سقوط التشّيع السياسي في العراق

المعركة اليوم مباشرة بين ميليشيات السلاح التي لا غطاء عراقيا لها والغطاء الإيراني تراجع زخمه، وبين شباب انتفاضة أكتوبر التي سيكون النصر حليفها.
الأحد 2020/03/22
القناع لم يعد يخفي الحقيقة

أسقطت انتفاضة أكتوبر العراقية العديد من المقدسات الزائفة التي ارتبطت بحكم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي وتجربتها المرة منذ أول دورة انتخابية عام 2005 بعد تشريع دستور لم يشر صراحة إلى تولّي الطائفة الشيعية للحكم، لكن سلطة الاحتلال الأميركي منحت العراق كهدية تاريخية لإيران عبر الأحزاب الموالية لها في تعد فاضح على مبادئ الديمقراطية المناقضة للطائفية، وبتطابق مّا بين نزعات اليمين الأميركي المتطرف وأحلام الولي الفقيه لجعل هذا البلد عبر أدواته الأنموذج الأول لنظرية التوسع الإيراني في المنطقة.

أوهم القادة الشيعة أبناء طائفتهم بأن شأنها وهويتهم المذهبية سيعلوان على الوطن وعلى الطوائف الأخرى، وفي مقدمتها الطائفة السنية، التي تستحق من وجهة نظر أوليائهم الخضوع لبرنامج العقاب الجماعي في العراق ولاحقا في أيّ بلد عربي يتمكنون فيه من القبض على السلطة، لأن هذه الطائفة، وفق أكاذيبهم، تشكل رمزا للحكم العربي الإسلامي منذ 1400 عام وفي العراق منذ 80 عاما، ودون توثيق ديمغرافي حقيقي طمأنوا جمهورهم الذي تلاشى في الأول من أكتوبر 2019 بأن أغلبيتهم الطائفية ستضمن حكم “الشيعة” في العراق لمئات السنين المقبلة.

الأخطر ليس ولاية زعماء الشيعية العراقيين في حكم العراق على أساس مقولة “الأغلبية العددية”، وإنما فيما جرى من تمرير هذه المسألة كغطاء لسيطرة شيعة إيران على السلطة في بغداد، كما في لبنان حيث هيمن حزب الله الإيراني – وهو لا يمتلك أغلبية طائفية – تدريجيا على السلطة عبر قوة السلاح المغطّى بشعار المقاومة لتحرير قطعة أرض من الجنوب اللبناني متجاوزا اتفاق الطائف ولفرض متطلبات مشروع ولاية الفقيه على لبنان.

ومثل ذلك يحصل من قبل أقلية مجموعة الحوثي في اليمن. ولا تتردد مرجعية خامنئي إن توفرت لها الظروف، لكنها لن تتمكن، في إشاعة هذا النمط الولائي من الحكم على جميع البلدان العربية السنية ضمن مشروع التشيّع السياسي الإيراني.

بإطلالة سريعة على بعض مظاهر مشروع التشيّع السياسي الشيعي في العراق يلاحظ زخم البرنامج الإيراني الذي نشط منذ عام 2003 تحت شعار “تشييع العراق” بطرق مختلفة من بينها التغيير الديمغرافي المباشر بعد نهاية احتلال تنظيم داعش عام 2017. والأخطر عبر أدوات وبرامج حكومية محلية أزاحت رسميا جميع عناصر الثقافة الوطنية العراقية وعمقها العربي وعوّضتها بالثقافة “الشيعية” ملبية للدعوة المذهبية الإيرانية وعدائها لكل ما هو عربي، فأزيلت فقرات من التاريخ العراقي العربي الإسلامي من مناهج التربية والتعليم، وتم تحوير فقرات التاريخ القريب إلى الرموز الطائفية مثلا ثورة العشرين التي سحبت من عراقيّتها لتصبح ثورة “شيعية” واستبدلت أسماء الشوارع والأحياء والمدن التي ترمز إلى تاريخ العراق ومقاومته وانتصاره على الفرس بأخرى ذات مدلولات طائفية كإطلاق اسم “الخميني” على أحد شوارع البصرة. كما قامت ميليشيات شيعية مسلحة عام 2005 بتفجير نصب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ببغداد، وبعض النصب الوطنية الأخرى، لإحلال مظاهر مذهبية طائفية تختفي من خلالها صورة بغداد العربية الزاهية.

لم تعد قصة التوافقية في الحكم خادمة لمقتضيات بقاء الأحزاب التقليدية بعد اجتياح من يطلقون على أنفسهم أبناء “المقاومة الإسلامية” للمشهد السياسي، فهؤلاء لا تعجبهم دبلوماسية الأحزاب الشيعية الهرمة، هم يجاهرون في ولائهم لطهران ومنفذون أوفياء لمشروعها الحالي لإخراج القوات الأميركية، ولبرامج لاحقة أخرى إن توفرت لهم الفرصة، والسلطة بالنسبة إليهم يحصلون عليها بالبندقية، ولم يعد لعناوين “الأغلبية والأقلية” مكان في برامجهم.

قادة الأحزاب الشيعية الكبيرة لا يستسلمون لحقيقة أنهم أصبحوا جزءا من الماضي، وعليهم المغادرة، فيحاولون من جهة لملمة أجزائهم المبعثرة، ومن جهة أخرى القيام بتحركات سياسية متخلفة توحي بمحاولتهم ترميم أعمدة الحكم المنهارة ببعض الديكورات الفضفاضة، لكنها محاولات الغريق وسط الأمواج الكاسحة.

على سبيل المثال من خلال عدم سماحهم بتمرير اسم رئيس وزراء جديد من دون موافقتهم الجماعية لأن صيغة مجيئه عن طريق رئيس الجمهورية قد تفتح ثغرة في جدار فسادهم الأسطوري وتهيئ الظروف بصورة غير مباشرة كمقدمة لعملية تحوّل لا يقودها رئيس الوزراء الجديد وإنما أصحاب مشروع التغيير المقبل.

لم تعد قصة الأغلبية والأقلية تقرأ في العراق على الأساس التقليدي السائد، فقد قلبت معادلتها انتفاضة أكتوبر الشبابية بمنطقها الثوري، لتتحول من أغلبية شيعية مقابل أقلية سنية كما يشاع إلى أغلبية الثوار العراقيين الوطنيين الشيعة ضد أقلية الحكام الشيعة الموالين لطهران.

مثلا، على صعيد النسبة العددية التقليدية كم هو عدد الحكام اليوم، بضع مئات، بمساندة بضع آلاف من المسلحين، لا جمهور لهم مثلما زيفوا وادعوا في السابق، وهم معزولون في المنطقة الخضراء ببغداد، مقابل الأغلبية الشيعية العراقية من الثوار ومسانديهم شعب العراق وبختم أكثر من مليون ونصف شهيد عراقي منذ عام 2003 وإلى حد الآن وليسوا فقط الـ700 شهيد منذ الأول من أكتوبر الماضي.

المعركة اليوم مباشرة بين ميليشيات السلاح التي لا غطاء عراقيا لها والغطاء الإيراني تراجع زخمه، وبين شباب انتفاضة أكتوبر التي سيكون النصر حليفها.

3