سقوط الإخوان.. اللحظات الأخيرة بين مرسي والسيسي

الاثنين 2013/12/16
السيسي المستهدف الابرز للجماعة الذي حال دون تحقيق مخططاتهم

لندن - شكلت الفترة الزمنية الفاصلة بين اندلاع أحداث قصر الاتحادية و إعلان السيسي الشهير الموجه إلى الرئيس السابق محمد مرسي، والذي منحه فيه مدة زمنية لحل الأزمة المصرية، نقطة حسم في تاريخ الإخوان المسلمين، والتي كانت بداية النهاية لمرسي و جماعته، وسطوع نجم وزير الدفاع المصري لدوره المساند لثورة 30 يونيو.

تأتي أهمية وقيمة كتاب “سقوط الإخوان.. اللحظات الأخيرة بين مرسي والسيسي” للكاتب والمحلل السياسي مصطفى بكري من كون ما ورد فيه من معلومات يمثل شهادة موثقة لتفاصيل مواقف ولقاءات ونقاشات جرت في إطار خاص أو داخل غرف مغلقة بين أطراف وأطياف المشهد السياسي المصري خلال عام من حكم جماعة الإخوان المسلمين، وتتعلق بما وقع من أحداث شوهت هذا المشهد وقسمته وانعكست سلبا على المجتمع وأدت بالنهاية إلى انفجار ثورته في 30 يونيو 2013، وإلى الآن لم تسعى الأطراف والأطياف المعنية والفاعلون في المشهد السياسي المصري سواء كانوا في السلطة أو خارجها، إلى إثبات عدم صدقية أية كلمة.

الكتاب الصادر أخيرا بالقاهرة عن الدار المصرية اللبنانية ومن قبل في دبي عن مؤسسة المزماة للدراسات والبحوث، تطرق إلى المشروع الأميركي بداية من الفوضى الخلاقة لإدارة جورج بوش الابن ومشروع الشرق الأوسط الجديد لإدارة أوباما، وانتهاء بشروع الجماعة الإخوانية عقب وصولها إلى الحكم في تنفيذ خطة غيوروا آيلاند ـ مستشار الأمن القومي الإسرائيلي ـ القاضية بإقامة دولة غزة الكبرى بمساحة 720 كليو مترا تبدأ من الحدود المصرية مع غزة حتى حدود مدينة العريش عند قرية الريسة المصرية وبعمق 30 كيلو مترا.

على الرغم من ذلك إلا أن الأهم في الكتاب تلك التفاصيل الخاصة بإدارة الرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي وجماعته وفريقه داخل القصر الجمهوري لمختلف الأحداث التي جرت على الساحة الداخلية خلال عام من حكمه، كونها كانت مجهولة إلى حد كبير، وما عرف منها لم يكن يرقى إلى مستوى التوثيق. حيث تطرق بكري إلى تفاصيل اجتماع مؤسسة الأمن القومي المصري في 11 يونيو 2013 وما جرى فيه من خلاف واضح بين مرسي والفريق السيسي حول وضع “حلايب وشلاتين” على وجه التحديد، وأيضا التقارير التي قدمتها المخابرات العامة والخارجية المصرية رافضة ما كان مرسي يعتزم إصداره من قرار بقطع العلاقة مع سوريا ومع ذلك لم ينتبه ورفض، مرورا بالاجتماعات والتفاصيل التي أدت بإعلان الرئيس المعزول قطع العلاقات مع سوريا في 15 يونيو. وفضح أيضا الخطة التي أعدت سرا عبر التنظيم الإخواني والتي تقضي بخطف بعض القيادات الإخوانية منها محمد البلتاجي وأبو العلا ماضي الذي كلف في ذلك الوقت بأن يدعو للمصالحة ثم يتم استدراج الذي سيشارك في عملية المصالحة ويختطف دون علمه، ليجد مرسي والجماعة مبررا لإعلان حالة الطوارئ حتى يحول دون ثورة 30 يونيو ويتمكن من القبض على كل العناصر التي كانت تحرك الأحداث وقتئذ، وغير ذلك انتهاء بتفاصيل لقاءات الفريق السيسي مع مرسي وسعد الكتاتني وخيرت الشاطر، وتهديدات الأخير بحرق البلاد.

