"سقطة مهنية" تعجل بهيكلة التلفزيون المصري

بعد الضجة الكبيرة التي أحدثها خطأ التلفزيون المصري ببث حوار قديم للرئيس عبدالفتاح السيسي مع قناة أميركية على أنه الحوار الذي أجراه الثلاثاء مع القناة نفسها، لم يعد ممكنا بقاء الأوضاع في ماسبيرو على حالها، ويبدو أن الإجراءات الحكومية لن تنتهي بإقالة المسؤولين عن الخطأ فحسب.
الخميس 2016/09/22
لم يعد ممكنا التسامح مع الأخطاء الفادحة في التلفزيون الرسمي

القاهرة - أصبح التلفزيون الرسمي المصري على بعد خطوات من إعادة هيكلة شاملة لم تعد تحتمل التأخير أكثر من أي وقت سابق، بعد سقطة مهنية كبيرة وقع فيها ببث حوار قديم للرئيس عبدالفتاح السيسي على أنه الحوار الذي أجراه مع قناة أميركية، الثلاثاء.

وقامت القناة الأولى بالتلفزيون المصري، مساء الثلاثاء، ببث حوار للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أجراه العام الماضي، خلال مشاركته في دورة الجمعية العامة الـ70 للأمم المتحدة، على قناة “بي بي أس” الأميركية مع الإعلامية مارغريت وارنر، بالخطأ على أنه الحوار الذي أجراه الثلاثاء مع المذيع الأميركي تشارلي روز لنفس القناة.

وزاد من تفاقم الأزمة أن معظم الفضائيات الخاصة بثت الحوار القديم من خلال بث تلفزيوني مشترك، دون أن تتم مراجعة تاريخ الحوار، ما وضع كل من بثوا هذا الحوار في مأزق بالغ الحساسية.

وقال سامي عبدالعزيز، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، إن “الفضيحة التي أقدم عليها التلفزيون الرسمي، صورة مصغّرة لما يحدث في الإعلام المصري بشكل عام، من تراجع للمهنية وتنامي الفوضى وصعود شخصيات غير جديرة بالعمل الإعلامي، مما شوّه صورة الإعلام المصري أمام العالم”.

وتوقع في تصريحات لـ”العرب” ألا يقف الأمر عند إقالة مسؤول بعينه، فقد تتحرك الحكومة بشكل جاد هذه المرة للقيام بثورة إصلاح حقيقية داخل التلفزيون بعدما أصبح “مادة للسخرية وكثرت أخطاؤه بشكل فج لم يعد يحتمل”.

وقررت صفاء حجازي، رئيسة اتحاد الإذاعة والتلفزيون، إقالة “رئيس قطاع الأخبار مصطفى شحاتة، وتكليف نائبه خالد مهني بالقيام بتسيير أعمال رئاسة القطاع إلى حين تعيين رئيس جديد”، بحسب بيان نشره موقع التلفزيون الرسمي.

كما قررت إحالة جميع المتسببين في هذا الخطأ على الشؤون القانونية المركزية” للتحقيق معهم، وقدمت اعتذارا عن “الخطأ الجسيم” الذي وقع فيه التلفزيون الرسمي.

ويرى مراقبون أن ما حدث ربما يحرك المياه الراكدة في ملف هيكلة التلفزيون الرسمي دون تأخير، لا سيما أن الحديث عن هذه المسألة بدأ منذ العام 2011 ولم تٌتخذ خطوات ملموسة حتى الآن، رغم تشكيل عدة لجان وزارية لإنهاء هذا الأمر.

وتتوقع دوائر إعلامية عديدة، أن تستغل الحكومة هذه “السقطة الكبرى” وتنفذ خطة الهيكلة التي تأجلت لعدة سنوات تحسبا لصدام غير محسوب مع العاملين في المبنى ويصل عددهم نحو 45 ألفا، بزيادة نحو 22 ألف موظف عن حاجة العمل.

