سقوط الحجة على سلامة نوايا الإيرانيين

الثلاثاء 2015/05/12

لا بد من أن أعترف بأنني فوجئت بما لقيته من الاعتراضات الحادة، المصحوبة أحيانا بالشتم والسباب المقذع، من بعض الشيعة السعوديين والعرب كوني تطرقت إلى إيران واعتبرتها عدوا لدودا يتربص بالعرب الدوائر، وبأننا نخوض معها حرب وجود عربي في اليمن بعد أن تركناها، خلال السنوات الماضية، تسرح وتمرح في المنطقة وتحتل أربع عواصم عربية هي صنعاء ودمشق وبغداد وبيروت، كما قال النائب عن مدينة طهران في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني.

علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، ذهب إلى أبعد مما ذهب إليه زاكاني، عندما قال متبجحا “إن إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي”. واعتبر أن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة وثقافتنا غير قابلة للتفكيك. وهاجم يونسي، الذي كان يتحدث حينها لمنتدى عن الهوية الإيرانية، كل معارضي النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبرا أن كل منطقة الشرق الأوسط إيرانية. وقال بوضوح “سندافع عن كل شعوب المنطقة، لأننا نعتبرهم جزءا من إيران، وسنقف بوجه التطرف الإسلامي والتكفير والإلحاد والعثمانيين الجدد والوهابيين والغرب والصهيونية”.

جماعة “أنصار حزب الله” في مدينة مشهد شمال شرقي إيران زايدت على زاكاني ويونس وقالت في بيان لها مطلع شهر أبريل الماضي، معلقة على أحداث اليمن، إنه لم يبق إلا فترة وجيزة لفتح مكة والمدينة. وأن العالم سيشهد صعود “دولة شيعية” في أرض الوحي. وجاء في بيان هذه الجماعة الذي نشره موقع “مشهد نيوز” الإيراني، أن استمرار هجمات السعودية على اليمن سيخلق الفرصة المناسبة لدخول جماعة أنصار الله الحوثية إلى السعودية ووحدتهم مع الشيعة هناك والسيطرة على عرش المملكة. وكل ذلك يأتي في سياق ما يسميه المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، الصحوة الإسلامية، وهو المصطلح الذي يفضله المرشد للحديث عن الربيع العربي.

فوق كل هذه التصريحات والمواقف العلنية للإيرانيين لا يخفى على كل من يفتح عقله وعينيه حجم الخراب السياسي والاقتصادي، فضلا عن الخراب البنيوي التنموي، الذي حل بالعراق وسوريا واليمن ولبنان بعد أن امتدت اليد الإيرانية إلى هذه البلدان ودقت في مراكبها السائرة الآمنة في القرون الماضية أسافين الطائفية. تلك الأسافين المتوالية التي مزقت العباد والبلاد وأعادت هذه البلدان ومقدراتها وأهلها مئات السنين إلى الوراء، بينما إيران ذاتها آمنة مستقرة، تتقدم باطراد في كافة الاتجاهات التنموية التي تحقق حياة كريمة ومتقدمة للإيرانيين.

لا تستطيع إيران أن تحارب العرب والمسلمين بأكثريتهم السنية التي تلتقي مع مكونات شيعية عربية تحتفظ بقوميتها العربية

أي أننا تحولنا كعرب إلى وقود لآلة الطموح الإيراني في المنطقة. ونحن، بالذات في جزئنا الشيعي السياسي، من يمكّن لهذه الآلة، بل ويدافع عنها ويقف ضد كل موقف أو صوت عربي يحذّر من صلفها وغلوائها التي لم تعد تقبل التقليل أوالتهوين من شأنها.

لم يعد بالإمكان، لدى أي طرف عربي، أن يقيم الحجة على سلامة نوايا الإيرانيين وأنهم يسعون إلى خير الدول العربية وتحرير شعوبها. أو أنهم موئل المقاومة ضد المعتدين الصهاينة على أرض فلسطين. والأخيرة بالذات تنفيها مجموعة من الحقائق الثابتة عن علاقات إسرائيلية إيرانية يديرها ويخدم أغراضها الآلاف من اليهود الإيرانيين في إيران نفسها، وفي إسرائيل وأوروبا وأميركا لتحقيق مصالح إستراتيجية مشتركة على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

على سبيل المثال لا الحصر، وحسب صحيفة “اليوم السابع” المصرية نقلا عن صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، فإن تقريرا نشر في أبريل الماضي، أوضح أن حجم الاستثمارات الإسرائيلية في إيران بلغ 30 مليار دولار، وأن 200 شركة إسرائيلية تقيم علاقات تجارية مع إيران أغلبها شركات تستثمر في مجال الطاقة. وتعد الجالية اليهودية فى إيران أكبر جالية يهودية في العالم، إذ تبلغ نحو 30 ألف يهودي. وتلقى هذه الجالية اليهودية اهتماما واسعا من قبل رؤساء إيران بتوصية خاصة من علي خامنئي. وقد تجاوزت معابد اليهود في طهران 200 معبد.

أمام هذا الوضع الواضح في عداء إيران للعرب وتخريب بلدانهم وتآمرها مع أعدائهم فوق الطاولة وتحتها، لم يبق لدى من يوالونها من دفاعات يقنعوننا بها. ولأنهم أعلنوا، خاصة حزب الله والحوثيين وقيادات في الحكومة العراقية، مواقف علنية في تأييدهم لكل ما تفعله طهران في المنطقة فإنهم لم يتركوا للعرب الآخرين من خيارات سوى اعتبارهم منضوين تحت لواء الشيعية السياسية التي تقودها طهران تنفيذا لوصايا قائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني الذي كان يرى، حسب كتاب “تصدير الثورة كما يراه الإمام الخميني” “أن مبدأ تصدير الثورة يعني تجسيد قيمها ومثلها في الداخل والاهتمام الجاد بنشر مبادئها وتطلعاتها في الخارج… وأن مبدأ تصدير الثورة ليس أملا بعيد المنال، بل هو أمر ممكن التحقيق بالرغم من كل جهود ومساعي الاستكبار العالمي وأذنابه”.

ربما سيقال إن إيران حرة في تحديد مبدأ ثورتها وبناء أجندة طموحاتها في المنطقة. وهذا قول مقبول إذا اعتبرنا أنها اختارت، ضمن هذه المبادئ والطموحات، أن تعادي كل دول المنطقة وتزعزع أمنها واستقرارها. لكن ما هو حتمي أن دول المنطقة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أطماع النفوذ الإيراني، لأن بعض العرب يؤمنون بعقيدتها الدينية السياسية ويساعدونها على تغلغل هذه العقيدة في بلدانهم، ويهددون بلدانا عربية أخرى بذات المبادئ والطموحات.

من الآن، بعد الموقف العربي والإسلامي الجامع في اليمن، أصبحت الحرب معلنة بين إيران من جهة، والعرب والمسلمين من جهة أخرى. وما من شك بأن الخاسر في النهاية هو إيران وأذرعها العربية الشيعية الموالية لها في المنطقة، لأن عكس ذلك هو ضد المنطق، إذ لا تستطيع إيران أن تحارب كل العرب والمسلمين بأكثريتهم السنية التي تلتقي، لصد عداوة إيران، مع مكونات شيعية عربية تحتفظ بعناصر قوميتها العربية وقيمها، وترفض الانضواء تحت اللواء الشيعي السياسي المعقود في طهران.

كاتب سعودي

8