سقوط حزب نداء تونس الحاكم

الجمعة 2016/01/15

عرف حزب نداء تونس الحاكم في تونس نهاية مأساوية كانت أسرع ممّا تصوّره خيال أيّ باحث. فالحزب الذي تكوّن منذ ثلاث سنوات ونصف السنة وُلد كبيرا ونشأ في حضن مؤسسه الباجي قائد السبسي الذي أتقن تقليد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة. ونال الحزب حظوة واسعة عند قطاع واسع من رجال المال والأعمال ونال منهم الدعم اللامتناهي واستقطب السياسيين الدساترة والتجمّعيين القدامى وجلّ أعوان نظام زين العابدين بن علي في مختلف القطاعات والهياكل.

اكتسح حزب نداء تونس انتخابات 2014 التشريعية والرئاسية مستفيدا من كاريزما مؤسسه رغم تقدمه في السنّ. ونجحت شخصية السبسي في التغطية على كل السلبيات والتناقضات التي كانت تشق الحزب. ولكن الفوز بالأغلبية البرلمانية التي منحت الحزب الحق في تكليف رئيس الحكومة والفوز بالرئاسية أشعل التناقضات وأخرج الصراعات إلى السطح.

وكانت المشكلة القاصمة التي لم يتمكن الحزب من تجاوزها متمثلة أساسا في علاقته مع حركة النهضة الخصم السياسي اللدود. فبعد أن بنى الحزب حملاته الإعلامية والانتخابية على معاداة النهضة وعلى فضح فشل حكومتيْها في الحكم ضمن ائتلاف الترويكا، فاجأ السبسي حزبه، والشعب التونسي برمته، حين أجبر نداء تونس على التحالف مع حركة النهضة ممّا أدخل الارتباك على الحزب.

ومن علامات هذا الارتباك التردّد في اختيار رئيس الحكومة. وكان الاختيار بيد السبسي مرة أخرى وقد كان يبحث عن شخصية تنال رضا حركة النهضة. ولم يجد في حزبه هذه الشخصية فبحث عنها خارجه.

وكانت هذه هي السقطة الكبرى الثانية للحزب الفائز في الانتخابات، حيث تنازل عن التكليف الشعبي الانتخابي لحزبه، ومنحه لشخص غير متحزب لم يشارك في الانتخابات أصلا ولم يكن له أي دور في المعركة المدنية التي خاضها الشعب التونسي بقواه التقدمية ومنظماته المدنية والاجتماعية ضد المشروع الرجعي الإخواني. وكلف الحزب الحبيب الصيد الذي كان وزيرا للداخلية في حكومة السبسي الانتقالية سنة 2011، ثم مستشارا أمنيا لحمادي الجبالي الرئيس الأول لحكومة الترويكا بعد انتخابات 2011. لقد كان الصيد الرجل المناسب لما يراه السبسي ويبحث عنه.

ولكن الصيد لم يظهر للرأي العام أنه رئيس الحكومة القوي الذي تحتاج إليه تونس لبناء جمهوريتها الثانية. فقد دخل سريعا تحت جبّة السبسي وأبعد عن مشاوراته الحكومية من طلب السبسي إبعادهم مثل الجبهة الشعبية وبقية أحزاب جبهة الإنقاذ التي أنقذت تونس من مشروع حركة النهضة الرجعي الاستبدادي سنة 2013. وسارع في التشاور مع حركة النهضة الحليف الرئيسي الذي أراده السبسي. كان الصيد مستقلا عن الأحزاب ولكنه لم يكن مستقلا عن السبسي.

وحال تكليفه أعلن الحبيب الصيد أن حكومته ستطبق برنامج حزب نداء تونس الفائز في الانتخابات والذي كلفه برئاسة الحكومة. وخلافا لما أعلن عنه يوم تكليفه، طلب الصيد من كل وزير من وزرائه، بعد نيل حكومته الثقة، أن يعد له برنامجا عاجلا من عشر نقاط لتنفيذه في وزارته. وهو طلب غريب لم يرض حزب نداء تونس واعتبره انحرافا عن مهام الحكومة ورئيسها.

وفي مجلس نواب الشعب، افتقدت كتلة نداء تونس للتكامل في ما بينها وعجز رئيسها عن السيطرة عليها وقيادتها. ولم تكن الكتلة في تجانس مع حكومتها في المشاريع الكبرى لا سيما قوانين الهيئات الدستورية، مثل مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء وقانون المحكمة الدستورية وكذلك قانون المالية 2016. وسرعان ما بدا التفكك على الكتلة بإعلان مجموعة من 32 نائبا تعليق عضويتها في الكتلة والتلويح بالاستقالة منها.

ولم تمرّ أزمة الكتلة النيابية دون أضرار على حكومة الحبيب الصيد، فقد أدّت إلى استقالة وزير العدل محمد الصالح بن عيسى الذي رفض مشروع المجلس الأعلى للقضاء بالصيغة المعدّلة التي اقترحتها لجنة التشريع العام التي يرأسها القيادي في نداء تونس عبادة الكافي والذي انتهى به المآل إلى الاستقالة من الحزب. كما استقال الوزير الأزهر العكرمي القيادي في حزب نداء تونس من حكومة الحبيب الصيد، وهو الوزير الذي كان مكلفا بالعلاقة مع مجلس نواب الشعب بعد أن نشر رسالة مدويّة عن الفساد والتعثر الحكومي.

وبدأت مظاهر العناء تظهر على حكومة الحبيب الصيد المدعوم بقوة من رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي ومن حركة النهضة. أما حركة نداء تونس فلم تكن راضية على الصيد وتعالت أصوات من داخل الحزب وداخل الكتلة النيابية المنقسمة تنادي بمحاسبة رئيس الحكومة وبتقييم أدائه لا سيما في ما يتعلق بالبرنامج الذي يطبقه. انتهت حكومة الائتلاف الرباعي التي يقودها نداء تونس إلى تعديل وزاري مس أغلب الوزراء المستقلين دون مبررات مقنعة سوى زيادة نصيب ثلاثة من أحزاب الائتلاف الرباعي فيها.

أما حزب نداء تونس فإنه انحدر نحو السقوط والتهاوي، إذ خسر أغلبيته البرلمانية لصالح حركة النهضة بعد سيل الاستقالات الذي لم يتوقف. كما كشف مؤتمره التأسيسي الأخير الذي انعقد في 9 و10 يناير عن انقسامه النهائي وتشظيه إلى أكثر من جزء. وكان هذا التشظي من نتائج خيار التحالف مع حركة النهضة أولا، ومن نتائج فرض التوريث وإجبار الحزب على أن يقبل أن يقوده نجل السبسي حافظ قائد السبسي. وخيار التحالف مع حركة النهضة وتوريث السبسي الابن هما خيارا رئيس الحزب المؤسس ورئيس الجمهورية الحالي الباجي قائد السبسي.

راهن السبسي على الكاريزما التي يتمتع بها بين الندائيين، وعلى مكانته السياسية في تونس وفي العالم لفرض خياراته قسرا على حزبه الفائز بكل المحطات منذ تأسيسه. ولكنه افتقر لما كان به يسيطر بورقيبة وبن علي على حزبيهما اللذين أراد أن يتشبّه بهما. لقد افتقر للسطوة والسلطة المطلقة، ولم يفهم أن الانضباط الحزبي القديم لم يكن وفاء بل كان خوفا وطمعا. أما الطمع فقائم دائما وأما الخوف فقد زال.

كاتب وباحث سياسي تونسي

9