سقوط الكلفة السياسية لقيادة السعوديات للسيارة

الثلاثاء 2017/10/03

غير الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لعدم قيادة المرأة السعودية، هناك كلفة سياسية باهظة دفعها السعوديون طوال العقود الماضية. تمثلت هذه الكلفة في إحراج أصدقاء المملكة على المستوى الدولي الذين كانوا يواجهون دائما بموضوع عدم قيادة المرأة للسيارة في البلد الذي يدافعون عنه، وأن هذا التصرف يعد تمييزا صارخا على أساس الجنس. الحرج نفسه تعرض له، في المحافل والمؤتمرات الصحافية، مسؤولو ووزراء المملكة أنفسهم الذين كانوا يبحثون بصعوبة عن أجوبة مقنعة للإعلام الدولي عن سبب تأخر المملكة في السماح للمرأة بقيادة السيارة.

أيضا بعض الأشخاص، ممن يحسبون أنفسهم على المعارضة السعودية في الخارج أو قريبين من لغة هذه المعارضة، كان لهم في العرس قرص عندما استغلوا هذا الموضوع ليتقربوا من صانع القرار الغربي ويغازلوا ويتقربوا من وسائل الإعلام التي تناوئ المملكة. وكان آخر هؤلاء الإعلامي السعودي المعروف جمال خاشقجي، الذي يقول السعوديون إنه بعد أن اختار تنظيم الإخوان على الإجماع الوطني ذهب إلى أميركا، وهناك كتب أول مقالة له في صحيفة الواشنطن بوست فحواها أن المملكة كبلد لم تعد تطاق، وأن قيادتها لم تف ببعض ما وعدت به في السنوات الأخيرة؛ ومن ذلك عدم إنهاء حظر قيادة المرأة للسيارة.

إذن فقد كان عدم السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة قميص عثمان الذي يرفعه كل من يريد أن ينال من المملكة وقيادتها وشعبها. ولذلك اعتبر صدور القرار الذي سمح لها، من يونيو في العام القادم، بقيادة السيارة قرارا سياسيا ممتازا طال انتظاره من أصدقاء المملكة الدوليين كما طال انتظاره من مواطنيها. وهذا ما يفسر الترحيب الكبير بالقرار، بعد ساعات قليلة من صدوره، من منظمة الأمم المتحدة ومن الخارجية الأميركية ومن عدد من زعماء دول العالم مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي. ويفسر الفرحة التي عمت عددا من البرامج التلفزيونية الغربية والأميركية الشهيرة، التي تسابق مقدمو برامجها إلى التصفيق بحرارة للقرار التاريخي، وتهنئة المرأة السعودية بحصولها على حق قيادة السيارة مثلها مثل كل النساء في العالم.

بطبيعة الحال، كما يجد المناوئون وسيئو النية دائما مراكب يقفزون إليها بعد أن تُقطع أمامهم الطرق، وجدت وسائل إعلام إخوانية وإيرانية وقطرية، وبعض الأشخاص ما يقولونه ضد هذا القرار السعودي التاريخي. وسائل الإعلام الإخوانية بالذات نافقت الناس كالعادة بالحديث عن أن السماح للسعوديات بقيادة السيارة هو ضد ثوابت بلاد الحرمين الشريفين، ومدخل لإفساد البيئة السعودية المحافظة. وكلاء آخرون فسروا الترحيب الغربي الكبير بالقرار بأنه موقف من الإسلام ذاته ومن تطبيقاته في حياة المسلمين. وقد كان السعوديون أنفسهم بالمرصاد لهذه المواقف والآراء الغريبة تجاه أمر يخصهم ويخص بلدهم.

ذَكّر السعوديون الإخوان وأبواق النظام القطري بأن وسائل إعلامهم لم تكف منذ سنوات عن شتم بلاد الحرمين الشريفين وحشد برامجها بكل القذارات والقواميس التي تسيء للمملكة وقادتها ومجتمعها. وحين تأخذ المملكة قرار قيادة المرأة للسيارة فإن القرار، على المستوى الديني، خضع للدراسة والتمحيص ووافقت عليه الأغلبية في هيئة كبار العلماء السعودية، الأمر الذي يطمئن إليه كل السعوديين؛ دون أن ينتظروا رأي من دأب على الإساءة لهم والتآمر على بلدهم. أي أن السعوديين، وهذا هو حال لسانهم بعد صدور قرار قيادة السيارة، أحرص على دينهم وثوابتهم بما لا يقارن مع من باعوا دينهم وأوطانهم بثمن بخس من أجل مغانم ذاتية ومغانم حزبية ضيقة.

أما الترحيب الغربي بالقرار فقد فهمه السعوديون كما يجب أن يُفهم دون مزايدة أو إحساس بالمؤامرة، فهو، كما فصل هذا المقال، يدخل في إطار تخلص أصدقاء المملكة في العالم من الحرج تجاه منع السعوديات من قيادة السيارة، ويقطع الطريق على من اعتاد استخدام هذا الموضوع، في المحافل الإقليمية والدولية، ليسيء إلى المملكة أو يحرج أصدقاءها. كما أن المرأة السعودية، كما هي حال النساء المسلمات في كل الدول، تأخذ حقوقها وتمارسها ضمن ضوابط شرعية وقانونية وسلوكية لا يتدخل فيها أحد غير أسرتها ومؤسسات بلدها. وكما قال أحد كبار المسؤولين في المملكة ذات يوم، في لقاء جمعه مع مجموعة كتاب كنتُ من بينهم، فإن قيادة المرأة للسيارة تخصنا نحن فقط وتخص مصالحنا الوطنية وفائدة نسائنا ومجتمعنا، ونحن سنتخذ قرار القيادة في الوقت المناسب على هذا الأساس وليس على أساس أي ضغط أو تدخل من أحد.

كاتب سعودي

8