سقطة شاملة تهشم الطواحين

الأحد 2017/10/22

يتأهب عشاق كرة القدم بكل لهفة وتوق لقدوم العام الجديد، فهو عام المونديال وعام متابعة أقوى تجمّع كروي على الإطلاق. فشغف المولعين بالكرة الفاتنة لا يكتمل أبدا إلا عبر متابعة كل فصول وتفاصيل كأس العالم التي تحبس الأنفاس على امتداد شهر كامل مرة كل أربع سنوات.

ففيها من السحر والتألق والإبداع والمفاجآت الشيء الكبير. ففي كأس العالم يتجمع كل النجوم واللاعبين الموهوبين وكذلك المنتخبات الخبيرة منها والطموحة، والجميع يريد ترك بصمة سيخلّدها بلا شك التاريخ المجيد لهذه المسابقة الكونية.

ومنذ أيام وقف العالم مترقبا بخوف كبير المنتخب الأرجنتيني، فهذا المنتخب “لعب بالنار” وكاد يغيب عن المحفل العالمي، والجميع لا يريد أن يكون “عرس الأربعة أعوام” يمر دون أن يكون منتخب “التانغو” حاضرا. لكن في النهاية نجح منتخب ميسي في تحقيق مبتغاه وطمأن عشاق الكرة بأن المونديال الروسي سيكون مكتمل الصفوف بتواجده.

لكن في هذا الخضم، سيكون أحد “أبطال” عدة نسخ سابقة في المونديال غائبا بارزا، فمنتخب “الكرة الشاملة” ووصيف نهائي دورة 2010 عصفت به الظروف ليخرج من الباب الصغير ويفشل في ضمان التأهل إلى هذا العرس.

إنه منتخب هولندا الذي عاش على وقع سقطته الشاملة، حيث جعلته يدفع ثمن التهاون وعدم تقدير الأمور بشكل جدي ليكون بذلك أحد أبرز الغائبين عن المونديال المرتقب، ويعلن بهذا الغياب عن نهاية جيل متميز تألق في الدورتين السابقتين لكأس العالم.

لو نعود قليلا إلى الوراء ندرك حتما أن هذا المنتخب حقق نتائج رائعة في عدد من الدورات السابقة، ففي دورة

سنة 1974 أدهش العالم ووصل إلى الدور النهائي بعد مردود رائع وأداء مبهر بطريقة لعب جديدة ليخسر بصعوبة أمام ألمانيا، قبل أن يكرّر الإنجاز ذاته في الدورة الموالية التي كان خلالها المرشح الأبرز لنيل اللقب، لكنه خسر أمام الأرجنتين بطريقة درامية.

وفي تلك الحقبة بدأ الجميع يتحدث عن ظهور أسلوب خططي جديد ابتكره منتخب “الطواحين”، وهو أسلوب يعتمد على الكرة الشاملة، فجميع اللاعبين يشاركون في الدفاع والهجوم والكلّ يساهم في ابتكار نمط لعب متطور أحدث ثورة كبرى في عالم كرة القدم.

وعلى امتداد الأربعين سنة الماضية حقق المنتخب الهولندي بعض النجاحات اللافتة بفضل هذا الأسلوب المتطور، وتوصّل سنة 1988 إلى إحراز لقب بطولة أمم أوروبا، قبل أن يستعيد بريقه منذ ثماني سنوات عندما بلغ المحطة النهائية للمونديال سنة 2010 لكن من سوء حظه خسر في الوقت البديل أمام المنتخب الإسباني.

لكن الأمر الأكثر أهمية في هذا السياق هو أن المنتخب “البرتقالي” كان بمثابة “فاكهة” المونديال في أغلب الدورات السابقة، ومعظم المباريات التي خاضها في النهائيات كانت سمتها الرئيسية والأساسية المتعة والإثارة، فالمستوى الرائع وأسلوب اللعب الجميل اللذين عادة ما يميّزان أداء هذا المنتخب كان يدفعان أغلب متابعي المونديال إلى عدم تفويت أيّ مواجهة يكون منتخب “الطواحين” طرفا فيها.

لقد أمتع هذا المنتخب كثيرا، وكثيرة هي المباريات التاريخية التي خاضها منتخب يوهان كرويف في كأس العالم. ربما قد تستحضر الذاكرة عدة مواجهات لا تنسى وربما كان آخرها في المونديال الأخير عندما قلب زملاء فان بيرسي الطاولة على منتخب إسبانيا وثأروا منه بعد أن دك حصونه بخماسية في مباراة مشهودة.

وفي تلك البطولة تكهّن الكثير بقدرة هذا المنتخب القويّ والفتيّ على بلوغ المحطة النهائية مرة أخرى خاصة وأنه أظهر مؤهلات وقدرات جيدة للغاية، لكن مرة أخرى أسقطه سوء الحظ ولم يحقق مراده رغم وجود لاعبين رائعين مثل فان بيرسي وروبن.

كان الأمل معقودا على تعويض قريب في أورو فرنسا سنة 2016، لكن حصلت المفاجأة الكبرى، فمنتخب هولندا لم يقدر على مجرد ضمان التأهل وغاب عن هذه البطولة بعد أن رشحه المتابعون قبل بداية التصفيات المؤهلة للمونديال إلى نيل اللقب في “بلاد الدب”.

حاول هذا المنتخب “لملمة” جراحه، وانطلق في التحضير لتصفيات مونديال روسيا 2018 بعزم وحرص على تعويض ما فات، لكن كل الأحلام الجميلة بدأت تتحول إلى كوابيس متتالية. فهذا المنتخب تجرّع عدة خسائر مفاجئة جعلته يبتعد عن المراكز الأمامية في مجموعته.

عاش المنتخب الهولندي الذي أدهش فيما مضى من الزمن حالة من الترنح المتواصل، فقد غاب عنه الفكر الخلاق وخانه غياب التخطيط على المستوى الفني حيث عمد لتغيير جهازه الفني أكثر من مناسبة، والأكثر من ذلك أنه افتقد لأسلوبه الممتع خاصة وأن الجيل الجديد من اللاعبين كانت تعوزه عبقرية كرويف وموهبة فان باستن وإصرار روبن الذي تخلف عن بعض المباريات، فعجز الطواحين عن الظهور بأداء مطمئن.

اليوم وقبل أشهر قليلة من الموعد المرتقب سيكون المونديال بلا لون برتقالي مبهج. لن يكون لأصحاب نظرية الكرة الشاملة وجود في هذا الحفل الكبير. فالسقطة الأخيرة هشّمت الطاحونة وبعثرت كل أحلام أحفاد كرويف، الأمر الذي قد يدفع إلى إعادة نظر شاملة لوضع الكرة الهولندية التي يبدو أنها تحلم بمنقذ جديد بعد اعتزال روبن آخر لاعبي “الجيل الذهبي” في هذه البلاد.

كاتب صحافي تونسي

23