سقراط شهيد الفلسفة الذي برأته أثينا أخيرا

الثلاثاء 2014/09/02
لوحة "موت سقراط" لجاك لويس دافيد (1786)

“سقراط مدان بارتكاب الجريمتين الآتيتين، أولا: إنه لا يعبد آلهة المدينة، بل يعبد آلهة من عنده. ثانيا: إنه يضلل الشباب ويفسدهم. وعقوبة ذلك هي الإعدام”.

هذا هو الاتهام الذي وجده سقراط موجها إليه، وهو يجول كعادته في أسواق أثينا -التي منيت حينها بالهزيمة بعد حربها “البلوبونيز” التي خاضتها مع أسبارطة- بعينيه الجاحظتين وشفتيه الغليظتين وقدميه العاريتين دائما، حيث يقف طويلا شاردا أمام أبواب أحد المحال ليقول بعدها: “لا أريد شيئا من هذا”، ويمضي بعدها ليؤدي واجبه اليومي وهو نشر الحكمة.

الحكمة التي لطالما ادّعى طيلة حياته أنه لا يمتلكها، فقد كان دائم القول: “أنا لا أعرف غير شيء وحيد، وهو أني لا أعرف شيئا”. “مُنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض” كما وصفه نيتشه. واجه تهمته بكل قوة وحكمة واتزان، وقف يدافع عن نفسه غير ذليل وغير طالب العطف من أحد.

رافضا جلب أطفاله إلى قاعة المحكمة حتى لا يشفق عليه القضاة، برؤية أطفاله يبكون أباهم فينزلوا له من عقوبة الإعدام. لقد كان بمقدوره أن يغير من عقوبة الإعدام باستبدالها بالنفي مثلا.

فقد جرت العادة في أثينا أن يقترح المدعي حكمه والمدعى عليه حكما، ثم ترى المحكمة بعد ذلك رأيها. فضلا عن قدرة بعض أثرياء أثينا ومن بينهم تلميذه أفلاطون على رشوة السجان وتهريبه من السجن.

ولكن سقراط أبى ذلك واعتبره جبنا، ورأى أن موته قد حان وأن الآلهة التي اعتاد سماع إشارتها والتي لا تنفك عن إرسالها، لم تقم بهذه المهمة أثناء معرض دفاعه عن نفسه أمام متهميه، ولعل ذلك على حد تعبيره خير لا شر فيه.

لذلك آثر الموت ولم يزل صحيح البدن على الرغم من تقدمه في السن، على أن تمتد به الحياة فيطعن في السن وتنحل قواه، وهو الذي كان يزهو دائما بقدرة بدنه على احتمال المشاق، وهو الحائز على جائزة الشجاعة في الحرب، ولم يكن بمقدور أحد غيره في أثينا أن يسير عاري القدمين فوق الجليد في غمرة الشتاء القارس.

شهيد الفلسفة، سقراط، لقد تنبأ بالعار والخزي لمن وجه إليه التهم ولمدينته أيضا، وأنه سيأتي جيل من بعده ويكمل مسيرته التي بدأ بها، وكانت كلماته الأخيرة التي نطق بها بعد صدور الحكم بالإعدام: “ليست المشكلة يا قضاتي في أن ننجو من الموت، بل في النجاة من الجريمة، لأن الجريمة أحث من الموت خطوة وأسرع بنا لحاقا، لقد لحق الموت بي ولكن الإثم لاحق بمن وجهوا إليّ التهمة.. وسألقى أنا عقابي كما سيلقون عقابهم”. في مشهده الأخير من الحياة، كان قد زاره طلابه في السجن وهم يستمعون إلى معلمهم، وهو يتحدث عن الخلود والموت والحياة، جاءه السجان وفي يده السم، وطلب منه أن يشربه وهو (السجان) يجهش بالبكاء، وكذلك كان حال تلاميذه.

فطلب سقراط من الجميع الهدوء ليموت بدعة وسكينة، فكان له ذلك، من ثم أخذ يشرب من شراب (الشوكران) ليستلقي بعدها على السرير، وينظر إلى طلابه نظرة أخيرة.

نعم أيها الحكيم، لقد صدقت نبوءتك وكان حكمك بالإعدام وصمة عار في تاريخ الفلسفة الأوروبية، وطعنة في ديمقراطية أثينا، والتي أصدرت بحقك منذ فترة ليست ببعيدة حكم البراءة، ولكنها للأسف جاءت متأخرة كثيرا وغير شافعة لهذا الفعل المجحف.

14