كتاب بكري يكشف التفاصيل الخاصة بإدارة الرئيس الإخواني المعزول وجماعته وفريقه داخل القصر الجمهوري لمختلف الأحداث التي جرت على الساحة الداخلية خلال عام من حكمه.


أحداث قصر الاتحادية


إن أحداث قصر الاتحادية التي وقع ضحيتها 8 شهداء ومئات المصابين على يد ميليشياته، لم يعلم أحد ماذا دار في كواليس إداراتها شيئا، لم يكن أحد يعلم أن الأوامر من الرئيس وفريقه وجماعته إلى قائد الحرس الجمهوري ووزارة الداخلية ومدير أمن الرئاسة ومدير شرطة الرئاسة، كانت بقتل المتظاهرين، وأن رفض هؤلاء التورط في أعمال عنف ضد المتظاهرين، جر الرئيس إلى تكليف جماعته التي دفعت بمليشياتها المسلحة لتقتل وتصيب، وأن نائب رئيس الديوان أشرف بنفسه على عملية تعذيب من تم القبض عليهم داخل حرم القصر.

فعقب الإعلان الدستوري “الانقلابي” الذي أصدره الرئيس محمد مرسي في 21 نوفمبر من ذات العام، دعت القوى الوطنية الثورية المصريين إلى التظاهر أمام القصر الجمهوري في الاتحادية يوم الثلاثاء الرابع من ديسمبر 2012 للإعلان عن رفضهم، قال بكري “خرج المصريون من كل أنحاء البلاد، مسيرات انطلقت من أمام المساجد والحواري والمناطق المختلفة، وفي مساء ذات اليوم كان قد بلغ عدد المحتشدين حول القصر الجمهوري حوالي مليون متظاهر. وكانت الهتافات تندد بسياسة الرئيس مرسي وتطالب بإسقاط حكم جماعة الإخوان والإعلان الدستوري. ظلت المظاهرات على سلميتها دون أية أعمال عنف. كانت قوات الشرطة قد أقامت العديد من الحواجز والأسلاك الشائكة أمام القصر الجمهوري للحيلولة دون وصول المتظاهرين إلى القصر، إلا أن المتظاهرين استطاعوا تجاوز هذه الحواجز بسلمية ودون الاحتكاك برجال الشرطة. في هذا الوقت اتصل اللواء محمد زكي قائد الحرس الجمهوري بالرئيس مرسي وأبلغه بوجوب مغادرته للقصر الجمهوري فورًا خوفًا على حياته بعد أن بدأ المتظاهرون في الاقتراب من أبواب القصر، كما أن اللواء أحمد جمال الدين وزير الداخلية طلب من أحمد عبد العاطي مدير مكتب الرئيس ضرورة مغادرة الرئيس للقصر سريعًا ودون تردد.

غضب مرسي


وأضاف “اشتاط الرئيس مرسي غيظًا وراح يهدد بكلمات أقرب إلى الشتائم وبدا أنه في حالة عصبية شديدة واتهم الجميع بالتواطؤ ضده وعدم الحسم. وقال لقائد الحرس الجمهوري أمامك ساعة واحدة من الآن، عليك أن تفض التظاهرة والاعتصام فورًا، وأن يتم طرد “شوية العيال دول” كما وصفهم من أمام القصر الجمهوري، وإلا فإنه لن يسكت على ذلك وسيضع حدًا بنفسه لهذه الفوضى. كان اللواء محمد زكي يعرف أن فض الاعتصام بالقوة ستكون له خسائر كبيرة، وأنه سيدفع الثمن قبل الآخرين، وأن الأمر يحتاج إلى حل سياسي أكثر من الحل الأمني.

قال قائد الحرس للرئيس: من المستحيل أن نفض الاعتصام بالقوة، العدد كبير والخسائر ستكون فادحة ولن نستطيع إنهاء الأمر بهذه السهولة خاصة أن المتظاهرين هم خارج القصر وليسوا بداخله وهذا ليس من اختصاص الحرس الجمهوري.

قال الرئيس مرسي: دعك من كل هذا الكلام أمامك ساعة من الآن لفض الاعتصام، وإلا سيكون لي موقف آخر.

