سفينة عُمان تبحر من دون ربانها في محيط مضطرب أمنيا واقتصاديا

الجمعة 2015/01/09
السلطان قابوس طبع التاريخ الحديث للسلطنة بكل تفاصيله

لندن - غياب السلطان قابوس مطوّلا عن عمان بدأ ينعكس قلقا بالساحة الداخلية اعتبارا لمحورية دور الرجل في الدولة، والحاجة الماسّة إليه في هذه الفترة بالذات وما يميّزها من تقلّبات اقتصادية وأمنية.

بدأ غياب السلطان قابوس المستمر منذ ستة أشهر عن سلطنة عمان يثير القلق والتساؤلات نظرا لمحورية دوره الذي طبع التاريخ الحديث للسلطنة بكل تفاصيله.

ومما يضاعف القلق في السلطنة تزامن غياب السلطان قابوس مع مرحلة حرجة إقليميا تتميز بتعقيدات أمنية، فضلا عن أزمة الانحدار السريع لأسعار النفط.

ويرى دبلوماسيون تحدثت إليهم وكالة فرانس برس أنه في ظل عدم وجود رئيس للوزراء وفي ظل غياب مطول للسلطان البالغ من العمر 74 عاما والذي يحكم السلطنة منذ 44 سنة، فإن مشكلة الفراغ في السلطة ستكون مطروحة.

وقال دبلوماسي غربي يعمل في مسقط إن: “السلطان يمسك بجميع الصلاحيات التنفيذية، وفي غيابه تتعطل عملية اتخاذ القرار”. فالسلطان هو رئيس الدولة ورئيس الوزراء ووزير الدفاع والداخلية والخارجية والمالية لبلاده.

ومع ذلك يقر مراقبون بعدم وجود مشاكل فعلية ظاهرة على السطح إلى حدّ الآن في تسيير شؤون الدولة داخليا، وإدارة علاقاتها خارجيا، الأمر الذي يفسر حسب هؤلاء بأحد أمرين؛ أوّلهما أن السلطان قابوس مازال يشرف عمليا على شؤون الدولة من مشفاه بألمانيا، وثانيهما أن فريق العمل وطاقم الحكم الذي وضعه السلطان نفسه يحافظ على تناغمه وتماسكه، ويلتزم النهج السياسي المرسوم من قبل السلطان طيلة أكثر من أربعة عقود في الحكم، ما يعني أن بصمات الرجل من الرسوخ بحيث تظل ماثلة رغم غيابه.

وكان السلطان قابوس غادر الى ألمانيا في التاسع من يوليو “لإجراء فحوصات طبية” بحسب ما أُعلن رسميا. ومنذ ذلك التاريخ ظهر مرة واحدة في الخامس من نوفمبر الماضي في كلمة مصورة مقتضبة وجهها الى شعبه ليبلغهم بأسفه عن عدم تمكنه من حضور احتفالات اليوم الوطني.

وقال الدبلوماسي إنه “من خلال هذه الرسالة المصورة، أراد السلطان أن يؤكد بأنه مازال يمسك بزمام الأمور في بلاده، وبأنه مستمر في إصدار الأوامر السلطانية من مكان إقامته في الخارج”.

إلاّ أن دبلوماسيا ثانيا قال إنه لا يمكن لأحد أن يتخذ قرارات مكان السلطان مشيرا إلى تسجيل تباطؤ في الحركة الاقتصادية ما قد يزيد من المخاطر الناجمة عن تراجع أسعار النفط بنسبة 55 بالمئة، مع العلم أن العائدات النفطية تمثل 79 بالمئة من العائدات العامة للسلطنة.

وتبنت الحكومة العمانية ميزانية للعام 2015 تتوقع عجزا بمقدار 6.47 مليار دولار، أي ما يوازي 8 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. ويمثل الإنفاق الجاري 68 بالمئة من الموازنة مقارنة بـ23 بالمئة للإنفاق الاستثماري.

آلية انتقال السلطة في عمان
◄ يقرر مجلس الأسرة الحاكمة من يخلف السلطان خلال ثلاثة أيام من شغور المنصب.

◄ إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق تفتح وصية سرية تحتوي على اسم حدده السلطان قابوس في مغلف مغلق.

