سقطات المرزوقي في السياسة والحريات والرئاسة

المنصف المرزوقي يعد في حال فوزه بالرئاسة برمي  مشروع قانون المساواة في سلة المهملات.
السبت 2019/08/31
هل السّلطة وكرسي الرّئاسة يستحقّان فعلا أن يتنكّر المرزوقي لمبادئه وثوابته؟

حريّة المرأة وحقوقها في تونس ليست وليدة الصّدفة ولا بدعة ولا هي بالأمر المستحدث. طبعا هذه الحقيقة معلومة وراسخة عند القاصي والدّاني في تونس والمنطقة العربية والعالم بأسره. لكن، ملفّ المرأة  صار اليوم ورقة مساومة يلقي بها بعض السياسيين تقرّبا من الناخبات.

الأدهى من ذلك هو أن يحوّل بعضهم قضايا المرأة إلى حطب على أمل أن يوقد به مشاعر المحافظين والمتشددين كما فعل الرئيس الأسبق والمرشح لرئاسية 2019 السابقة لأوانها المنصف المرزوقي.

خلال مشاركته في برنامج “تونس اليوم” على محطة تلفزيونية تونسية خاصة، قال المرزوقي إن قانون المساواة في الميراث اغتصاب لهوية الشعب وتعدّ صارخ على دينه ومقدساته. وقال إنه لو فاز برئاسة الجمهورية فسوف يرمي بهذا القانون “في سلة المهملات”.

هذا التّصريح وإن أحدث صدمة لدى الكثير من التونسيين وجعلهم يتساءلون عن سرّ هذه الغلظة في التّعبير وقلّة الذّوق في تناول موضوع يهمّ أكثر من 50 بالمئة من المجتمع التّونسي، وهي نسبة الإناث بحسب المعهد الوطني للإحصاء، فهو لا يعدّ مفاجأة فعلا بل هو أمر متوقّع بعد أن أدار المرزوقي ظهره للحقوقيين في البلاد وارتمى في أحضان الإسلاميين وأنصارهم في تونس وقطر وتركيا وغيرها من بقاع العالم.

تصريح المرزوقي ضدّ المساواة أيضا يندرج ضمن قناعته بأنّ المرأة التوّنسيّة لن تمنح له صوتها في هذه المرّة كما فعلت في 2014 عندما صوّتت بكثافة لمرشّح العائلة التقدميّة الوسطيّة آنذاك الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. ولعلّه كذلك بموقفه الأخير أراد أن يذكّر التونسيّات بأنّه لم يكن في الماضي القريب، ولن يكون حتّى في المستقبل البعيد جديرا بأصواتهنّ وثقتهنّ كمواطنات متساويات في الحقوق والواجبات مع الرّجل التّونسي ويلعبن بذلك دورا محوريّا في تحديد مستقبل البلاد والرقيّ بها.

المرزوقي لم يفلح ببساطة لا في السياسة ولا في الحقوق ولا في الرّئاسة ولا في أيّ مهمّة حاول أن يقوم بها وهذا ما يجعله اليوم يبحث عن موطئ قدم هنا أو هناك علّه يستبدل فشله بنجاح أو أفول نجمه بشيء من الاهتمام بغضّ النّظر عن الثّمن أو ما يمكن أن يحفظه له التّاريخ من مواقف مخزية.

وقد بات من الواضح أنّ للمرزوقي حساباته التّي عوّدنا على أن تكون مغلوطة في كلّ مرّة والتّي تعوّدنا على قبولها والتّغاضي عنها من باب عدم الاهتمام أو ربّما من باب احترام الرّأي الآخر والقبول بالاختلاف. لكنّ تصريحه الذّي صدح به بخصوص مسألة المساواة قد يتحوّل، وأظنّه سيتحوّل، إلى ضربة قاضية تذكّر الرّجل بأنّ حظوظه في هذه الانتخابات ضعيفة جدّا إن لم تكن منعدمة تماما.

وعند الحديث عن الحظوظ، يمكننا القول إنّ المرزوقي في هذه المرّة لم يكن محظوظا بالمرّة وذلك لسببين اثنين: لا شيء سرّا في عصر الإنترنت وكلّ الأخبار والتّصريحات محفوظة بتواريخها، أما عن السبب الثاني فهو وجود شخصيّات نسويّة مازالت تتذكّر وتقول وتصدح هي أيضا.

