سقف الدعم الأميركي لعاصفة الحزم مازال منخفضا

الثلاثاء 2015/04/14
السعودية مصرة على ردع التمرد الحوثي انتصارا للشعب اليمني الذي استجار بها فلبت النداء

واشنطن ـ أضحت السياسة الأميركية تجاه حلفائها العرب تتّسم بالكثير من التلكؤ والتراخي، خاصّة مع الدعم المحتشم الذي تقدّمه لهم منذ انطلاق عاصفة الحزم في اليمن، والذي يقتصر على تقديم المعلومات الإستخباراتية وبعض المهمات اللوجستيكية المحدودة، وهو ما بات يوحي بتملّص واشنطن من التزاماتها تجاه أمن المنطقة، بما يعنيه ذلك من تداعيات سلبية ستطال مصالحها (بالدرجة الأولى) في المستقبل.

قال مسؤولون أميركيون إنّ الولايات المتحدة تقوم بتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية مع المملكة العربية السعودية لتزويدها بقدر أكبر من المعلومات بشأن الأهداف المحتملة في الحملة الجوية التي تشنّها قوات مشتركة ضدّ المقاتلين الحوثيين في اليمن.

ويأتي تعزيز هذه المساعدة بعد أن بقي تأثير الغارات الجوية التي تشنّها السعودية وحلفاء آخرون، منذ أسبوعين، محدودا في وقف تقدّم المقاتلين الحوثيين المرتبطين بإيران.

وقال المسؤولون الأميركيون إنّ المساعدة الموسّعة تتضمن بيانات مخابرات حساسة ستسمح للسعودية وحلفائها بتحسين مراجعتهم لأهدافهم من أجل أن تكون نتائج العملية العسكرية التي تستهدف المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران أكثر دقة.

وقال مسؤول أميركي خيّر عدم الكشف عن اسمه “لقد وسّعنا قليلا المجال فيما نتبادله مع شركائنا السعوديين، ونحن اليوم نساعدهم لغاية رسم صورة أوضح لساحة القتال والموقف مع قوات الحوثيين، ونعمل أيضا على تحديد مناطق يتعيّن عليهم تفاديها من أجل تجنّب وقوع أي خسائر في صفوف المدنيين”.

التنسيق الاستخباراتي غير كاف

تشعر المملكة العربية السعودية، حليفة الولايات المتحدة، بقلق من إمكان امتداد أعمال العنف عبر الحدود التي تتقاسمها مع اليمن، كما تشعر بقلق أيضا من مساعي إيران التوسعية وسعيها الدائم إلى إثارة النعرات الطائفية في بلدان المنطقة من أجل توسيع نفوذها، وكذلك من دعمها العسكري المباشر للحوثيين، في ظل تلكؤ أميركي غير محمود العواقب على أمن الشرق الأوسط.

واشنطن تتعرض لموجة من الانتقادات الحادة بسبب سياستها المتلكّئة في تقديم الدعم والمساعدة لحلفائها

وأدّى استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء وإسقاط الحكومة السّابقة إلى إصابة جهود الولايات المتّحدة لمحاربة مقاتلي القاعدة في اليمن بنكسة كبيرة، ورغم ذلك تفادت الولايات المتحدة القيام بدور مباشر في الصراع المتفاقم.

وقال المسؤولون الأميركيون الأربعة الذين تحدثوا (شريطة عدم نشر أسمائهم) “إنّ واشنطن لن تصل إلى حدّ اختيار أهداف للسعوديين”، وهو ما يدع رأي المراقبين الذين أفادوا بأن خطوات واشنطن في دعم حلفائها تنقصها الجدية الكافية.

وتتعرض واشنطن إلى موجة من الانتقادات الحادة، داخليا وخارجيا، لسياستها المتلكّئة في تقديم الدعم والمساعدة لحلفائها العرب الذين يربطها بهم التزام قديم يقضي بحفظ أمن المنطقة من الأخطار المحدقة بها، كما تتعرض لضُغوط من أجل بذل المزيد من الجهود في سياق مساعدة التّحالف الذي تقوده السعودية، التي تخشى أن يؤدي تقدّم الحوثيين إلى توسيع نفوذ إيران المتربصة بأمن أراضيها وباستقرار المنطقة عموما.

