سقف جديد لتفاؤل تونس بشأن مستقبل أداء الاقتصاد

الحكومة التونسية تتوصل إلى توافق مع النقابات للدخول في هدنة اجتماعية، ما دفع صندوق النقد الدولي إلى الإفراج عن شريحة رابعة من القرض التونسي، بهدف الخروج سريعا من عنق زجاجة الأزمات الخانقة.
الاثنين 2018/07/09
آمال بترويض جبهة النقابات الصلبة

تونس - ارتفع سقف طموحات التونسيين بعد ظهور بوادر انتهاء الأزمة الاقتصادية التي يبدو أنها تسير نحو التعافي تدريجيا بحلول العام المقبل، رغم العملية الإرهابية التي ضربت غرب البلاد أمس، وقد تكون تأثيراتها جانبية ولن تتسبب في طرد السياح.

وأعطى رئيس الحكومة يوسف الشاهد بارقة أمل للأوساط الاقتصادية والشعبية بأن العام الحالي سيكون آخر عام صعب في ما يتعلق بالاختلالات المالية والعجز الكبير في الموازنة وأن “موازنة 2019 ستكون أسهل بكثير، ولن يتم فيه فرض ضرائب جديدة على الشركات”.

وقال الشاهد في تصريحات صحافية على هامش تدشين منشأة في المنطقة الصناعية بمدينة بوحجر في ولاية المنستير الساحلية إن “المؤشرات تؤكد تعافي الاقتصاد التونسي، مع وجود ثقة من قبل المانحين، وبالتالي علينا المزيد من العمل والمثابرة لتقليص نسبة البطالة”.

وتعاني تونس من ركود اقتصادي منذ عام 2011، تجلى في تراجع القدرة الشرائية للمواطنين حيث تشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن نسبة التضخم بلغت 7.8 بالمئة في يونيو الماضي، وأن نسبة البطالة قدرت بنحو 15.4 في الربع الأول من العام الحالي.

ولكن الحكومة الحالية دخلت في إصلاحات اقتصادية قاسية يتوقع الكثيرون أنها ستساعد على الخروج من الأزمة رغم شكوك البعض، إذ أشار الشاهد إلى أن بلاده قادرة على ما هو أحسن من خلال توفير استقرار سياسي واجتماعي وأمني، وذلك من خلال تضافر الجهود.

وفي محاولة جادة للخروج من الأزمة سريعا، توصلت الحكومة السبت الماضي، إلى اتفاق مع الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية في البلاد، للدخول في هدنة اجتماعية.

وقال الشاهد، إن “الحكومة توصلت إلى اتفاق مع اتحاد الشغل يشمل العديد من النقاط التي ستساهم في تحسين المناخ الاجتماعي في البلاد بينها تحسين أوضاع العمال والمتقاعدين”.

وأوضح أن الحكومة تؤمن منذ البداية بجدوى الحوار الاجتماعي وضرورة اتخاذ إجراءات اجتماعية لفائدة الطبقات الضعيفة والمتوسطة.

ويشمل الاتفاق 15 بندا، منها المفاوضات للزيادة في الأجور وتسوية وضعية المتقاعدين وعمال البناء والنظافة ومواصلة دعم السلع والمواد الاستهلاكية الأساسية.

سمير بشوال: سجلنا قفزة في نمو نشاط الأعمال في البلاد للمرة الأولى منذ خمس سنوات
سمير بشوال: سجلنا قفزة في نمو نشاط الأعمال في البلاد للمرة الأولى منذ خمس سنوات

وقال نورالدين الطبوبي، الأمين العام لاتحاد الشغل، في تصريحات صحافية، إن “أهم النقاط التي اتفق عليها الاتحاد والحكومة تتعلّق بالمفاوضات الاجتماعية في القطاع العام وتسوية ملف التشغيل الهش المتعلق بعملة الحضائر (عمال البناء والنظافة)”.

ومن المتوقع أن يتم توقيع اتفاق نهائي حول تلك النقاط وخاصة موعد بداية المفاوضات المتعلقة بزيادة الرواتب غدا الثلاثاء، بعد اجتماع سيعقد اليوم الاثنين، مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف) لتحديد الخطوط العريضة لتنفيذ الاتفاق.

وتراهن النقابات على التزام الحكومة بتعهداتها بما يساعد على ترميم القدرة الشرائية للموظفين التي تآكلت بشكل كبير في السنوات الأخيرة بسبب تدهور قيمة الدينار، بعد أن فقد أكثر من نصف قيمته.