ووفقا لإحصائيات حكومية، فإن ديون التلفزيون السنوية تقدر بنحو مليار و200 مليون جنيه (120 مليون دولار)، نتيجة تراجع الأرباح والإعلانات، بعد زيادة الطلب على القنوات الخاصة التي تقدم برامج تلفزيونية متعددة لا يوفرها التلفزيون الحكومي.

سامي عبدالعزيز: الفضيحة التي أقدم عليها التلفزيون الرسمي صورة مصغرة لما يحدث في الإعلام

وقالت مصادر لـ”العرب” إن الفترة المقبلة سوف تشهد مراجعات أمنية وفكرية لكل من له علاقة بالبث التلفزيوني والإذاعي، لإبعاد أصحاب التوجهات التي “لا تتفق مع المرحلة الحالية، أو من يحملون مواقف معادية للدولة” عن العمل في أماكن حيوية بالتلفزيون.

وكان ثروت الخرباوي، القيادي السابق بجماعة الإخوان، قد قال في تصريحات صحافية سابقة، إن هناك مسؤولين كبارا بالتلفزيون لديهم ولاء كامل لجماعة الإخوان، وعندما عرضت أسماؤهم على عصام الأمير، رئيس التلفزيون السابق، أبلغه “بأنه لا يستطيع إبعادهم عن مناصبهم”.

وبدوره لم ينكر حمدي الكنيسي، نقيب الإعلاميين، وجود خلايا إخوانية ومعارضة داخل المبنى، مؤكدا أن الظروف الراهنة لم تعد تحتمل وجودهم في أماكنهم. وأضاف لـ”العرب” أنه مع رحيل هؤلاء والاعتماد على المبدعين والقيام بهيكلة حقيقية والقضاء على الوساطة والمحاباة، فإن التلفزيون المصري سيعود حتما إلى لعب دوره الريادي، مما يقضي على الفوضى ويخلق منافسة حقيقية بين الإعلام الخاص والحكومي.

وتواجه قنوات التلفزيون تراجعا غير مسبوق في نسب المشاهدة، بسبب تدني حرية الرأي في برامجها ودفاعها عن النظام والحكومة ومناهضتها للبعض من توجهات الشارع، وفي حال تجاوز أي من مقدمي البرامج للخطوط الحمراء، سيتم وقفه عن العمل ومنعه من الظهور على الشاشة. ويخشى عاملون بالتلفزيون أن يتم استغلال “سقطة الحوار” لصالح البعض من المشاريع الإعلامية التي تستهدف القضاء على دور ماسبيرو، وإحلال مكونات إعلامية تم التخطيط لها لتحل محل “إعلام الدولة”، وبدأت تخرج إلى النور خلال الأيام الأخيرة، ويساندها رجال أعمال كبار على علاقة بالبعض من الأجهزة النافذة في الحكومة، على غرار شبكة قنوات “دي إم سي”.

ورأى حمدي الكنيسي، وهو عضو مجلس أمناء اتحاد الإذاعة والتليفزيون حاليا، أن الحكومة لا يمكن أن تستغني عن ماسبيرو تحت أي ظرف “لأنه يظل أحد منافذ مصر على العالم، لكن الفترة المقبلة قد تشهد إعادة النظر في عدد من القيادات لتتواءم مع المرحلة الراهنة، ومع حتمية عودة سياسة ‘الثواب والعقاب’ بلا هوادة”.

ويذكر أن هذا ليس الخطأ الأول للتلفزيون الرسمي، ففي يوليو، كتب اسم السيسي على الشاشة بشكل خاطئ ومحرج. وأحال التلفزيون المسؤول عن الخطأ إلى التحقيق على الفور حينها. كما أحالت إدارة التلفزيون المصري في يونيو موظفا إلى التحقيق قالت إنه تسبب في ارتكاب خطأ أثناء بث حوار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

وقالت مصادر من داخل القناة إن المخرج المسؤول عن بث الحوار بالقناة الأولى أخطأ وبث الجزء الثاني للحوار قبل الأول، ليضطر إلى الإعلان عن فاصل إشهاري يعود بعده مباشرة لبث الحوار بشكل سليم، ما تسبب في حالة من الإرباك داخل القناة.

18