسيري خارج لبنان، تكاثرت الشائعات وتوالدت، فهناك من زعم أن المملكة ستخفض تمثيلها الدبلوماسي، وهناك من تحدث عن سفير جديد.

الحديث عن تخفيض التمثيل الدبلوماسي غير صحيح مبدئيا ونظريا ما لم يصدر بذلك إعلان رسمي صريح. لكن جرت العادة أن يتولى القائم بالأعمال (نائب السفير) رئاسة البعثة لحين تعيين سفير جديد، أي أن ما ظنه البعض تخفيضا للتمثيل هو في حقيقته إجراء تقني روتيني، هذا في حال صح أصلا رحيل السفير الراهن. وحسب ما تواتر من أخبار، فإن وزير الخارجية عادل الجبير عين بالفعل قائما جديدا بالأعمال هو وليد بخاري، وكان المنصب شاغرا بسبب وفاة شاغله السابق (ماجد الشراري) قبل أشهر.

هل سيغادر السفير عسيري أصلا؟ نظريا يفترض أن ينتهي التمديد الخاص به قريبا، وقد بدأت بعض الأوساط في التكهن بهوية خليفته، وبدأت قائمة المرشحين بوزير الزراعة السابق وليد خريجي، وهو سفير المملكة في هولندا (2002 – 2009)، تولى وزارة الزراعة في الشهر الأخير من عهد الملك عبدالله، وهو الآن عضو مجلس الشورى. وورد كذلك اسم السفير رائد قرملي، وهو سفير المملكة في إيطاليا ومن أكثر الشخصيات قربا من الأمير الراحل سعود الفيصل. وورد أيضا اسم السفير عادل مرداد، وهو سفير المملكة في تركيا. وتضمنت القائمة اسم سفيرين ارتبطا بباكستان، عبدالعزيز الغدير سفير المملكة السابق، وعبدالله الزهراني السفير الراهن الذي وصل إلى باكستان من لبنان. وآخر الأسماء، الأستاذ رحاب مسعود الذي يعد اليد اليمنى للأمير بندر بن سلطان. وكل اسم في هذه اللائحة فيه إيجابيات لافتة، مع ضرورة لفت النظر إلى مفاجآت صاحب القرار السعودي الذي يقلب الطاولة، في نهاية المطاف، على كل التوقعات ليفاجئنا باسم مغاير تماما.

ما أريد قوله أن اسم السفير لا يؤثر بقدر تأثير سياسة الدولة التي يمثلها، فالدولة هي الأساس والشخص المختار عامل مساعد.

يتحدث لبنانيون وسعوديون كثيرا عن الفترة الذهبية للسفير عبدالعزيز خوجة في لبنان، وهم بذلك ربما يظلمون السفير عسيري، فالظرف الذي جاء فيه خوجة مغاير تماما للظروف التي عاينها عسيري، وطريقة المملكة بين السفيرين اختلفت في التعامل مع الظروف المتباينة.

لا يمكن إنصاف فترة السفير عسيري من دون قراءة نقدية للسياسة الخارجية السعودية نفسها.

في زمن خوجة كانت المملكة متفرغة لمواجهة إيران وعملائها في لبنان، ولا يمكن إنكار أن المملكة حققت انتصارات ساحقة في تلك المرحلة. وفي عهد عسيري تراجعت أولوية لبنان في السياسة السعودية بسبب اشتعال الربيع العربي وتفجر الحدود المحيطة بالمملكة مباشرة، لكن الخطأ الفادح الذي ارتكبته المملكة أنها أهملت لبنان بشكل شبه كامل، وهو ما ندفع ثمنه اليوم.

هناك نزعة لمستها في الصحافة السعودية وعند البعض من الصفوف المتوسطة من صناع القرار السعوديين، مضمونها معاداة الاهتمام بلبنان بذريعة أن هناك ما هو أهم، والحقيقة أن هؤلاء لا يفقهون في السياسة شيئا، وسأتناول الموضوع من زاوية مصلحية صرفة، فما دام هناك ميليشيا إرهابية معادية للمملكة تسمى (حزب الله) تتخذ من بعض لبنان مقرا لها، فلا بد من استهداف هذه الميليشيا في عقر دارها، والاستهداف المقصود أمني وسياسي معا، ما الفائدة من قرار تتخذه الجامعة العربية أو مجلس التعاون الخليجي يصنف الحزب الإلهي منظمة إرهابية من دون ترجمته إلى سياسة هجومية تلاحق الحزب في كل مكان، وأهم مكان هو لبنان، والدليل على ذلك هو حديث وزير الخارجية عادل الجبير قبل أشهر، بأن تفجير الخبر في تسعينات القرن الماضي ساهمت في تنفيذه عناصر من حزب الله انطلقت من لبنان، وهذه الأيام يشهد القضاء السعودي محاكمة شبكة تجسس وإرهاب تتبع إيران والحزب الإلهي. هذا البعض مما حصل والحزب الإلهي لا يسيطر على لبنان كله، فما بالكم لو سقط لبنان بالكامل في يده؟

