سقراط المشوه وباسكال المقعد وأبوقراط الأعرج.. اهتموا بالجمال

الاثنين 2013/08/19
البولندية ناتاليا بارتيكا بطلة تنس الطاولة

ترجع أصول كلمة «الهاندي كاب» (أي الإعاقة) إلى لعبة إنكليزية كانت تقتضي ملء قبعة بأشياء قيِّمة، ثم يتم الاحتكام إلى شخص أعمى يضع يده بداخلها لجلب الحصة المُقدرة. فكانت كلمة «Hand in Cap» بمعناها اللفظي «يد داخل القبعة». بعدها، تعلق الأمر بمجال السباق، حيث كانت تضاف حمولة لتكافؤ الفرص بين الخيول.

كان حريا أن يحظى اشتقاق كهذا بالتفاتة من الفلسفة. لكن، باستثناء أعمال ميشال فوكو حول الجنون، فقد تجاهل فكر القرن العشرين مسألة الإعاقة. من هنا تتجلى أهمية عمل بيرتران كونتان (Bertrand Quentin).

كانت الفلسفة دائما مناصرة لـ»تحسين النسل». مع ذلك، فقد كان سقراط مشوها، باسكال شبه عاجز عن المشي، وكان أبوقراط الأعرج يقول: «مهمتك أن تلعب دور الشخصية التي منحت لك، أما أن تختارها فتلك مهمة أحد آخر». من منظور آخر: هل يصح قول المفكرين النفعيين الأنغلوساكسون أمثال بيتر سانجِر، أن فاقد العقل ليس إنسانا؟ كان ليبنيز (Leibniz) يرُد على ذلك بأن الفكر لدى الأحمق إمكانية تجدر حمايتها. وكذا قول العرب المأثور: «تؤخذ الحكمة ولو من أفواه المجانين».


إعادة تفكير


تحت عنوان «الفلسفة في مواجهة الإعاقة»، صدر بمنشورات «إيريس» (Erès) مؤلف لـبيرتران كونتان ضمن سلسلة «معارف التعددية» التي يشرف عليها شارل غاردو (Charles Gardou) بجامعة ليون الفرنسية.

أشار روبير ماجيوري (Robert Maggiori) في تعليق له حول هذا المؤلف الذي اعتبره الرائد في مجاله عن جدارة واستحقاق، أنه: «برفضه لأي مقاربة لـ»المذهب الطبيعي» الذي كان يرى الإعاقة أساسا كـ»الشيء الذي ينقص» مجموعة عضوية، فهو يقترح أنتروبولوجيا فلسفة يلزمنا المعاق من خلالها أن نعيد التفكير في ماهية الإنسان». (جريدة «ليبيراسيون» بتاريخ 13 يونيو 2013).

يلزم المعاق الفلسفة أن تعيد التفكير في ماهية الإنسان.

كان أفلاطون يتساءل: «إذا كانت الحياة تستحق العيش بجسم ممزق ومدمر».

كان يحدثنا عن مجتمع لم يكن على استعداد للنظر إلى وضعية المعاق. لكن الفلسفة ليست معرفة ميتة. بل هي ممارسة يجب تنشيطها باستمرار.

لا يكتفي بيرتران كونتان بإعطاء الكلمة لأعظم الفلاسفة في التاريخ، إنه يجازف باقتراح مفاهيم جديدة (التقمص العاطفي الذاتي، التعويضات غير اللائقة..) ويطرح أسئلة محرجة: هل الشخص الذي لا يفكّر إنسان؟ هل يستطيع الطب إيجاد حلول للإشكالات التي يطرحها المعاق؟ لماذا نخشى التشابه مع الشخص المعاق أكثر من الاختلاف عنه؟

«ما هو المعاق؟ هو الذي يُطَمئن المشاهد عن طبيعته الخاصة وعن هويته الراسخة. إن الذي يريد أن يتجاوز نظرة الفضولي بإمكانه رؤية صورته معكوسة في الشخص ذي الإعاقة. إن هويتنا هي مكسب أكثر هشاشة مما تبدو.


إعاقة ساذجة


لنكن إذا منفحتين على الهشاشة التي هي قريبة جدا منا. الشخص المعاق يكشف فقط بموضوعية أحد الوجوه الممكنة للغرابة. إنه يوفر في الوقت نفسه، فرصة لكل واحد منا أن يعترف بنصيبه من الغرابة». هكذا قال بيرتران كونتان.

أخيرا، في تحليله لردود الفعل تجاه الإعاقة، ينقل بيرتران كونتان ملاحظة جهر بها شخص سليم من وراء ظهر شخص مشلول: «أفضل الموت»، فبكى المشلول من الغيظ. بإزاء ما يتعذر فهمه، هناك ثمة نوع آخر من الإعاقة يهددنا: البلادة.

16