سقوط حر لتسيّد النجم الشاب على الدراما المصرية

نجوم الصف الأول يعودون لاسترداد جمهور رمضان، ونادية الجندي ونبيلة عبيد تجتمعان لأول مرة في "سكر زيادة".
السبت 2020/04/18
نجمات الثمانينات يظهرن بقوة في الموسم الدرامي المصري

استقطب صناع الدراما المصرية عددا من الممثلين المخضرمين لإعادة الرونق إلى موسم رمضان هذه السنة، واختاروا أسماء لامعة، بعد أن كان الرهان خلال العامين الماضيين على الأسماء الجديدة في تقديم دراما جذّابة.

أتقن منتجو الدراما في مصر خلال الموسم الرمضاني المُرتقب استثمار موجات الحنين الجارف إلى القديم بكل ما ينطوي عليه من هدوء وسكينة عبر استدعاء بعض النجوم الذين حصدوا شهرة واسعة منذ سنوات طويلة، مكنتهم من التربّع في وجدان قطاع كبير من الجمهور. وجاء انتشار فايروس كورونا وبقاء الناس في المنازل مساء ليعزّز فكرة النجاح والالتفاف حول شاشات التلفزيون.

ومن هناك، تشهد دراما رمضان عودة قوية لجيل سابق لعب دورا مهما في تشكيل ملامح الدراما المصرية كقوة ناعمة بأداء منضبط وخال من الافتعال، ويضم الموسم المرتقب تشكيلة قد لا تتكرّر كثيرا تجمع بين عادل إمام ويسرا ونبيلة عبيد ونادية الجندي ويوسف شعبان وسميحة أيوب ومحمود حميدة وحسين فهمي وسميحة أيوب ودلال عبدالعزيز.

ويمثل الجمع بين الوجوه القديمة والأسماء الشابة في عمل واحد محاولة للوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المشاهدين، ففئات عريضة من الجمهور لديها حنين إلى الماضي بأعماله الفنية ووجوه ممثليه الذين ارتبطوا بهم.

وغيّرت معدلات المشاهدة المرتفعة لقنوات الدراما القديمة التي لا تخلو جميعها من لقب “زمان” أو “كلاسيك”، توجهات الإنتاج الفني، فشريحة كبيرة من الجمهور على مواقع التواصل أصبحت ترفع شعار “الفنان أولا”.

محمود حميدة يشارك في رمضان بمسلسل "لما كنا صغيرين"
محمود حميدة يشارك في رمضان بمسلسل "لما كنا صغيرين"

وتخوض نادية الجندي ونبيلة عبيد وسميحة أيوب وهالة فاخر بطولة مسلسل واحد تحت عنوان “سكر زيادة” في أول تعاون بينهنّ، وفي رهان على قدرة الرباعي على جذب الجمهور لقصة تدور عن أربع سيدات تعرّضن للنصب في أثناء شراء منزل، وتدفعهنّ الظروف للعيش معا، والاشتراك في مجابهة الكثير من الطامعين في الحصول عليه أيضا.

وعلى مدار عشر سنوات ظلت نبيلة عبيد الملقبة بـ”نجمة مصر الأولى” ونادية الجندي التي تحمل لقب “نجمة الجماهير”، تُبّرران ابتعادهما عن الدراما بغياب الأدوار التي تُناسبهما، فأوراق السيناريو المقدّمة تُقلّل من تاريخهما وتُناسب من يريد الحضور فقط، وليس تقديم أداء مميّز.

وتكشف المقاطع الترويجية للعمل الذي كتبته ورشة تأليف برئاسة الشاب أمين جمال، أن قصة هذا العمل لا تبتعد عن الدمج بين فيلم أميركي شهير أنتجته شركة ديزني في الستينات بعنوان “ذا غولدن غيرلز”، مع الفيلم الكوميدي المصري “غريب في بيتي” بطولة نور الشريف وسعاد حسني.

ويعتمد “سكر زيادة”، الذي تولى إنتاجه صادق أنور صباح وتم تصويره في لبنان، على مجموعة من المفارقات المعتادة في الأعمال الكوميدية ذات التلميحات الجنسية، ما يجعل الهدف من جذب الأسماء الكبيرة التي يضمها استغلالا لأسمائهنّ في الدعاية فقط، ومداعبة خيال فئات عريضة من الجمهور متشوّقة لمعرفة كيف أصبحت قدراتهنّ التمثيلية؟ والتنمر على معادلة الزمن في تغيير ملامح الوجوه.

اختبار شعبية المخضرمين

قال السيناريست نادر صلاح الدين، لـ“العرب”، إن مسلسل “سكر زيادة” مكتوب خصيصا لممثلات تجاوزت أعمارهنّ السبعين، وتم الدفع بهنّ للتغلّب على تراجع شعبية كل منهنّ بعد الابتعاد سنوات، بحيث يستطعن جذب المتبقّي من جمهورهنّ القديم للمشاهدة.