وقد أكّدت المحادثات النووية الجارية بين طهران والقوى العالمية (مجموعة الخمسة زائد واحد) والتي يُمكن أن تؤدّي إلى التوصل إلى اتفاق بحلول الـ 30 من يونيو المقبل يُلغي العقوبات المفروضة على إيران، مخاوف السعودية من تنامي النفوذ الإيراني.

وقال دبلوماسي أميركي كبير، الأسبوع الماضي، إنّ واشنطن تعجّل بإمدادات السلاح وتعزّز تبادل معلومات المخابرات مع التحالف الذي تقوده السعودية. وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إنّها بدأت إعادة تزويد طائرات التحالف العربي بالوقود في الجو على الرّغم من أنّها خارج المجال الجوي اليمني.

أنتوني بلينكين: السعودية تبعث رسالة قوية للحوثيين بأنهم لا يستطيعون السيطرة على اليمن بالقوة

وقال مسؤولون أميركيون وسعوديون إنّ الدعم الأميركي في مجال المخابرات كان مقتصرا، حتى الأيام الأخيرة، على مراجعة معلومات المواقع التي تستهدفها السعودية في محاولة لتأكيد دقتها.

وأوضح المسؤولون الأميركيون أنّ الدور الأميركي زاد الآن في حجمه ومجاله، حيث أضحى يتضمّن “تدقيقا” أكثر تفصيلا للمعلومات التي يعدّها السعوديون للمواقع المستهدفة مع توجيه اهتمام خاص لمساعدة السّعوديين على تفادي سقوط ضحايا من المدنيين.

ولم يعلّق البيت الأبيض والبنتاغون بشكل محدد عندما سئلا عن توسيع تبادل معلومات المخابرات وعن اعتزام واشنطن تقديم المزيد من الدعم على مستويات أخرى.

وقال اليستير باسكي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إنّ “الولايات المتحدة تسعى إلى تزويد شركائها بالمعلومات الاستخباراتية اللازمة والمناسبة للدفاع عن السعودية، والاستجابة للجهود الأخرى لدعم حكومة اليمن الشرعية”.

وعلى الرغم من أهمية المعلومات الاستخباراتية الأميركية التي من شأنها أن تحدد الأهداف بالنسبة إلى التحالف بأكثر دقة تجنبا لسقوط ضحايا في صفوف المدنيين، إلاّ أنها ليست كافية لتوجيه ضربات موجعة وناجعة للحوثيين الذين يتفرقون داخل المدن وبين المواطنين.

وقالت جماعات إغاثة إنّ هجمات التحالف التي بدأت في 25 مارس أدّت إلى سقوط قتلى من المدنيين بما في ذلك هجوم وقع في 30 مارس على مخيم للاجئين يسيطر عليه الحوثيون في شمال اليمن، قالت المنظمة الدولية للهجرة إنّه أدى إلى مقتل 40 شخصا. وأنحى مسؤولون سعوديون كبار باللائمة في مثل هذه الحوادث على الحوثيين أنفسهم الذين يستعملون المدنيين كدروع بشرية.

دعم خجول

على الرغم من إعلان البيت الأبيض دعم الولايات المتحدة في مجال المخابرات بعد بدء العملية بفترة وجيزة، قال مسؤولون أميركيون إنّ تبادل المعلومات كان ضعيفا بشكل كبير في الأيام الأولى من الحملة، موضحين أنّ هذا الضعف يعود إلى حدّ ما إلى عقبات قانونية.

ويرى مراقبون أنّ السياسات الأخيرة التي تنتهجها واشنطن تجاه حلفائها في المنطقة والتي تتسم بالضبابية والتلكؤ هي التي كانت وراء ذاك الضعف. ولفتوا إلى أنّ الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى التحالف الذي يهدف إلى إعادة الشرعية في اليمن مازال محتشما ولا يعبّر عن التزاماتها الكبرى تجاه حلفائها وأمن المنطقة بشكل أعم.

وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة استخدمت في السابق قوة عسكرية ضدّ تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، إلاّ أنّها لا تعتبر نفسها في حرب مع الحوثيّين. وقد قال بعض المسؤولين إنّ تحليل الإدارة الأميركية هذا يستند إلى مزاعم تفيد بأنّها بموجب القانون الدولي والأميركي تفتقر إلى القدرة على التعاون مع السعوديين في هجوم ضد الحوثيين، وهو ما يراه مراقبون ذرّا للرماد على العيون لغاية التملص من الالتزامات تجاه الحلفاء العرب، رُبما لإرضاء الإيرانيين الذين يعول أوباما على الاتفاق النووي معهم من أجل أن يُحقق “مجدا شخصيا” له في نهاية ولايته الرئاسية الثانية، رُبّما ستكون تداعياته وخيمة على السياسة والمصالح الأميركية في المستقبل. وتحدث أنتوني بلينكين، نائب وزير الخارجية الأميركي، بشكل عام، عن اعتزام واشنطن تعزيز التعاون خلال زيارة أدّاها إلى الرياض، الإثنين الماضي، دون أن يكشف عن التفاصيل.

الدعم الأميركي في مجال المخابرات كان مقتصرا على مراجعة معلومات المواقع التي تستهدفها السعودية

وقال بلينكين إنّ “السعودية تبعث برسالة قوية للحوثيين وحلفائهم بأنّهم لا يستطيعون السيطرة على اليمن بالقوة”. وأضاف “في إطار تلك الجهود عجلنا بتسليم الأسلحة للتحالف، وزدنا من تبادل معلومات المخابرات وشكّلنا خلية تخطيط مشتركة للتنسيق في مركز العمليات السعودي”.

ويؤكد محللون أن المملكة العربية السعودية تسير بخطى واضحة وثابتة في حربها ضد جماعة الحوثي في اليمن، وترفض التراجع دون تحقيق أهدافها رغم التخاذل الدولي الذي بدا واضحا لها خاصة من قبل حلفائها الأميركيين الذين لم يتجاوز دعمهم لها، تصريحات التأييد والاستعداد لتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي.

وقال مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة أرسلت فريق تنسيق عسكري يضم 20 فردا للتواصل مع دول الخليج بقيادة الميجر جنرال كارل موندي. وأضاف المسؤولون أنّ تخصيص جنرال كبير لهذه المهمة سيُسهل التفاعل مع المسؤولين الكبار الآخرين من دول أخرى.

وبدأت الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، طلعات جوية يومية لإعادة تزويد مقاتلات السعودية ودولة الإمارات بالوقود في الجو.

ولكن حتى مع عمليات التزويد بالوقود تبدي الولايات المتحدة الحذر، حيث تقوم بهذه الطلعات الجوية خارج المجال الجوي اليمني وتطلب تعويضا ماليا من الحلفاء. ولم يعرف بعد كيف تعتزم الولايات المتحدة التعجيل بتسليم قنابل ومعدات توجيه لحلفائها.

وقال مصدر على اطلاع على هذا الأمر، خير عدم الكشف عن اسمه، إنّ الولايات المتحدة قد تعجّل بتسليم الشّحنات إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، ويمكن حينئذ أن تُساعد أيضا في إعادة تزويد السعودية بالعتاد.

ويرى مراقبون أنه على الرغم من هذه التصريحات الصادرة عن مسؤولين أميركيين والخطوات البطيئة التي تقوم بها واشنطن في سياق دعم حلفائها (والتي يبدو أنّها تأتي لغاية الطمأنة لا أكثر)، إلاّ أنّ سقف الدعم الذي تقدّمه الولايات المتّحدة مازال منخفضا بصورة تستدعي منها إعادة التفكير في سياساتها التي تبدو “مُتراخية” تجاه الأخطار المحدقة بالشرق الأوسط، وعلى رأسها التمدّد الإيراني، والتي ستنعكس تداعياتها السلبية على مستقبل الدور الأميركي في المنطقة أولا وقبل كل شيء.

7