"سفير لدى وادي السيليكون".. دبلوماسية تتجاوز ترامب

في أول قرار من نوعه، كشفت الدنمارك عن خططها لتعيين “سفير رقمي” لتنسيق الأمور مع بعض أكبر شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون، ما ينبئ بقرب تحول الشركات الضخمة على غرار فيسبوك وأبل وألفابيت إلى “دول” مع تزايد نفوذها الاقتصادي والسياسي.
الثلاثاء 2017/01/31
دولة وادي السيليكون

كوبنهاغن- أكد أندرز سامويلسين وزير خارجية الدنمارك، خلال مؤتمر عن مستقبل خدمات الخارجية، نهاية الأسبوع الماضي، أن بلاده ستصبح أول دولة في العالم تعين سفيرا رقميا خاصا، مهمته توثيق العلاقات مع شركات التكنولوجيا العالمية. ويعكس القرار زيادة نفوذ شركات التكنولوجيا الكبيرة. وفي بعض الحالات، يكون لعمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون، مثل شركات أبل ومايكروسوفت وغوغل، نفوذ اقتصادي أكبر، أو أثر أكبر في الحياة اليومية للدنماركيين العاديين، مقارنة ببعض الدول التي يكون للدنمارك فيها سفراء تقليديون.

وقال وزير الخارجية إن “الشركات مثل نوع جديد من الأمم، ويجب أن نكون على اتصال بها”. وتابع “نحن بحاجة إلى تعزيز قدرتنا على التواصل مع هذه الشركات، وتعيين سفير يمكن أن يسهم في هذا”. ونقلت الصحيفة عن باحث قوله إن التعيين سيكون “رمزيا”، نظرا إلى أن الدبلوماسي لن يكون معه طاقم دعم. وكان عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك أعلن، أخيرا، عن خطط لإنشاء مركز أوروبي جديد للبيانات، في وقت استثمرت شركة أبل الأميركية عام 2015 ما قيمته مليون دولار في مركز بيانات في “فيبورج” غرب الدنمارك.

وترى مجلة “فورين بولسي” الأميركية، أن هذا المنصب الجديد الذي لم يتم تعيين سفيره بعد، سوف يفتح خطا دبلوماسيا دنماركيا جديدا لدى الولايات المتحدة يتجاوز واشنطن، وهو الأمر الذي ربما يكون مفيدا نظرا إلى آفاق العلاقات الأميركية الأوروبية المتوترة في ظل حكم الرئيس دونالد ترامب. ويقول خبراء استراتيجيون إن الدول الأوروبية قد تحذو حذو الدنمارك.

ويعيش العالم اليوم عصر الثورة الرقمية بامتياز. ولا شك أن أهم رموز التكنولوجيا الرقمية في الحقبة الراهنة يتمثّل في وادي السيليكون الذي يمتد على مسافة 40 كيلومترا في جنوب شرق سان فرنسيسكو بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية. هذا فضلا عن أنه غدا مرادفا في الأذهان لمركز التجديد التكنولوجي الأكثر فاعلية على الصعيد العالمي.

المنصب الجديد سيفتح خطا دبلوماسيا جديدا لدى الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب

وقام وادي السيليكون منذ الأصل كـ”أحد المراكز الأساسية للرأسمالية”، لكنه تحوّل خلال الثلاثين عاما الأخيرة إلى نوع من “المنظومة الليبرالية التكنولوجية” التي تمدّ نشاطاتها لتطال العالم أجمع. يذكر أن تقريرا حديثا نشرته صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، جاء فيه أن القيمة السوقية للشركات الضخمة في قطاع التكنولوجيا مثل غوغل وأبل باتت ضخمة إلى درجة أن إيراداتها تقترب من الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الدول، مما يؤهلها للانضمام إلى منتدى مجموعة العشرين G20 الذى يضم أغنى 20 دولة في العالم.

وبحسب دراسة أجريت العام الماضي، وعرضت نتائجها صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، كان لأبل أكبر نصيب من الأرباح، فقد جنت 18 مليار دولار في الربع الأخير من العام الماضي، بينما شركة مايكروسوفت وصلت أرباحها إلى 5 مليارات دولار خلال نفس الفترة، أما فيسبوك فقد زادت أرباحها من 3.85 مليار دولار في بداية عام 2015 إلى 5.84 مليار دولار في الربع الأخير من العام.

أما آلفابت فتربعت على عرش الشركة الأغلى في العالم، إذ بلغت قيمتها في السوق 547.1 مليار دولار، وقد تفوقت بذلك على شركة أبل التي تبلغ قيمتها 529.3 مليار دولار. اجتماعيا، تمثل فيسبوك جزءا أساسيا من النسيج العالمي، فلديها 1.6 مليار مستخدم حول العالم، وهو عدد أكبر من سكان أي دولة، فضلا عن 800 مليون مستخدم لتطبيق مسنجر، ومليار مستخدم لواتس آب و400 مليون لإنستغرام، وجميعها خدمات تابعة لشركة فيسبوك.

وتتوغل الشركات التكنولوجية اليوم داخل تفاصيل حياة البشر اليومية. وتحدث أستاذان بجامعتي تينيسي وأوكسفورد هما موريس ستاك وأرييل إزراتشي في مقال بحثي عن منح الحكومات شركات تكنولوجية هيمنة غير محدودة للتحكم بالعديد من المجالات. وطفت على السطح مؤخرا خلافات بين الرئيس الجديد دونالد ترامب ومنصات التكنولوجيا. واستنكر مدراء شركات أميركية قرار ترامب، بشأن اللاجئين.

ومن أبل، وغوغل، وفيسبوك، إلى مايكروسوفت وغيرها من شركات وادي السيليكون، كان الموقف واحدا، وهو أن الحد من الهجرة يضر بالموظفين وبالابتكار. فهل تصبح هذه الشركات “دولا” قائمة بذاتها تقبل سفراء من الدول وتمنح فيزا لطالبي الشغل بعيدا عن السلطة السياسية لواشنطن. كان الرئيس التنفيذي لفيسبوك مارك زوكيبرغ قال خلال النسخة الماضية لمؤتمر الشركة للمطورين “لقد انتقلنا من عالم المجتمعات المعزولة إلى مجتمع عالمي.. آمل أن تكون لدينا الشجاعة لنرى أن الطريق إلى الأمام هو جمع الناس معا، وليس تشتيتهم”.

19