وأضاف أن العمل يعتمد على نظرية حزمة الورود فالمنتج يعرف جيدا أن شعبية الممثلات الكبيرات تراجعت ولا يكفي الدفع بواحدة منهنّ للبطولة فقط، فتم تجميع أكبر عدد منهنّ في عمل واحد لجذب أكبر عدد من جمهورهنّ إلى المشاهدة واكتساب وزن نسبي في موسم يشهد منافسة بين أكثر من عشرين عملا مصريا، وبين أعمال أخرى من سوريا والخليج العربي.

وتبقى عودة هذا الجيل إلى الحياة الدرامية مرهونة بقدرة أوراق السيناريو في التعاطي مع طبيعة الأعمار الكبيرة لطاقم التمثيل وقدراته الفنية، وهي إشكالية معقدة في ظل شكوى مستمرّة منذ سنوات من انزواء الكتاب الكبار، وترك الساحة لورشات السيناريو التي تقدّم أحداثا مفكّكة وشخصيات غير مكتملة في أغلب الأوقات.

ويخوض عادل إمام الذي ينتمي إلى الجيل ذاته، المنافسة الرمضانية بمسلسل “فالنتينو” الذي كان مقرّرا عرضه العام الماضي، وتم تأجيله لأسباب متضاربة، بين ضيق الوقت وصعوبة لحاقه بالموسم الرمضاني، أو تضييق جهات حكومية على إمام لفرضه قيودا مسبقة على أفكار كاتبي السيناريو لمنع التعاطي مع الأوضاع السياسية والاقتصادية.

ويدور “فالنتينو” الذي كتب قصته الشاعر أيمن بهجت قمر، عن رجل أعمال يملك سلسلة مدارس دولية ويقع في خلافات مستمرة مع زوجته، ويواصل خلاله إمام الأداء ضمن مساحة يفضلها طوال تاريخه ولم تتأثّر بتقدّمه في العمر، ترتبط برجل يقيم علاقات نسائية متعدّدة ويقع في مشكلات بسببها.

ومن المفارقات أن المسلسل في نسخة العام الحالي يتضمن إنتاجا مختلفا رغم تصوير 40 في المئة من مشاهده في الموسم الماضي، فحلت شركة “سينرغي” بديلة عن المنتج هشام تحسين، مع الاستعانة بسمير صبري كضيف شرف في أول تعاون مع عادل إمام منذ تجربة فيلم “احترس من الخط” قبل حوالي أربعين عاما.

وتُشارك الفنانة يسرا بمسلسل “خيانة عهد”، بعدما غابت الموسم الماضي، بسيناريو لأحمد عادل، ويركّز العمل على دائرة الجوانب الاجتماعية التي تعشق يسرا تقديمها منذ أن تجاوزت الستين، وتدور أحداثه حول التفكّك الأسري عن شخصية سيدة تمتلك مصنعا للملابس، وتنشغل بحل مشاكل العمل عن رعاية ابنها الذي يلجأ إلى تعاطي المخدرات.

ويُعيد حضور هؤلاء النجوم في موسم درامي واحد، الأذهان إلى سوق السينما في فترتي الثمانينات والتسعينات، والتنافس بينهم على إيرادات شباك التذاكر في موسم عيدي الفطر والأضحى، ويمثل بالونة اختبار لمعدّل المشاهدات، وإمكانية الزجّ بباقي الأسماء القديمة المختفية عن الساحة، مثل سميرة أحمد وشهيرة.

وعاد الفنان يوسف شعبان من الاعتزال إلى المشاركة في بطولة مسلسل “سيف الله” الذي يواجه مشكلات كبيرة في تصويره قد تحول دون لحاقه بالموسم الرمضاني، بسبب العدد الضخم من الكومبارس الذي يضمّه، وتتماشى قصة العمل التاريخية عن خالد بن الوليد، والمأخوذة عن “عبقرية خالد” للكاتب الراحل عباس محمود العقاد، مع الأدوار التي يعشقها شعبان الذي سبق له المشاركة في الكثير من الأعمال الدينية.

يسرا في عمل جديد عن التفكّك الأسري
يسرا في عمل جديد عن التفكّك الأسري

وحرص المنتجون في الموسم الرمضاني الجديد على تلافي ظاهرة “الممثل الدوار” الذي يشارك في خسمة مسلسلات في الوقت ذاته، وقرّروا الاستعانة ببعض النجوم البعيدين عن الدراما منذ سنوات وإغراءهم بأدوار تمّت صياغتها خصيصا لهم، تمنحهم دورا أكبر في تحريك الأحداث مثل محمود حميدة الذي يشارك في مسلسل “لما كنا صغيرين” عن كوارث تتعرّض لها مجموعة من الأصدقاء في حياتهم بسبب جريمة ارتكبوها في الماضي.

ويشارك حسين فهمي في مسلسل “حتى لا يطير الدخان” عن رواية للأديب إحسان عبدالقدوس المستوحى من فيلم سبق تقديمه ويحمل العنوان ذاته، عن شاب ينتقم من أصدقائه الأثرياء لرفضهم إقراضه مالا لعلاج والدته المريضة التي تموت.

