سقوط "حماس" في غزة.. وسقوط إخوان مصر

الاثنين 2013/10/28

هناك هذه الأيام كلام ملفت يصدر من غزّة عن رئيس الحكومة الفلسطينية المقالة السيد إسماعيل هنية. يؤكّد الرجل أن لا علاقة لـ«حماس» بالعمليات الإرهابية التي تستهدف الجيش المصري في سيناء وفي مدن القناة. بعد ذلك، يتحدّث هنيّة، وهو من قياديي «حماس»، عن المصالحة الوطنية الفلسطينية. يبدو فجأة وكأنّه أصبح من أشدّ المتحمسين لهذه المصالحة.

يترافق ذلك مع نوع من الغزل بين «حماس» وإيران عبر تلميحات صادرة عن رئيس المكتب السياسي للحركة السيّد خالد مشعل.

لا يشير ذلك كلّه سوى إلى أمر واحد هو المأزق الذي تعاني منه «حماس».

تسعى «حماس» من أجل الخروج من هذا المأزق إلى إقناع مصر بأنها ليست وراء الإرهاب في سيناء. تعمل في الوقت ذاته على الإتيان بغطاء فلسطيني للنظام «الطالباني» الذي أقامته في قطاع غزّة عن طريق إظهار حماستها للمصالحة الوطنية، غير آبهة بأن المصالحة تعني الإقدام على خطوات معيّنة واضحة كلّ الوضوح. لا تعي «حماس» أن ليس هناك مصالحة من أجل المصالحة، وأن المصالحة، أيّ مصالحة، لا تعني شيئا من دون مضمون سياسي محدّد.

يتمثّل هذا المضمون في القبول بالسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة والاعتراف، من جهة أخرى، بوجود برنامج سياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، أقرّه المجلس الوطني في العام 1988، في أساسه حلّ الدولتين وليس أي شيء آخر. أي لا وجود لبرنامج وطني فلسطيني يدعو إلى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر، أو من النهر إلى البحر، بصفة كونها «وقفا إسلاميا».

من ينادي بمثل هذا البرنامج لا يخدم سوى الاحتلال الإسرائيلي وحكومة بنيامين نتانياهو التي تدّعي أنّ «لا وجود لشريك فلسطيني يمكن التفاوض معه».

بكلام أوضح، تعمل «حماس»، وهي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الإخوان المسلمين الذي أفلتت مصر من براثنه، على تأكيد أن لا علاقة لها بالإرهاب من قريب أو بعيد. إنها تحاول إقناع الحكم في مصر بأنّ الإرهاب في سيناء يأتي من السماء وليس مرتبطا بالسلاح الذي يأتي من غزة. ليس معروفا على من تضحك «حماس»، اللهمّ إلا إذا كانت تعتقد أن الضحك على النفس يمكن أن ينطلي على الأجهزة الأمنية المصرية التي تعرف تماما معنى فوضى السلاح في غزّة وانعكاس هذه الفوضى على سيناء، بل على مصر كلّها.

هناك وعي لدى المؤسسة العسكرية المصرية ولدى الشعب المصري عموما بخطورة الوضع القائم في قطاع غزّة على الأراضي المصرية كلّها وعلى الأمن المصري.

تزداد هذه الخطورة في ضوء الوضع القائم في السودان، حيث لدى إيران تسهيلات عسكرية كبيرة تمكّنها من تهريب الأسلحة إلى الأراضي المصرية ومنها إلى سيناء وغزّة. ما يزيد هذا الوضع خطورة وجود عصابات ليبية مرتبطة بالإخوان، وغير ذلك من التنظيمات الدينية المتطرّفة، التي لا همّ لها سوى تصدير الإرهاب إلى البلدان المحيطة بهذا البلد. من هذه البلدان تأتي مصر التي صار عليها توزيع جيشها على كلّ المناطق والنقاط الحدودية، أي في صحراء سيناء وفي المناطق القريبة من ليبيا والسودان.

تعتقد «حماس» أن إيران لا تزال ورقة تستطيع التلويح بها من أجل الحصول على تنازلات من مصر. ولذلك، هناك تسريب لمعلومات عن احتمال قيام مشعل بزيارة لطهران. لم يتردد رئيس المكتب السياسي لـ»حماس» في الاعتذار ضمنا من النظام السوري، عندما أعلن من بيروت أن التغيير في سوريا يجب أن لا يكون عن طريق السلاح. نسي السيّد مشعل أن من لجأ إلى السلاح والقتل هو النظام السوري وأنّ ثورة الشعب السوري بقيت سلمية طوال أشهر عدّة. ولكن ما العمل عندما يكون هناك نظام لا يعرف سوى لغة واحدة هي إلغاء الآخر، حتى لو كان هذا الآخر الشعب السوري الذي أصبح «مجموعة من الإرهابيين»، على حدّ تعبير بشّار الأسد.

بالنسبة إلى «حماس»، لا مشكلة في التزلّف إلى مصر الآن، بعدما كان مطلوبا قبل أشهر قليلة مشاركة الإخوان المسلمين في التآمر عليها. لم تعد هناك شروط تعجيزية لتحقيق المصالحة الفلسطينية. لم تعد هناك مشكلة في العودة إلى طهران، في حال كان ذلك يساعد في ابتزاز الدول العربية التي دعمت الثورة المصرية، «ثورة الثلاثين من يونيو» التي انتزعت مصر من الحكم الشمولي الذي سعى الإخوان إلى فرضه على الشقيقة الكبرى.

تكمن مشكلة «حماس» بكلّ بساطة في أنها لا تريد الاعتراف بأن رهانها على الإخوان المسلمين في مصر سقط. كانت «حماس» جزءا لا يتجزّأ من عملية خطف الإخوان لـ»ثورة الخامس والعشرين من يناير» تمهيدا لوصول محمّد مرسي إلى الرئاسة. من يحتاج إلى دليل على ذلك، يستطيع العودة إلى الدور الذي لعبته الحركة عن طريق مسلحيها في عملية إخراج مرسي من السجن الذي كان محتجزا فيه في أواخر أيّام نظام حسني مبارك.

مع سقوط الإخوان المسلمين في مصر، سقطت «حماس» أيضا في غزة. المسألة مسألة وقت ليس إلا. لا وجود لمشروع سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي أو حضاري لـ»حماس» في غزّة. هناك مشروع أمني ارتدّ على أهل غزة وفقد في الوقت ذاته بعده الحيوي الذي كانت تمثله مصر عندما كانت في قبضة الإخوان.

كلّ ما تستطيع «حماس» عمله حاليا، بدل التبرؤ من الإرهاب والسعي إلى المصالحة مع «فتح» والتلويح بالورقة الإيرانية، يتمثّل في الانسحاب من الساحة الغزاوية.

يفترض بها الإقدام على هذه الخطوة من دون الإعلان عن حلّ التنظيم الإخواني. تستطيع تسليم مرافق القطاع إلى مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية التي حققت بعض النجاح في الضفّة الغربية، خصوصا بفضل حكومة الدكتور سلام فيّاض التي سعت بالفعل إلى إقامة مؤسسات.

كلّ ما عدا ذلك، يندرج في سياق عملية الهروب المستمرّة إلى الأمام في ضوء سقوط مشروع انتحاري لم يأت على غزّة والغزاويين سوى بالبؤس. إنّه الخيار الوحيد المتوفر أمام «حماس» في حال كانت لديها رأفة بالشعب الفلسطيني وقضيّته.


إعلامي لبناني

8