سقف الدراما العربية

الثلاثاء 2016/07/19

تابعتُ كالملايين من المشاهدين العرب العديد من المسلسلات الدرامية في شهر رمضان الماضي، وأقر بأن العديد منها كان موازيا للواقع ويطرح مشاكل المواطن العربي بجرأة ومصداقية، لكنني شعرت بخيبة أمل، إذ تبين لي أن سقف الحرية في عالمنا العربي مُنخفض جدا، كما هو سقف أي إبداع، وبأن ثمة خطوطا حمراء لا تستطيع الدراما تجاوزها، حتى أن المشاهد الجاد والمنتبه يشعر بمقص الرقيب في مشاهد عديدة.

أستشهد هنا مثلا بمسلسل “الندم” وهو من أجود المسلسلات التي شاهدتها ويحكي عن سوريا قبل الثورة وبعدها في مشاهد متداخلة وتعتمد على الخطف خلفا (الفلاش باك)، صحيح أن المسلسل سوري بامتياز، لكنه يعكس الواقع في كل المجتمعات العربية، خاصة الدول العربية المشتعلة بالحروب والعنف كالعراق وليبيا واليمن.. والتي كلها تعاني من إحدى أهم القضايا الإنسانية وهي مشكلة المُعتقلين السياسيين، ومعظمهم من الشبان الناشطين على الفيسبوك أو الذين اتخذوا مواقف مُعارضة للأنظمة الحاكمة، لم أجد أي معالجة درامية حقيقية لقضية المُعتقلين السياسيين الذين لا يقدمون للمحاكمة والذين لا يعرف أهلهم في أي فرع أمني هم! حتى أنهم لا يعرفون هل أولادهم أحياء أم أموات؟

مثلا نجح مسلسل “الندم” في تسليط الضوء على طبيب شاب تم اعتقاله بطريقة وحشية ولتهمة غير واضحة، ودفع أهل خطيبته الملايين ليعرفوا في أيّ فرع أمني تم احتجازه ثم دفعوا الملايين ليعرفوا إن كان حيا أم ميتا، ثم دفعوا أيضا الملايين ليُقدم للمحاكمة وليعرفوا تهمته الحقيقية التي تبين دون أي دليل أو إثبات أنه جاسوس.

وهذا ما يحصل في الواقع تماما، لكن عند هذه النقطة انتهت المعالجة الدرامية للطبيب الشاب المُتهم بأنه جاسوس، وإذا حسبنا الزمن الذي استغرقه طرح قضية المعتقل على مدى ثلاثين حلقة في شهر رمضان، لما تجاوز الزمن ربع الساعة في ثلاثين حلقة!

ثمة مشهدان أو ثلاثة لطريقة تعذيب المُعتقل ونزع الاعترافات منه، ولا أكثر من ذلك! وبدا مسلسل “الندم” وكذلك حلقات مسلسل “بقعة ضوء” وغيرها كما لو أنها ضربة على الحافر ثم ضربة على النافر، وتلك المُعالجة الناقصة لمشكلة حيوية جدا وأساسية في حياة الشعوب، وهي الحرية تُفيد الأنظمة الحاكمة الشمولية والاستبدادية، إذ أنها تُعتبر مُتنفسا للجماهير الغاضبة والمذلولة بعيش لا يمت للكرامة والحرية بصلة، بل إن الكثير من الأنظمة الشمولية الاستبدادية تعتمد على الفن المسرحي أو التلفزيوني وتسمح لهما بانتقادها كي تنفس عن الغضب المتفاقم والكامن في نفوس الناس، والكل يعرف في سوريا أي تنفيس كبير قدمته مسرحيات دريد لحام، خاصة مسرحية “كاسك يا وطن”.

كنت أتمنى أن أحضر مسلسلا تجرأ على مقص الرقيب، وتجاوز الخطوط الحمراء وأهمها موضوع المعتقلين السياسيين، بل ثمة مشاهد في هذه المسلسلات بدت كأنها تُلمع صورة النظام، إذ تربط حب الوطن بالوقوف إلى جانب النظام الحاكم، وتربط الوطنية الصادقة والدفاع عن الوطن بالنظام، كما لو أن المواطن لا يكون وطنيا وابنا “بارا” لوطنه إن لم يقف في صف النظام، وكل من يقف في الاتجاه المعاكس فهو خائن وجاسوس.

لم يعد هناك من مشاهد ساذج فالكل يعرف نوايا كاتب السيناريو والمخرج والمنتج أيضا، ومسلسلات من نوع لقطة غزل للنظام الحاكم ولقطة تعاطف مع معتقل سياسي أُسقطت عليه تهمة ما لا تُقنع أحدا، حتى أن أحد الشبان وهو في السابعة عشرة من عمره ومُروع من بلوغه الثامنة عشرة ليلتحق بالخدمة العسكرية، قال لي “شو مفتكرين عم يضحكوا علينا”، وطبعا يقصد كاتب السيناريو والإخراج وهو يتابع الحلقات.

للأسف سقف الحرية واطئ جدا في مجتمعاتنا العربية، ولكن لا يمكننا أن نلوم أنفسنا على أحلامنا بأن نجد مسلسلا تلفزيونيا يحترم عقل المشاهد ويقدس الحرية التي لا معنى للحياة دونها، أما أن تكون الأعمال الدرامية نوعا من التنفيس والتخدير للمشاهد، فهذا ما يُفقدها ليس مصداقيتها فحسب، بل جاذبيتها أيضا، لأن ثمة فرقا شاسعا بين الحقيقي والزائف.

كاتبة من سوريا

16