في الماضي كنا نشكو بأن حزب الله دولة داخل الدولة، واليوم، بسبب أخطاء البعض من السـاسة المحليين، وبعض الإهمال السعودي، ابتلع الحزب الإلهي جزءا من الدولة اللبنانية، ونحن ندفع ثمن ذلك في غير مكان. عناصر بحزب الله تثير القلاقل في البحرين وفي سوريا وفي العراق، والبعض من تلك العناصر يقاتل جنودنا ويستهدف أرضنا من اليمن، بل أقول بصراحة، إن إهمال المملكة للمواجهة الشاملة ضد حزب الله هو من أسباب الصعوبات التي تواجه السياسة السعـودية الداعمة للثـورة السورية، وهي سياسة تتحرك في نفس السياق المقصود، استئصال النفوذ الإيراني. لاحظوا أنني لـم أتحدث عن العلاقة التاريخية التي ربطت بين المملكة ولبنان، أو بين المملكة وسنة لبنان خصوصا، فهذا الإنشاء العاطفي لا يحظى عندي بالاعتراف، لكني أود طرح سؤال على أعداء الاهتمام السعودي بلبنان: إذا لم يتمتع لبنان بمكانة إستراتيجية في معركة الصراع على العالم العربي والشرق الأوسط، فلماذا تغدق عدوتنا إيران عليه كل الاهتمام وهي أبعد جغرافيا عنه منا؟

وأضيف فوق ذلك، روسيا أبعد جغرافيا من الجميع ومع ذلك تبذل المال والدم من أجل موطئ قدم شرق البحر المتوسط، وحبذا لو أدرك أعداء الاهتمام اللبناني أننا يجب أن نكون حيثما تكون إيران، وبما أننا بدأنا انتهاج سياسة هجومية في غير ملف، فلنتوجه للعمل على استئصال أهم الأدوات الإيرانية، مع ضرورة التأكيد على أن الهدف مواجهة حزب الله وإيران، لا معاقبة لبنان.

من المهم الإشارة إلى أن السفير علي عواض عسيري تولى سفارة لبنان في أصعب ظرف لبناني وأدق ظرف سعودي، وفي ظل هذه المعطيات قدم كل ما أتاحت له قدراته ومناخاته المحيطة والأدوات المتوفرة، وهذه شهادة من شخص عاصر الحضور السعودي في لبنان منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى تاريخه بصورة لم تتح لغيره.

لقد اضطرت المملكة إلى دخول لبنان بعد اغتيال الحريري، ولم تكن وحدها، بل كانت ممثلة لإجماع عربي وخليجي لم يستثن غير قطر التي اختارت في لحظة سياسية خاصة الاصطفاف بجوار بشار الأسد وأحمدي نجاد ورجب طيب أردوغان الذين اختاروا جميعا، في ذلك الوقت، استهداف العرب والخليج من البوابة اللبنانية. ومن الضروري التأكيد على أننا حققنا انتصارات ساحقة ومتتالية غير مرة، من ذلك إخراج البعث السوري من لبنان وإنشاء المحكمة الدولية والانتصار في انتخابات 2005 و2009 وتكبيل حزب الله إلى حد كبير، بالتأكيد حصلت أخطاء في تلك المرحلة، إذ لا وجود لمعصوم من البشر، لكنها لا تقارن بالأخطاء التي تراكمت بعد عام 2011 وتكاثرت في العامين الأخيرين.

ما أتمناه حقيقة أن نفخر بسياستنا الخارجية وبانتصاراتها بدلا من تحطيمها، وفي الوقت نفسه يجب ألا نساوي بين خسارة معركة وخسارة حرب. يجب ألا نكون كلاعب إذا اهتزت شباكه بهدف أو أكثر خرج من الملعب، فالمباراة مستمرة وصعبة وقاسية وتطال أمننا ووجودنا، والبعض من الأهداف سجله الخصم في مرمانا والبعض الآخر سجلناه نحن في أنفسنا. يجب أن ندرك أن عوامل انتصارنا تتفوق بكثير على عوامل فوز خصومنا، المسألة ليست لبنان بحد ذاته إنما الصراع العريض مع إيران التي تحتل عالمنا العربي أصالة ووكالة.

باختصار ربما لا يهم استمرار السفير عسيري أو تقاعده، لا يهم اسم خليفته وخبرته وقدراته، المهم هو السياسة السعودية نفسها.

كاتب سعودي

9