◄ يتم فتح الوصية بحضور مجلس الدفاع المؤلف من كبار ضباط الجيش ورئيس المحكمة العليا ورئيسي غرفتي البرلمان.

والسلطنة غير العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط تنتج حوالي مليون برميل يوميا فيما يبلغ عدد سكانها حوالي أربعة ملايين نسمة بينهم 1،8 مليون أجنبي يتحدرون بنسبة كبيرة من جنوب آسيا.

وإدراكا منهم لتداعيات تباطؤ الاستثمارات على النمو الاقتصادي للسلطنة، يسعى المسؤولون العمانيون بصعوبة لتنويع الاقتصاد. وشهدت السلطنة نقاشا مطولا العام الماضي حول إمكانية فرض ضريبة بنسبة 2 بالمئة على التحويلات المالية للعمال الأجانب، ثم تم التخلي عن هذا الاقتراح. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن التحويلات المالية إلى الخارج بلغت 7.2 مليار دولار في 2013.

وقال الدبلوماسي الأول إنه: “بالرغم من التصريحات المطمئنة التي تقلل من أهمية تراجع أسعار النفط، إلاّ أنّ المسؤولين العمانيين يخشون من تباطؤ الاستثمارات ما قد يؤدي إلى تعليق مشاريع البنية التحتية الكبيرة”. وأشار بشكل خاص إلى مشروع ميناء الدقم الذي أطلق في 2008 بكلفة تصل إلى عشرات مليارات الدولارات.

ورغم المصاعب الاقتصادية والغموض حول الوضع الصحي للسلطان قابوس، يستبعد مراقبون إمكانية حصول اضطرابات جديدة في السلطنة على غرار تلك التي حدثت عام 2011 وأسفرت عن مقتل اثنين من المتظاهرين الذين كانوا يحتجون بشكل خاص على الفساد والبطالة. وكان لشخصية السلطان قابوس حينها الدور الأكبر في تجاوز تلك الهزّة حيث سارع إلى إجراء تعديل وزاري واسع وأبعد وزراء متّهمين بالفساد كما أعلن عن خلق خمسين ألف وظيفة وعن مساعدات للعاطلين عن العمل فضلا عن تدابير اجتماعية أخرى.

كذلك بدأت تروج التساؤلات بشأن انتقال السلطة بسلاسة في البلد المعروف بهدوئه. ورغم تأكيد وزير خارجية عمان، يوسف بن علوي، في تصريح له منذ أشهر على أنّه لا يوجد قلق في عمان بشأن انتقال السلطة، لافتا إلى أن بلاده أصبحت دولة مؤسسات، والاحتكام للمؤسسات هو الأصل، وهذه المسائل لها مسار واضح في الأسرة الحاكمة، إلاّ أنّ هناك مخاوف تساور العمانيين والمراقبين من أمرين: الأول أن لا يكون الخليفة المرتقب على نفس كفاءة السلطان الذي شهدت البلاد في عهده نقلة نوعية وتطورات على مختلف الأصعدة. والأمر الثاني التخوف من نشوب صراع على الحكم بين أفراد الأسرة الحاكمة.

ونظام الحكم في عمان بحسب وثيقة النظام الأساسي للسلطنة: “نظام سلطاني وراثي في الذكور من ذرية السيد تركي بن سعيد بن سلطان، الجد الثالث للسلطان قابوس، ويشترط في من يختار لولاية الحكم من بينهم أن يكون مسلما رشيدا عاقلا وابنا شرعيا لأبوين عمانيين مسلمين”.

وتنطبق هذه الشروط على العشرات من أبناء الأسرة الحاكمة في عمان، إلاّ أن من بين هؤلاء جميعا يبرز خمسة مرشحين لخلافة السلطان قابوس من أبناء عمّه طارق وهم: أسعد ممثل السلطان والبالغ من العمر 64 عاما، وشهاب مستشار السلطان والبالغ من العمر 60 عاما، وهيثم وزير التراث والثقافة وهو في الخمسينات من العمر، وفهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء ويبلغ من العمر حوالي سبعين عاما، إضافة إلى الشاب البالغ من العمر 33 عاما تيمور بن أسعد بن طارق آل سعيد، ويشغل حاليا خطة الأمين العام المساعد للاتصالات والهوية المؤسسية بمجلس البحث العلمي.

3