سقوط النخبة يعني سيادة الشعب وتعثّر إنتاج الطغاة

الخميس 2014/10/23
الآغا: إذا كان للعصر الجديد هذا إيجابيات فإن سقوط النخبة هو أهمها

خضر الآغا شاعر وناقد وصحافي سوري، مدير تحرير جريدة “شرفات” الثقافية بدمشق، التي توقفت في العام 2012، ومدير تحرير مجلة “جسور” التي تعنى بالترجمة والدراسات، (متوقفة في العام 2011). “العرب” التقت بخضر الآغا للحديث حول مسيرته الابداعية وعن المشهد الثقافي في سوريا بعد الثورة وعن قضايا أخرى، فكان هذا الحوار.

لخضر الآغا العديد من المؤلفات، منها: في الشعر: “كتب يقول” و”أنوثة الإشارة”، و”الجاهلي الذي أنا”. إضافة إلى الدراسات التي نذكر منها “البياض المهدور - مقدمة للشعر الجديد في سوريا”، و”ما بعد الكتابة – نقد إيديولوجية اللغة”. كما قدم وحرر العديد من الكتب البحثية والموسوعية والشعرية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر خضر الآغا.


تخريب الشعر


كونه لديه مشروع شعري، وليس مجرد شخص يكتب الشعر كيفما اتفق، للشاعر والمترجم رؤية، أو رؤيا، حاول الإضاءة عليها، وتسويقها بشكل ما، وخاصة في كتابه النقدي “البياض المهدور”، عن نظرته اليوم، إلى مسألة الحداثة في الشعر العربي، وإلى أين وصلت هذه التجربة، وكيف يحكم عليها الآن؟ يقول الآغا: “الحداثة التي قادتها ونشرتها مجلة شعر (1957)، وأنتجت ما يسمى: شعر الحداثة، أو الشعر العربي الحديث، ارتكبت جنايات خطيرة على الشعر العربي".

ويضيف قوله:" كما أسهمت مجلة شعر، بصفة رئيسة، بتخريبه. فقد دعت إلى اهتمام الشعر بما يسمى القضايا الكبيرة: كالحرية والتحرر والنهضة والبعث، كذلك مواجهة الرجعية في الداخل والإمبريالية في الخارج، أي ذات الشعارات التي تبنتها الأنظمة العربية لوصولها إلى السلطة وقمع الشعوب تحت تلك اليافطة، ونحن نعرف الثمن الباهظ الذي دفعته شعوب المنطقة جراء هذه الشعارات والأفكار، بالإضافة إلى أن هذا يعتبر تعسفا على الشعر، من حيث أن المعنى الشعري معنى ينبثق من داخل الإنسان وليس من خارجه، الأمر الذي جعل القصيدة الحديثة عبارة عن بيان فكري سياسي، مكتوب على أنه شعر".

السنوات القادمة ستشهد سيادة كاملة لقصيدة النثر، التي ستسود المشهد لفترة، وستبتكر تجديدها من داخلها

ويتابع قائلا: علاوة على ذلك أيضا، نظّرت الحداثة العربية للشعر الصوفي، والشعر الغامض على أن الشعر ليس للآن، بل للمستقبل. فكتب الشعراء شعرا متعاليا، يحلق في السماء السابعة، ولا يرى من هم على الأرض. كتبوا شعرا لا يقول شيئا سوى سفسطة في الفراغ، والأفكار التي لا لزوم لها بشريا. الطريف في الأمر أنهم بعد كل هذا اشتكوا من أنهم غير مقروئين، فكان أن بدؤوا بشتم الشعوب العربية بأقذع الشتائم، واتهموها بالتخلف والجهل و”الرعاعية”، وغير ذلك، وهذا أيضا أفاد الأنظمة العربية الطغيانية في قمع شعوبها المتخلفة والجاهلة و”الرعاعية” من جهة أخرى، وأناطت بالشعر مهام بروميثيوسية. فالشعر، وفق حداثة العرب، مهدي الشعوب المنتظر، هو الذي سيبني نهضتها الفكرية. وأعيد مفهوم الشاعر/الإله، والشاعر/النبي على نحو لا مثيل له، وبهذا تم تكريس مفهوم الطاغية على أنه أمر يجب أن يكون، وغيره الكثير من الجنايات والتخريب ما يلزمه بحث خاص”.

بعبارة مكثفة يلفت الآغا إلى أن العرب ظلوا طيلة المرحلة الحديثة والحداثية لشعرهم بلا شعر، وأنها واحدة من أكثر المراحل الشعرية العربية بؤسا وانحطاطا وخداعا. ويعتبر أن الحداثة الشعرية العربية أنتجت فضيحة اسمها: الشعر العربي الحديث أو شعر الحداثة.

وعن مكان الشعر وأين أصبح الآن، وخاصة بعدما سقطت قامات شعرية كبيرة، على حد قول الكثيرين ممن يزاولون الكتابة اليوم، و أين أصبح المثقف بصورة عامة، بعدما سقط مفهوم النخبة أيضا، على حدّ تعبير الكثيرين، يقول الشاعر: “إذا كان للعصر الجديد هذا إيجابيات، فإن سقوط النخبة، وسقوط القامات من أهم هذه الإيجابيات. طيلة الوقت كان مفهوم النخبة يسفر عن نخب طغيانية، إما في الثقافة أو في السياسة".