ولغاية التّذكير فقط، يمكن لكلّ متصفّح للشبكة العنكبوتيّة العودة إلى تصريحات الرّجل في 2011 عندما دعا كرئيس لحزب المؤتمر وقتها إلى المساواة في الميراث بين الجنسين ممّا أثار حفيظة الإسلاميين الذين اتّهموه بخرق ما يسمّى باتفاق 18 أكتوبر الذي تمّ توقيعه مع حركة النهضة الإسلاميّة في 2005.

وفي الإنترنت أيضا سيجد المتصفّح باقة من الأخبار تعود إلى سنة 2017 وتنقل بأمانة تدوينة للمنصف المرزوقي على صفحته الرّسميّة في فيسبوك يهاجم فيها الباجي قائد السّبسي ويقول حرفيّا، “لن أنجرّ للّغط الحالي الذي أثاره قصدا قائد السبسي، فموقفي الحقوقي من القضية – كما من قضية عقوبة الإعدام- مصرّح به منذ عشرين سنة عندما كان الرجل لا يفتح فمه في أي موضوع”.

وهنا أستوقف القارئ لحظة ليتأمّل في القول وفي مدى شجاعة الرّجلين: أحدهما -رحمه الله- قال وفعل وفتح فمه وناقش وتحلّى بالمسؤوليّة حتّى آخر لحظة في قصر قرطاج والثّاني زايد على الأوّل وادّعى أنّه حقوقي قبل التّاريخ بتاريخ وعاد بعد سنتين ليغيّر موقفه ويستبدل كلامه بكلام آخر قد يروق للنّاخبين في معسكر الإسلاميّين والمتشدّدين.

طبعا أقولها وأمرّ بعد ذلك لأستعرض شهادة بعض النسويّات وخاصّة شهادة المناضلة بشري بلحاج حميدة، رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة، التّي كتبت في ردّة على تصريح المرزوقي على صفحتها على فيسبوك مذكّرة الرّجل وأنصاره من المتناسين بأنّه كان قد وقّع على عريضة النساء الديمقراطيات في سنة 1999 للمطالبة بضرورة فتح الحوار حول المساواة في الميراث.

وهنا يأتي التّساؤل: هل السّلطة وكرسي الرّئاسة يستحقّان فعلا أن يتنكّر المرزوقي لمبادئه وثوابته؟

الحقيقة أن الإجابة بسيطة ولا تحتاج وقتا طويلا للتّفكير، فالرّجل قد غيّر مواقفه أكثر من مرّة وأثبت أنّ تعطّشه للسّلطة شديد إن لم يكن مرضيّا. أليس هو من وعد النّاخبين في 2011 بمواجهة الإسلاميين ثمّ تحالف معهم بل ودافع بشراسة على برامجهم ومشاريعهم؟ أليس هو من قال في 2016 إنّ ديمقراطيّة تونس “مغشوشة” ليعود اليوم ويترشّح كمشارك في ما يسمّى باللعبة الديمقراطية؟

على كلّ، لم تعد المبادئ مبادئ بالنّسبة للمرزوقي ولا حتّى الثّوابت ثوابت وهذا يضرب وبصفة آليّة أيّ مصداقيّة له كسياسي ومرشّح للانتخابات الرئاسية في تونس. الأزمة مع الرّجل تحوّلت إلى أزمة ثقة ممّا سيجعل الإسلاميّ والتقدّمي يفكّران ألف مرّة قبل اختياره أو حتّى الدّفاع عنه كمرشّح جديّ لمنصب حسّاس يتطلّب الرّصانة وسداد الرّأي والنّأي بالنّفس عن تصريحات “سلّة المهملات” وما شابهها.

اختار المرزوقي مكانه وصرّح به، عن سهو أو قصد، عندما تحدّث عن “سلّة المهملات” وهاجم مقترحا ينسجم انسجاما تامّا مع الدستور التونسي الذّي ينصّ وبصريح العبارة في الفصل 21 على المساواة بين المواطنات والمواطنين في الحقوق والواجبات، وفي الفصل 46 على مسؤولية الدولة في ضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في جميع المجالات.

أمّا الآن والاستحقاق الانتخابي على الأبواب، نحن كتونسيّات وتونسيّين لا نطلب الكثير ولكن يهمّنا فعلا التزام الرئيس المستقبلي بحماية المكتسبات واحترام الدّستور بالعمل على تطبيق فصوله، لا أكثر ولا أقلّ. أو لعلّنا نريد أكثر من ذلك قليلا، فلا ضير إن احترمنا الرّئيس القادم أيضا، نساء ورجالا، بعيدا عن الحسابات السياسيّة الضيّقة واللّعب على المشاعر الدينيّة.

7