أغلق الرئيس سماعة الهاتف في وجه اللواء محمد زكي، لقد طلب نفس المطلب من وزير الداخلية اللواء أحمد جمال الدين، إلا أنه رفض التصدي للمتظاهرين وتفريقهم بالقوة، وقال له: أرسل لي قرارًا مكتوبًا وموقعًا منك، ساعتها أستطيع مواجهة المتظاهرين، ولكني لا أريد أن ألقى مصير حبيب العادلي.

دعا اللواء محمد زكي بعض كبار ضباط الحرس الجمهوري وأبلغهم بمطلب الرئيس فرفضوا جميعًا.. اتصل بالفريق أول عبد الفتاح السيسي وأحاطه علمًا بالمكالمة الهاتفية التي جرت مع الرئيس، إلا أن وزير الدفاع طلب منه عدم التدخل لفض الاعتصام والمظاهرات بالقوة خوفًا من سقوط قتلى وجرحى من كلا الجانبين.

بعد قليل اتصل قائد الحرس الجمهوري بالرئيس مرسي، حاول رجال السكرتارية الخاصة توصيله بالرئيس الذي كان قد قرر المبيت في دار الحرس الجمهوري، إلا أنهم أخطروه بأن الرئيس لا يجيب وربما يكون قد خلد إلى النوم.

كان اللواء محمد زكي قلقًا للغاية من إصرر الرئيس على فض المظاهرات حول القصر بالقوة، طلب من سكرتارية الرئيس توصيله هاتفيًا بأسعد الشيخة نائب رئيس ديوان رئيس الجمهورية وابن شقيقة الرئيس والذي كان قد غادر القصر برفقته خلال الأحداث.

أحداث قصر الاتحادية التي وقع ضحيتها 8 شهداء ومئات المصابين على يد ميليشيات الإخوان، لم يعلم أحد ماذا دار في كواليس إداراتها شيئا


تحريض على العنف


أبلغ قائد الحرس نائب رئيس الديون بالمكالمة التي جرت بينه وبين الرئيس مرسي وأكد له أن ما يطلبه الرئيس هو من المستحيلات، وأنه يتخوف من أن ينجم عن فض الاعتصام بالقوة سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، لقد فوجئ اللواء محمد زكي بأسعد الشيخة يرد عليه بعنف قائلاً: ولماذا تحدثني أنا في هذا الموضوع؟ حاول مع الرئيس مرة أخرى لأنه هو صاحب القرار، وأنتم جميعًا لا تريدون أن تفعلوا شيئًا. بعدها بقليل عاود قائد الحرس الجمهوري الاتصال بالرئيس مرسي في منزله، وبعد إلحاح شديد، أجابه الرئيس وسأله على الفور ماذا فعلت؟! قال: أحتاج إلى 24 ساعة لإنهاء التظاهرات والاعتصامات، أنا لدي طرق خاصة وسأحاول وأبذل كل الجهد من أجل إنهاء هذه المظاهرات حول القصر بطريقة سلمية.

الرئيس: ازاي يعني؟

قائد الحرس: سأخرج للمتظاهرين وأطلب منهم الانصراف بهدوء وسأتصل بقادتهم وأدعوهم لفض المظاهرات، أنا خوفي أن تسال الدماء حول القصر، وإذا بدأنا لا نعرف كيف سننتهي.

الرئيس: أنا ماليش دعوة بالكلام ده، أمامك ساعة فقط، اتصرف، أعمل أية حاجة، أنت خايف من إيه يا أخي، أنت قائد الحرس الجمهوري، ورجالتك ياكلوا الحديد، خلصني بأية طريقة.

قائد الحرس: عاوز بس 24 ساعة يا أفندم.

الرئيس: كلمتي واحدة، عاوز أحضر الرئاسة صباحًا ولا أجد متظاهرًا واحدًا، استخدم كل الأساليب بالقوة، بالهدوء، المهم تطردهم خلال ساعة من الآن.

قائد الحرس: سيكون صعبًا، الناس كتيرة وأنا خايف من انقلاب الأوضاع.

الرئيس: جمد قلبك واضرب ومتخافش.

قائد الحرس: ربنا يسهل يافندم.