ويتابع قوله:" نتذكر نخب النازية والفاشية مثلا. في الثقافة العربية الحديثة أنتج المفهوم طغاة شعراء، من يعرف الآن على المستوى العربي برمته غير بضعة شعراء، هل أعدّهم لك، أين الشعراء الآخرون؟ لقد مورس عليهم الطغيان الثقافي فغيّبهم، وعزلهم. بالإضافة إلى ذلك فإن سقوط القامات الشعرية يعني حضور الشعر. كما أن سقوط الروائي (الكبير) يعني حضور الرواية وهكذا… الأمر ذاته ينطبق على المثقف بما هو منتج أفكار، علينا البحث عن أفكار كبيرة لا عن مثقف كبير، الأمر أن سقوط النخبة يعني سيادة الشعب وهذا يسهم، على الأقل، في تعثّر إنتاج الطغاة”.

الآغا: الشعر سيبني النهضة الفكرية للشعوب


في غمرة الدم


عن قصيدة النثر وهل تمثل بالنسبة إليه، ما يمكن تسميته نهاية الطموح الشعري، لا سيما بعدما أصبحت القصيدة، متاحة وسهلة للجميع، وبعد الإقبال الكاسح على كتابتها، لا سيما من قبل الأجيال الشابة يقول الشاعر: “لا توجد نهاية للطموح الشعري. مقابل هذا الاستسهال، هناك جدية ومكابدة لدى بعض الشعراء، لتصحيح ما يمكن تصحيحه، وهذا ما يجعلني دائم التردد إزاء فكرة تراودني كثيرا، وهي أن الشعر يخرب. ثمة من يكتب الشعر حقا".

ويضيف قائلا: " قصيدة النثر هي الغالبة الآن، مع أنه ثمة من يكتب قصيدة التفعيلة وغيرها، لكنني أعتقد أن السنوات القادمة ستشهد سيادة كاملة لقصيدة النثر، ولا يوجد لديّ ما يؤهلني للتنبؤ بالأشكال التي سيجترحها الشعراء بعد قصيدة النثر، فالمعطيات جميعها تشير إلى أن هذه القصيدة ستكون هي السائدة لفترة طويلة قادمة ربما، وأنها ستبتكر تجديدها من داخلها”.


جدل قائم


عن الجدل الدائر بين تيارات عدة في المجتمع العربي، سياسية، واجتماعية، والتي تحمل كل فئة، ثقافتها، وكيف يمكن العثور، على الثقافة، وعلى الحرية يؤكد الآغا قائلا: “نعثر على الثقافة وعلى الحرية في هذا الجدل الدائر بين التيارات المتعددة. على مدى نصف قرن حُرم السوريون من إقامة هذا الجدل، نتيجة هيمنة الفكر الواحد والرأي الواحد والتيار الواحد، والذي هو فكر ورأي وتيار السلطة السياسية".

ويتابع قوله: "إذا كان ثمة جدل دائر فعلا الآن، فهذا علامة من علامات بزوغ الحرية في التفكير والمعتقد والرأي والرأي المناقض وغيره. وعبر هذا الجدل يمكن الوصول إلى/ أو بناء مناخ ثقافي حر، يكون قادرا على حماية هذا الجدل وتطويره. بالمناسبة، وعلى الرغم من كل شيء، هذا الأمر الإيجابي هو من نتائج الثورة السورية". وعن كيف يقيّم، نشاط المثقفين السوريين، بعد ما يقارب عن أربع سنوات، على الحراك الشعبي السوري، هل فعلا نجح المثقف في مواكبة الشارع بكل غليانه ومتغيراته، واستطاع أن يثبت حضوره، كناشط ثقافي فعال، في الحدث السوري يقول:“في بحر الدم سيكون الحديث عن الثقافة ودور المثقف يبدو وكأنه نوع من الرفاهية، الكثير من مثقفي سوريا انحازوا للثورة، وشاركوا فيها”.

النتاج الثقافي يأتي متباطئا في ظل الثورات والأحداث التاريخية الكبرى، أي يلزمه وقت للتأمل والتفكير والنقد

ويتابع خضر الآغا قائلا: “ثمة من قتل خلال المظاهرات، وثمة من قتل تحت التعذيب في سجون النظام، وثمة من هُجّر ونزح وتعرض لما تعرض له السوريون كافة بوصفه فردا سوريا. وإذا كنت تتحدثين عن نشاطات مؤسساتية ثقافية، فأعتقد أن النتاج الثقافي يأتي متباطئا عادة في ظل الثورات والأحداث التاريخية الكبرى. أي يلزمه وقت للتأمل والتفكير والنقد، وفي غمرة الدم“.

وعن جديده اليوم، وإن كانت له كتابات مغايرة، وجديدة، لقارئ جديد يشير خضر الآغا إلى أنه أنهى كتابا نقديا حول الشفوية في الشعر، والشعر الجديد في سوريا خاصة، سيدفعه بعد فترة للنشر.

ويؤكد أن له آراء كثيرة تغيرت خلال الثورة، وستظهر هذه التغيرات في هذا الكتاب. ويختم قائلا: لكن يلزم قارئ جديد فعلا، قارئ غيّرته الثورة مثلي.

15