ووصلت محاولات استعادة أجواء أجيال سابقة إلى فكرة الأعمال ذاتها، كمسلسل “الفتوة” لياسر جلال، والذي يدور قبل مئة عام في الحارة المصرية ولا يخرج كثيرا عن أدب نجيب محفوظ وسلسلة أفلام الحرافيش وخلطتها المتكرّرة من اشتباكات بالعصي للسيطرة والزعامة. فالعمل قصته شبيهة بسلسلة أفلام “الفتوة” و“سعد اليتيم” و“التوت والنبوت” و“خمسة باب” و“الشيطان يعظ”.

وأكد الناقد الفني إلهامي سمير، لـ“العرب”، أن المسلسلات المصرية في المواسم الأخيرة فقدت قدرتها على الاستمرارية لما بعد الموسم الرمضاني فمتابعتها أصبحت تقتصر على شهر واحد فقط، ولا تستطيع جذب الجمهور الكبير في عروضها التالية، على عكس الدراما القديمة التي لا تزال تحتفظ بجمهورها مع تكرار عرضها، وربما كان ذلك الدافع وراء استقطاب أكبر عدد من النجوم القدامي.

بعيدا عن خيال الظل

ظل الممثلون الكبار في المواسم الرمضانية السابقة يرفضون لعب دور “خيال الظل” لأجيال الشباب، وقرنوا مشاركتهم بوجود أدوار محركة للأحداث وليست هامشية. وربما تحقّق مُبتغاهم في رمضان الحالي مع فتح المجال أمام الجهات الإنتاجية للعودة، على عكس الموسم الماضي الذي احتكرت فيه شركة “سينرغي” غالبية الإنتاج.

واصطدمت عودتهم بانتشار فايروس كورونا الذي فرض قيودا على حرية صناعة الأعمال الدرامية وأعداد المشاركين فيها وأماكن التصوير، ما هدّد قدرتهم على الأداء وتقمّص الشخصيات في ظل تعليمات للمخرجين باستكمال الأعمال بأسرع وقت والتخلّي عن جودة المشاهد لصالح عنصر الوقت، خوفا من أن تؤدّي إصابة أحد العاملين بالعدوى إلى تعطيل العمل.

وأضاف إلهامي، أن دخول بعض المسلسلات حيز التصوير مبكرا على غير المعتاد في شهر سبتمبر الماضي أنقذ الموسم، ومنح المخرجين قدرة على اختصار الوقت وإلغاء التمطيط والتطويل في الأحداث، ما ينذر باختفاء مسلسلات الستين حلقة، وعودة الثلاثين أو أقل.

عادل إمام يعوّض غيابه في الموسم الماضي بـ"فالنتينو"
عادل إمام يعوّض غيابه في الموسم الماضي بـ"فالنتينو"

واضطر صناع مسلسل "سكر زيادة" إلى تقليص عدد حلقاته من ستين إلى عشرين فقط، مع تقليل وقت الحلقة الواحدة إلى 24 دقيقة بدلا من 45 فقط مع انتشار فايروس كورونا في لبنان أثناء التصوير، ووضع قيود على الحركة تحاشيا لتعرّض كادر التمثيل الذي يسيطر عليه السن الكبير لخطر العدوى. وحرص أغلب المخرجين على استكمال التصوير رغم ظروف العمل غير الاعتيادية بارتداء أطقم الفنيين أقنعة على الوجوه وقفازات في الأيدي وترك مساحات إجبارية بين الممثلين في المشهد الواحد، وإلغاء المشاهد العاطفية، وسط حديث عن تعليمات رسمية لهم بتوفير وسيلة التسلية المثالية للملايين القابعين بالمنازل في رمضان حال استمرار قرارات حظر التجوال، والحفاظ على صناعة يتم تصديرها إلى لدول العربية بصرف النظر عن الجودة.

وتوقّع الناقد الفني، إلهامي سمير، أن يكون مسلسل “فالنتينو” الأكثر جذبا للأضواء في الموسم الرمضاني، فعادل إمام لا يزال يُحافظ على عرشه في زعامة الدراما، رغم تراجع قدراته الفكاهية، وعدم جودة الأفيهات التي يقدّمها خلال تجاربه الرمضانية الأخيرة.

وتعاني دراما رمضان من تقلّص مساحات التسويق، فإعلانات الطرق متوقفة مع تقلّص حركة المواطنين في الشوارع، والمنتجون لا يريدون المغامرة بالمزيد من الإنفاق في خضم أوضاع مالية صعبة يمرّ بها النشاط الاقتصادي بوجه عام.

وترتبط عودة الأسماء الكبيرة مع السقوط الحر، لفكرة تسيّد “النجم الشاب” رأس الهرم الإنتاجي، واحتكاره لاختيار فريق العمل من الإخراج وحتى كتابة السيناريو التي تسبّبت في فشل الكثير من الأعمال الدرامية في الموسمين الماضيين، والزجّ بأسماء بعينها مقرّبة من بطل المسلسل في أدوار لا تناسب قدراتها الفنية.

13