هذا جانب من تفاصيل كثيرة أوردها بكري حول ما جرى خلال أحداث الاتحادية، لكن الأخطر كان محاولته الوقيعة بين قيادات المؤسسة العسكرية وكذا الأجهزة الأمنية والسياسية سواء بتسريب معلومات أو شائعات عنها أو تصفية الحسابات الجماعية، كاشفا عن الكثير من المخططات التي كان ينوي الرئيس وجماعته تنفيذها بشأن هذه القيادات كخطة عزل الفريق عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع والفريق صبحي صدقي رئيس الأركان فضلا عن قادة الجيوش ورئيس المخابرات العامة.

تضمنت خطة مرسي القبض على 36 إعلامياً معارضاً غير أن أخطر ما تضمنته هو القبض على الفريق أول عبدالفتاح السيسي والفريق صدقي صبحي و34 قيادة عسكرية أخرى


السيسي "المنقذ"


قال بكري “في مساء اليوم الخامس والعشرين من يونيو، التقى اللواء محمد زكي قائد الحرس الجمهوري بالفريق أول عبدالفتاح السيسي، كان اللقاء سرياً، لقد جرى اتخاذ كافة إجراءات الحيطة والحذر حتى لا يعلم الرئيس أو أي من أعوانه بهذا اللقاء. لقد أبلغ اللواء محمد زكي الفريقَ أول عبدالفتاح السيسي بفحوى ما جرى بينه وبين الرئيس مرسي، حيث كشف النقاب عن أن الرئيس محمد مرسي استدعاه وأبلغه بأن هناك مؤامرة تحاك ضد الرئيس وضد نظام الحكم، وأنه يطلب منه الاستعداد للقبض على المتورطين في هذه المؤامرة مع وعد له بتعيينه وزيراً للدفاع.

وأضاف “تضمنت الخطة القبض على 36 إعلامياً وصحفياً معارضاً وعلى قادة جبهة الإنقاذ وعدد من قيادات شباب تمرد وبعض المعارضين الآخرين، غير أن أخطر ما تضمنته هو القبض على الفريق أول عبدالفتاح السيسي والفريق صدقي صبحي و34 قيادة عسكرية أخرى، و رئيس جهاز الأمن القومي ورئيس المخابرات العامة ووزير الداخلية ورئيس جهاز الأمن الوطني بعد صدور قرارات بعزلهم في أعقاب خطاب الرئيس مساء الأربعاء 26 يونيو2013.

وتضمنت الخطة أيضاً قيام بعض أعضاء التنظيم الخاص لجماعة الإخوان بارتداء الملابس الشرطية والعسكرية واستخدام عدد من سيارات الشرطة التي تم سرقتها في أوقات سابقة للقيام بمهام القبض على بعض هذه العناصر جنباً إلى جنب مع قوات الحرس الجمهوري التي ستتولى تنفيذ هذه المهمة”.

وسجل بكري كواليس وتفاصيل البيان الذي أعلنته القوات المسلحة في 23 يونيو 2013 والذي أعطت فيه رئيس الدولة مهلة أسبوعا لحل مشاكله مع الشعب وما تمخض عن هذا البيان من صدام بين مرسي والسيسي، أعقبه أيضا صدام بين السيسي أيضا وخيرت الشاطر وسعد الكتاتني خلال الاجتماع الذي جرى في 25 يونيو 2013 وتصاعدت الأحداث بعد ذلك، ليأتي قرار الفريق السيسي بنزول ونشر القوات المسلحة في الشوارع والميادين، مما أربك محمد مرسي وجماعته، وجرت مقابلة بينه وبين الفريق السيسي يوم 26 يونيو من الساعة 11 صباحا حتى الواحدة ظهرا وعده فيها بتغيير كبير سوف يتضمنه خطابه مساء اليوم، لكن الخطاب لم يتضمن أي تغيير في هذا المجال.

تصاعدت الأحداث أيام 26 و27 و28 و29 من يونيو إلى أن رأينا حجم وتداعيات هذه الأحداث التي جرت من موقف السلطة، كان مرسي مصرا على أن كل من خرجوا في تظاهرات 30 يونيو لا يزيدون عن 25 ألفا من المتظاهرين، وكانت الصورة لديه مختلفة تماما، كان مرسي يصر على تجاهل الحقائق متعمدا لأنه غيب عن وسائل الإعلام منذ 28 يونيو عقب ذهابه إلى مقر الحرس الجمهوري وحتى سقوط نظامه في 3 يوليو.

7