سقوط الإخوان والضربة السورية

الاثنين 2013/09/02

في كثير من المناقشات السياسية التي شهدتها القاهرة الأيام الماضية، دارت أحاديث حول فكرة الربط بين سقوط حكم الإخوان وبين التجهيز لضربة أميركية- غربية ضد سوريا، واتسعت دوائر الحوار لحد جعل البعض يقتنع أن الضربة المنتظرة بمثابة رد اعتبار لكرامة أميركا التي تمرغت في التراب المصري، بعد خسارتها الرهان على استمرار الإخوان في السلطة، وعدم استبعاد خروج القيادة الجديدة من العباءة الأميركية، وهو ما يعني أن واشنطن مضطرة إلى إجراء تغييرات في التصورات في المنطقة خلال الفترة المقبلة.

أصحاب الربط بين التطورات المصرية والتحركات الغربية حيال سوريا، لديهم مبررات تدعم وجهة نظرهم، تستند على تفسيرات مختلفة، أبرزها أن أميركا حسمت ترددها في مسألة تركيع النظام السوري، وبدأت تتبنى فكرة العمل العسكري، ولم تظهر معالم هذا التغير إلا عقب سقوط إخوان مصر.

نعم لم تكن الفكرة غائبة أصلا، لكن دخولها حيز التنفيذ تزامن مع الهزيمة التي مُني بها الإخوان، وحتى ذريعة الأسلحة الكيماوية لم تكن جديدة، فقد سبق التلويح بها منذ فترة، وجرى استغلال حادث الغوطة، قبل ثبوت أدلة قاطعة بأن النظام السوري هو من ارتكب هذه الجريمة، وبدأت الآلة الأميركية تسرع من وتيرة التجهيزات التي تقود إلى الضربة، وبصرف النظر عن دواعيها، وهل هي للإجهاز على نظام بشار وإسقاطه نهائيا؟ أم لتحريك عملية التسوية والذهاب إلى جنيف 2، فإن فشل حكم الإخوان في مصر له دور لا ينكره أحد، فقد أثر على سرعة حسم واشنطن لترددها في تكرار مبدأ استخدام القوة مباشرة، خوفا من تساقط الحلفاء من بين يديها مثل أحجار الدومينو.

من ناحية ثانية، منحت الهزيمة التي لقيها الإخوان في مصر، بشار الأسد درجة من الاطمئنان، أولا لأن الترتيبات الإقليمية التي تخطط لها واشنطن بدأت تنهار أو في طريقها إلى ذلك.

وثانيا لأن الأزمة المصرية كشفت التناقضات في مواقف بعض القوى، فهناك لاعبون في المنطقة يؤيدون إسلاميي سوريا، ويعارضون بقسوة نظرائهم في مصر، والعكس صحيح. وثالثا لأن الموقف الغربي من مصر مالَ في نظر كثيرين إلى جانب الإرهابيين، فأعمال العنف التي تمارس في سيناء من قبل القاعدة، لم تنل حظها من الإدانة الأميركية.

نزعت ورقة التوت عن الخطاب الأميركي المزدوج، التي كانت واشنطن تغطي بها سوءاتها السياسية، وأضحت في تقديرات بعض الجهات الداعمة لأعمال العنف التي يمارسها متشددون في مصر وسوريا، الأمر الذي يحاول الأسد استثماره، وجاء الترويج الأميركي لدخول السلاح الكيماوي على الخط ليخلط أوراق الأسد، ويقلل من أهمية الثقة التي اكتسبها بسقوط إخوان مصر. كان لهزيمة إخوان مصر تأثيراتها السياسية على أشقائهم الإسلاميين في سوريا، حيث أثبطت هممهم، باعتبار أن خريف الإخوان المصريين يمكن أن يصل إليهم، لذلك أرادت أميركا استباق هذا الافتراض وتعجيل القيام بعملية جراحية، كرسالة طمأنة تقول أنها لن تتخلى عن مشروعها إزاء التعامل مع إسلاميي المنطقة وتوظيفهم كورقة رهان، خاصة أن ما حدث في مصر كاد أن يقلب الطاولة عليهم من جانب أشقائهم في المعارضة السورية. بمعنى أن التيار المدني شعر بعدم استبعاد أن تكون له اليد الطولى في المرحلة المقبلة، لكن التجهيزات العسكرية الحالية يمكن أن تفرمل هذا التوجه، وتحافظ على المعادلة المختلة، التي تميل لصالح الإسلاميين.

أضف إلى ذلك، أن خروج مصر من أزمتها بسرعة مرجّح أن يجعلها دولة محورية في المنطقة، قادرة على إفساد بعض المخططات الأميركية، انطلاقا من ثوابت وطنية وقومية مستقلة، ورأينا حجم التغير في السياسة الخارجية بعد سقوط الإخوان، فقد أعلنت القاهرة عن رفضها لقرار قطع العلاقات مع دمشق الذي اتخذه مرسي في أواخر أيامه في السلطة، وأكدت رفضها توجيه أية ضربة عسكرية ضد سوريا، كما جرى ضبط تسرّب المواطنين المصريين إلى دمشق والمدن الأخرى، بذريعة الجهاد الذي دعا إليه مرسي قبل رحيله، وكلها دلالات تشي أن تماسك مصر لن يكون مطمئنا لسياسات اميركا في المنطقة.

شئنا أم أبينا، التطورات السلبية في منطقة الشرق الأوسط تنتقل من مكان لآخر، وأوباما، أضحت ترتيباته تفشل أمام عينيه، وقد تكون القاهرة هي القاطرة الرئيسية لعدد كبير من الإخفاقات، مثل هبوط بورصة التوقعات التي رأت أن هناك فرصة لتحريك عملية التسوية بين اسرائيل والفلسطينيين خلال حكم الإخوان، وبعد سقوطهم تكاد تكون التوقعات المتفائلة ذهبت أدراج الرياح، وخشية أن تمتد البورصة إلى دمشق. ويبدو الفشل ملازما لأوباما، ولذلك أراد التحضير لتحركات عسكرية تخدم في الأصل أهدافه، لذلك تحولت عملية ضرب سوريا إلى وسيلة لتحقيق جملة من الأهداف التكتيكية، أكثر منها أداة للدفاع عن مصالح استراتيجية.

9