ويأتي هذا الاتفاق، مع موافقة صندوق النقد الدولي على صرف شريحة رابعة بقيمة 657.5 مليون دينار (نحو 249.1 مليون دولار)، من قرض مقدم لتونس يبلغ 2.9 مليار دولار، لمساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية.

وبهذا القسط الجديد، يرتفع إجمالي الأموال التي أقرضها الصندوق لتونس إلى قرابة 1.1 مليار دولار منذ الاتفاق المبرم بين الطرفين في مايو 2016. وقد طالب الصندوق الحكومة مرارا بكبح الإنفاق الجاري لتخفيض الدين وزيادة الإنفاق الاستثماري والاجتماعي.

وسبق أن أكد الصندوق أن أولويات العام الجاري تتمثل في تعزيز العوائد الضريبية وتنفيذ خطة للتسريح الطوعي للعاملين في القطاع العام، إلى جانب عدم منح زيادات جديدة في الرواتب والقيام بزيادات ربع سنوية في أسعار الوقود.

وانزلقت تونس إلى كساد اقتصادي حاد في أعقاب الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي في عام 2011. ومنذ ذلك الحين فشلت تسع حكومات في خفض عجز الموازنة، وتحتاج تونس إلى قروض بثلاثة مليارات دولار هذا العام وحده، لكن الحكومة الحالية تتوقع خروج البلاد من دوامة الاقتراض بحلول 2020.

ومع كل ذلك، تظهر مؤشرات حديثة أن الاقتصاد التونسي بدأ ينتعش، بالفعل، بعد القفزة الكبيرة في نمو قطاعي الاستثمارات والسياحة، أبرز محركين استراتيجيين للدولة، إلى جانب الفوسفات والزراعة والخدمات.

وكشفت بيانات وكالة النهوض بالصناعة والتجديد أن الاستثمارات المصرح بها في الربع الثاني من العام الجاري قد ارتفعت بنسبة 64.2 بالمئة بمقارنة سنوية.

وقال سمير بشوال، المدير العام للوكالة خلال ندوة صحافيّة الجمعة الماضي، إن “قيمة تلك الاستثمارات تبلغ 1.035 مليار دينار (حوالي 390 مليون دولار)، وهي المرة الأولى منذ خمس سنوات يتم فيها تسجيل قفزة في نمو نشاط الأعمال بالبلاد”.

كما نمت الاستثمارات الموجهة للتصدير بشكل كامل ارتفاعا بنحو 55.7 بالمئة خلال النصف الأول من العام الحالي، بمقارنة سنوية.

وأرجع بشوال ارتفاع معدل الاستثمارات خلال هذه الفترة إلى سببين رئيسيين وهما الحوافز الضريبية في موازنة 2018، إضافة إلى الحوافز في قانون الاستثمار الجديد، الذي بات من الممكن الحديث على نتائجه بعد مرور أكثر من سنة على دخوله حيز التنفيذ.

وتطمح الحكومة، من وراء قانون الاستثمار، إلى إعادة جذب المستثمرين الأجانب بعد سنوات من الركود بسبب الوضع الأمني الهش وتزايد الإضرابات.

ويتضمن القانون حوافز للمستثمرين المحليين والأجانب، من بينها خفض الضرائب وإعفاء الأرباح من الضرائب تصل إلى 10 سنوات وإنشاء صندوق استثماري يساهم في تمويل مشاريع البنية التحتية لتشجيع المستثمرين على إقامة مشاريع في المناطق الداخلية.

واعتبرت وكالة موديز للتصنيف الائتماني الأسبوع الماضي، أن الاقتصاد التونسي انتعش كثيرا بفضل تحسن الوضع الأمني وزيادة عوائد السياحة، والتي نمت خلال النصف الأول من العام الجاري بنحو 46 بالمئة، لتبلغ 490 مليون دولار، بمقارنة سنوية.

ويرى اقتصاديون أن الارتفاع المستمر في حجم الدين العام البالغ 70 بالمئة تقريبا يشكل حجر عثرة أمام الحكومة، وذلك استنادا لتوقعات موديز، التي ذكرت أن معدل النمو هذا العام سيبلغ 2.8 بالمئة، في حين تتوقع الحكومة نموا بنحو 3 بالمئة.

11